As Safir Logo
المصدر:

القيـسي: »لفاكهتنـا وخضارنـا أرواح تمـوت عنـد المسـاء« سـتون عامـاً مـن حيـاة سـوق الخضـار المركزيـة لمدينـة بيـروت

السوق يستقبل »أرواح« الخضار النضرة فجرا (الصورتان لـعلي علوش)
المؤلف: خالدية جهينة التاريخ: 2008-12-27 رقم العدد:11184

عند الخامسة فجراً، تكون في عزّ شبابها. فقد نزلت من فوق أشجارها، وتركت مساحة في التراب، لغيرها.عند الخامسة فجراً، تكون حبات الخضار والفاكهة في منتصف عمرها. قُطفت منذ ساعات أو أيام قليلة، ونامت في صناديقها السوداء. تكدّست الصناديق في الشاحنات، ثم تدافعت إلى سوق الجملة للعاصمة بيروت عند المدينة الرياضية.على أرض السوق الممتدة على مساحة 35 ألف متر مربع، ستجد كل حبة في كل الصندوق نصيبها. تكون فعلياً قد انتقلت من أراض أهاليها المزارعين في القرى اللبنانية، إلى بائعي السوق، المعلمين، ليحتضنوها طوال النهار بأمانة، في انتظار أن يأتي نصيبها إلى خارج حدود السوق.بعض الحبات المحصورة أسفل الصناديق، لا ترى وجوه أهلها الجدد، أو أولئك الموقتين، لكنها تشعر بأنها تنتقل من يد إلى أخرى، وأخرى. وتبقى عند تاجر السوق بقيةٌ لم تجد من يشتريها، فترحل آخر النهار إلى مكب النفايات أو إلى شاحنة »سوكلين« مباشرة. لا يمكن لحبة لم يأت نصيبها اليوم، أن تنتظر الغد: »نحن نتاجر بكائنات حية ذات أرواح، لفاكهتنا وخضارنا أرواح تموت عند المساء«، يقول نقيب معلمي الخضار والفاكهة محمد القيسي.»جزدان الست«في هذه الساعة المبكرة من الصباح، يكون »الباذنجان« وحيداً عند أبي هيثم، أحد معلمي السوق. الباذنجان الخمري الداكن والممتلئ يتراكم في صناديقه، لا يكترث فعلاً لوحدته، فصاحبه يعرف اسم صنفه جيداً: »جزدان الست«.حوالى السابعة مساء، تجد عدداً قليلاً من المعلمين يوضبون محلاتهم لاستقبال البضائع الطازجة. التوضيب يعني لملمة الصناديق الفارغة، وتنظيم الفواتير اليومية، وإجراء »حسبة« الأرباح. بذلك، ينشغل المعلم أبو أحمد الجالس في زاوية محله. أما ابنه أحمد الخجول فيردد في أثناء حراكه المستمر ما حفظه عن والده سابقاً: »بالذمم ولا بالركب.. بالذمم ولا بالركب يا رب«.تقوم هذه المقولة مقام خاتمة كل يوم عمل في حياة المعلمين. ويتدخل أبو أحمد ليساعد ابنه في شرح المقولة، بالقول: »كل تاجر تتراكم بضاعته أمامه يرضى أن يبيعها بالرخيص، أو بذمة أحدهم، بدلاً من أن تتكدس عنده. بكلمات أخرى، انصبوا عليّ ولا تبقى بضاعتي بين رجليّ!«.في المقابل، يقول رئيس الاتحاد العام لنقابات المزارعين والفلاحين في لبنان أنطوان الحويك إن »هناك حاجة ماسة لتنظيم عمل أسواق الجملة، وهناك ضرورة لأن تتدخّل الدولة لتحفظ حق المزارع، وتقوم بتسجيل معلمي سوق الخضار بشكل شرعي في المحكمة التجارية وفي غرفة التجارة. وعلى الدولة أن تقوم بمراقبة دفاترهم وحساباتهم وإلزامهم باستــخدام فواتير رسمية من الدولة، يحق للدولة الاطلاع عليها وقت تشاء«. وهذه الخطوة، برأي الحويك، تحفظ حق المزارع، »بحيث يتأكد مما باعه المعلم في السوق، بموجب الفاتورة الرسمية«.20 ساعة عمل متواصلةفي الزيارة الثانية للسوق، تُسمع قصصه، وتتوالى مشاهده منذ الواحدة فجراً حتى الثامنة مساء. قصص تمتد يومياً على نحو عشرين ساعة، منذ نشأة هذه السوق في الخامس من كانون الثاني ،1985 على أرض نادي الفروسية التابع للمدينة الرياضية.للسوق وتيرة عمل لا تنقطع، يحركها عناصر يتوزعون بين مئة وسبعين معلماً، وبين تجار الجملة والمفرق الذين يقصدون السوق للشراء والبيع، وبين الفلاحين الذين يأتمنون المعلمين على بضاعتهم، بالإضافة طبعاً إلى الحمّالين الجاهزين لتلبية الطلبات كلها.بعد منتصف الليل، تبدأ الشاحنات المتوسطة والكبيرة الحجم بالتوافد إلى السوق. يصل عددها، بحسب القيسي، إلى »300 شاحنة يومياً، تحمل بضائع الفلاحين، وتوزعها بشكل حر وإرادي على أي معلم يختاره المزارع في السوق، وتكون بأمانة هذا المعلم الذي يدفع للمزارع ثمنها بعد بيعها، ويحصل على عمولة عشرة في المئة من الأرباح«.يتحدد سعر البضاعة تبعاً لقاعدة السوق، أي بحسب العرض والطلب. ويؤكد القيسي أن »السوق أشبه بالبورصة، تتحدد الأسعار فيها بشكل يومي، بحسب ما يُعرض من بضائع وما يُطلب منها«.تساعد الأرقام في تبيان أهمية هذه السوق المركزية لبيروت، فهي على حد قول القيسي: »تستوعب بين 60 و70 في المئة من الإنتاج اللبناني، ويدخل إليها نحو ألفي تاجر وبائع، ونحو ثلاثمئة عامل وحمّال مياوم، 95 في المئة منهم من الجنسية السورية«.ويؤكد القيسي أن »الإنتاج الذي يدخل إلى سوق الجملة لا يكون محلياً فقط، بل يأتي جزء منه من سوريا وجزء آخر من مصر والأردن، وهناك جزء مستورد من أنحاء مختلفة من العالم«. يتوقف النقيب عند »المشكلة الأزلية بين الإنتاج المحلي والإنتاج السوري الذي »يضرب« الإنتاج المحلي ولا يخضع دخوله إلى لبنان لأي رقابة أو أي رزمانة زراعية تحدد توقيت إدخال البضائع إلى لبنان، مثلما هي الحال مع مصر والأردن على سبيل المثال«.أما الحويك فيعود إلى »اتفاقية التيسير العربية التي أقرّت تبادل المنتجات والسلع بحرية بين البلدان العربية«، معتبراً أنه »حتى اللحظة لا يستطيع المزارع اللبناني أن ينفذ هذه الاتفاقية لضعف إنتاجه غير المدعوم من الدولة، والذي لا يستطيع منافسة أي إنتاج غير محلي يدخل إلى لبنان«.قصة يوم عادينترك الأرقام الرسمية جانباً، ونعود إلى الجولة المسلية والمتعبة في آن بين المحال المبنية بشكل متوازٍ، والتي تنضوي تحت لواء »هنغارين« يمتدان على مساحة عشرة آلاف متر، لتبقى من السوق مساحة 25 ألف متر مخصصة للطرقات المحيطة بالمحال وللموقف الجانبي.تخلو السوق من الشعارات والهتاف، ومن نداءات قد يتوقع المرء سماعها في سوق للخضار. ففي عز الحركة، بين الخامسة والثامنة صباحاً، لا يرتفع النداء الغزلي »بخدود الحلوة يا بندورة«، أو أصابيع البوبو يا خيار«، و»أوراقك طرية يا ملوخية«.. وإنما تتشكل الأصوات البديلة من جلبة الشاحنات وأبواقها، والصناديق التي »تُشقّع« (تتراكم) فوق بعضها البعض، وتتوزع بحركات ميكانيكية على كل محل، في خلية النحل الضخمة هذه حيث يصعب على المرء أن يجد موطئ قدم في ساعات الذروة. تهدأ حركة السوق تدريجاً. وبحلول التاسعة صباحاً، يظهر عدد من الشباب، يكنسون الطرقات أمام المحال، ويُسمع صوت حاجٍ مؤمن يشكر الله على »الرزقة الكريمة«.من هنا وهناك، يُسمع كلام يصب أغلبه في مجالات العمل والمساومة على الأسعار والكميات، وقلما يعلو نقاش في السياسة أو في مواضيع بعيدة عن هذه التجارة. الحاج المنهمك بعدّ رزم البقدونس في الصندوق الأسود، يقول إن »نحن وين والسياسة وين؟ يا عمي نحن لاحقين الرغيف، والرغيف هربان منا وبدك نحكي عن الزعماء؟ لا ما حزروا.. الحكي مع التجار أصدقاء عمرنا، عن عائلاتهم وخضرياتهم وبندوراتهم أهم بكتير، على الأقل خضرياتي لا سنّة ولا شيعة!«.ثلاث ولادات لسوق واحدةكانت الولادة الأولى لسوق خضار بيروت في سوق الأرجنتين في البرج، خلف سينما ريفولي. يروي النقيب محمد القيسي عن تلك الأيام: »في العام ،1948 ولدت سوق الخضار، وولدت نقابته عند الريفولي. وكانت الأسواق تقسم إلى ثلاث: سوق الخضار بالجملة، وسوق بالمفرّق، وسوق لتجار اللحمة. كان تجار هذه الأسواق وزبائنها يغمرون البلد في كل تظاهرة. كان لسوق الخضار بالجملة أهمية خاصة ودور سياسي في التظاهرات آنذاك، حتى أنه في يوم من الأيام اجتمع عند نقيب معلمي الخضار عبد الرحمن شاتيلا، كل من الرئيس صائب سلام، وعادل عسيران، وكميل شمعون لينطلقوا في التظاهرة التي طالبت بإقالة الرئيس بشارة خوري وانتخاب كميل شمعون بدلاً عنه«.وعن دور السوق التجاري آنذاك، يروي النقيب السابق الراحل سعد سمهون في عدد »السفير« الصادر بتاريخ 15ـ3ـ،1985 أن »سوق الخضار بالجملة في الريفولي كانت تضم 135 تاجراً يمارسون مهنة تصريف الإنتاج الزراعي اللبناني التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا منذ أكثر من خمسين عاماً«.اغتيلت هذه السوق إثر اندلاع الحرب اللبنانية في العام ،1975 وانتشار المسلحين في ساحة الشهداء ومحيطها، إذ تم حرق ونسف وسلب المحلات التجارية. وكان أول الاقتراحات البديلة عن الريفولي يدعو إلى إنشاء سوق في صحراء الشويفات. لكن لأسباب خلافية عدة، لم يكتمل المشروع، فانتقل التجار إلى نفق سليم سلام الذي كان قد أنشئ وافتتح حديثاً، لتكون فيه الولادة الثانية لسوق الخضار بالجملة.فرش التجار عرباتهم وبسطاتهم في نفق طوله 600 متر وعرضه 20 متراً، أوجدوا فيه مساحة بديلة عن سوقهم المدمّرة، إذ قطعوا أحد اتجاهي الطريق، واستمرت حركة السير في الاتجاه الآخر. وقد ذكرت تقارير عدة عن وفاة عدد من الناس داخل النفق بسبب دخان الشاحنات والسيارات. ويؤكد القيسي أن »الموقع الثاني ما كان يليق أبداً بتجار الخضار، ولا بسوق مركزية لبيروت«.ويأتي موعد الولادة الأخيرة للسوق، هنا، في مقابل المدينة الرياضية. كان من المفترض أن انتقال التجار من نفق سليم سلام إلى أرض نادي الفروسية التابع للمدينة الرياضية ليس إلا عملية موقتة لحين إيجاد مكان دائم للسوق. لكن الموقت بلغ هذه السنة عامه الـ،18 ولا يبدو أنه قابل للتغيير في المستقبل القريب، لا سيما بعد إلغاء مشروع إقامة سوق الخضر والفاكهة بالجملة على أراضي »راديو أوريان« في منطقة الحدث في العام ،1995 وبعد إلغاء سوق الكرنتينا في العام 2004.أما آلية الانتقال من سليم سلام إلى المدينة الرياضية، فكانت بعدما تم تلزيم هذه السوق في العام ،1980 بقرار من مجلس الوزراء، وبكلفة ثمانية ملايين ونصف المليون ليرة. وكان من المقرر أن ينتهي العمل فيه بغضون سبعة أشهر، إلا أن الاجتياح الإسرائيلي أخّر تاريخ الانتقال حتى بداية 1985. ويقول النقيب الحالي محمد القيسي، الذي يتولى هذا المنصب منذ العام ،2000 إن بلدية بيروت هي التي بنت السوق، بناء على قرار من رئيس الوزراء شفيق الوزان، علماً بأن هذه المساحة تعتبر في نطاق بلدية الغبيري.ويؤكد القيسي أن التاجر لا يدفع إيجاراً للمحل، بل يدفع بدل خدمات للبلدية بقيمة 300 ألف ليرة لبنانية شهرياً.ويشرح القيسي أن النقابة وزعت المحال على التجار وفق السجلات التي تملكها بأسمائهم، مؤكداً عدم إمكانية زيادة عدد التجار ولا المحال: »لكن ما يميل إليه البعض هو أن يحل تاجر محل آخر«.أما البديل عن الموقت الحالي فهو، بحسب رئيس الاتحاد العام لنقابات المزارعين والفلاحين أنطوان الحويك، »إنشاء سوق الكرنتينا التي من المفترض أن تجمع سوقي المدينة الرياضية وسن الفيل، لنعكس واجهة القطاع الزراعي اللبناني«.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة