وأخيرا أصبح للفنان، الكاتب والمثقف اللبناني قانوناً يضمن له حاضراً ويؤمن له مستقبلاً. وليس مستغرباً على الاطلاق ان تعيش نقابات المهن الفنية زهواً لا بل احتفالاً بلحظة تعد تاريخية. لقد أبصر قانون تنظيم المهن الفنية النور، عملياً، بعد مرور خمسين سنة على انتظاره، أي منذ عهد الاستقلال اللبناني، وبعد ان فارق العشرات من الفنانين والمثقفين الحياة وفي قلوبهم حسرة على حقوقهم التي لم يحّصلوها طوال عملهم، وعانوا الأمرّين في مرحلة الشيخوخة أو المرض. وكثيرة هي الأسماء التي تستحضر من ذاكرتنا قصصاً بنهاية حزينة لا تشبه نهايات المسلسلات السعيدة، لذا أتى القانون لينعش الفن والفنانين في لبنان، ويعطيهم الأمل لا بل ربما بداية انطلاقة جديدة تشجع على سلوك درب الفن. في الخامس عشر من الشهر الحالي اجتمعت لجنة الإدارة والعدل عقب انتهاء الجلسة التشريعية في مجلس النواب، برئاسة النائب روبير غانم، وأقر المجتمعون اقتراح قانون معدّل لتنظيم المهن الفنية، ولا سيما في المواد ،6 و،8 و10 و15 بحيث أصبح يحفظ حق النقابات المنشأة قبل صدور القانون، شرط استيفائها بعض الشروط الواردة في المادة 9 من هذا القانون. وكان لوزارة الثقافة دور مهم في السعي لإقرار القانون، بفضل الاقتراح الذي تقدم به الوزير تمام سلام مؤخراً، من اجل نقل هذا المشروع بأسرع وقت إلى لجنة الادارة والعدل النيابية، ومن ثم إلى الهيئة العامة في المجلس النيابي لإقراره، بعد التفاهم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.وقد يكون أبرز ما في القانون حفظه لحقوق الشيخوخة والتقاعد للفنان، وكونه يعالج مسألة الطبابة في المستشفيات التي انتظر كثيرون على أبوابها من دون طائل، من خلال صندوق التعاضد الذي جاء كـ»منقذ«، له وجه إيجابي إضافي، إذ يوحد كل النقابات المعنية تحت سقف واحد. وبالتالي يستفيد من القانون الجديد المنتسبون إلى نقابات الممثلين، الفنانين المحترفين، السينمائيين والفنانين، الموسيقيين، الزجل، المنتجين والموزعين، الفنون التصويرية، واتحاد الكتاب اللبنانيين ونقابة الفنانين التشكيليين. والأهم من ذلك، يلحظ القانون زيادة نسبة 10? من إنتاج الفنانين الأجانب الوافدين الى لبنان، ونسبة 2? من الأعمال المسرحية، السينمائية والفنية المحلية، التي لا تحوَّل الى النقابات بل الى صندوق تعاضد واحد.يشير نقيب الفنانين المحترفين محمد ابراهيم إلى أن أهمية القانون تكمن في توحيد كل جسم فني في لبنان من خلال صندوق التعاضد الموحد. متمنياً أن يجد الفنان مساحة واسعة من خلال صندوق التعاضد، للاطمئنان على مهنته ومستقبله في حال مر بظروف صعبة.كيف التطبيق؟وعن آلية تطبيق القانون على الأرض، يؤكد ابراهيم ان الآلية لا تزال قيد الإعداد، معترفاً بوجود بعض نقاط الضعف أو الثغرات التي قد تظهر والتي »سيتم تصحيحها تحت سقف القانون«. ويشدد على ان القانون سيخدم الفنانين إذ »أصبح بإمكاننا اليوم التركيز على الإبداع لإعادة الروح إلى الدراما اللبنانية، بعد أن رفع مجلس النواب الظلم والعنف عن الفنان«.بدوره، يشير النقيب السابق والمستشار الحالي لنقابة الفنانين المحترفين الممثل إحسان صادق، الى ان النقابات تطالب بإقرار القانون منذ 12 عاماً. ويعتبر أن القانون المقرّ »ينظم إلى حد مقبول الأوضاع الفنية في البلد، ويضيف مبدأ التعامل بالمثل على الفنانين الوافدين إلى لبنان«. ويؤكد صادق ان القانون »يعتبر جيداً كمرحلة أولى. بات لدينا حرية التصرف لترتيب أوضاعنا العائلية كأسرة فنية«. وتناول صادق مشكلة الدراما اللبنانية، معتبراً »أننا نعاني أكبر كارثة انتاجية في البلد، برغم أننا كنا على منافسة قوية مع مصر في الستينيات. وكانت سوريا وراءنا آنذاك، اليوم تقود الأخيرة بسرعة 5 آلاف كلم ونحن نمشي وراءها على مهل«.يركز نقيب الممثلين أنطوان كرباج، على أن القانون جاء ليؤمن أبسط حقوق الممثل من ضمانة وطبابة كي لا يعود »متروكاً لربّه«. ويعتبر كرباج الخطوة ايجابية بامتياز »حيث اصبح بإمكان الممثل، مثلاً، الدخول الى المستشفى لتلقي العلاج، والحصول على حقوقه بالتقاعد مثل باقي المهن«. وتابع كرباج: »القانون أبصر النور وسيصدر في الجريدة الرسمية خلال عشرة أيام، لكي ينظم الفوضى على الساحة، فليس من الطبيعي أن يعمل الممثل 18 ساعة في النهار من دون حفظ حقوقه «. من جهته، يرى أمين سر نقابة الممثلين عبيدو باشا ان البيان الوزاري الأخير يلحظ للمرة الأولى في تاريخ لبنان، مسألة ثقافية على هذا القدر من الأهمية. ويلفت الى ان القانون »يشرّع إعادة الاعتبار إلى الفنان والمثقف والكاتب اللبناني، حيث تحولت نقابات الفنانين إلى نقابات شرعية، وقبل القانون كنا عبارة عن »أرطة« نقفز من مكان الى آخر«. وأضاف باشا أنه بعد أن قام المجلس بتشريع القانون، ستتمثل المرحلة المقبلة في تحديد الآلية التطبيقية، وبناء أنظمة داخلية للنقابات على ضوء التغييرات التي يطرحها القانون، إضافة إلى التنسيق بين النقابات والاتحادات وتنظيم العلاقة بين الممثل والمنتج اللبناني«.هي لحظة سعيدة في تاريخ المعنيين في الشأن الثقافي اللبناني، لكنها للأسف تذكر بمشاهد قاسية عاشها مبدعون لبنانيون كانت آخرتهم الإهمال. ولا يمكن تجاهل الغصة في فرحة تأخرت كثيراً على علياء نمري وفيليب عقيقي ومحمد شامل وليلى كرم وغيرهم كثيرون.