مدخل جاء أنسي الحاج مباغتاً لا يبحث عن التجديد من داخل الموروث الشعري وأركانه الجمالية؛ لا يبحث عن الانتماء ولا يرتاح إلى التطوير، بل يسعى إلى خلع الذاكرة وكتم الحنين؛ يخرج إلى التمرد واليتم، يطوي المراجع مرتحلاً في اتجاه صوت طالع من البرّي والمقموع. وهذا مشروع مزعزع خطر سيبقى واقفاً على الحدّ، لأنّ الحنين والحنان اللذين بقيا راسخين في الموروثين العربي والغربي، لا يظهران في أعمال أنسي الحاج الأولى إلا مكتومين وحتى مخنوقين، يتفجران بين الحين والحين بشكل مفاجئ وسط سياق غرائبي عبثي مشفّف بالسخر. وهذا العنف الداخليّ أعطى لمجموعات الحاج الثلاث الأولى درجة عالية من التوتر والغرابة، وإن كان قد أفسح للمحات مأسوية وسط مناخ العبث. لم يعلن أنسي الحاج أي انتماء محدد إلى مدرسة غير الحرية والتمرد؛ ومهما كان إعجابه بشخصيات شعرية أو حركات، أو تبنيه لفلسفتها، يصعب حصره في مدرسة. ومع أنه كتب عن آرتو بحماسة وإعجاب يشبه التماهي فليس شبيهاً بآرتو. تحرك عندما كانت حركة الحداثة العربية ترسم خطها الصاعد، ونشط في نطاق المجلة التي رفعت راية القضية، أي مجلة » شعر«، وكان من أركانها. وعن هذه المجلة صدرت أعماله الثلاثة في المرحلة الأولى، بينما صدرت أعمال ولادته الشعرية الثانية عن دور مختلفة بعد توقف مجلة » شعر«. كان أنسي الحاج، في أعماله هذه، في قطب مقابل أو مختلف عمّا شغل الشعراء يومذاك. ولا أتكلّم على موجة »الشعر الملتزم«، أي الذي خاض في المسائل الوطنية والسياسية خوضاً مباشراً، بل أقصد جماعة » شعر« ومن التفّ حولهم من شعراء شغلتهم قضايا جوهرية، إنسانية فلسفية ورؤى تاريخية أو متعالية. انشغل أنسي الحاج بالبحث عن قطب للحضور في العالم، بالبحث عن مفصل بين غريزة الحياة وإغواء الغياب. كان يومذاك في أوائل عشريناته، يتولى الصفحة الثقافية في جريدة النهار؛ وما كان يمرّ وقت طويل دون أن ترتفع ضجة حول نص كتبه مخترقاً جداراً ما أو محظوراً. ومنذ عمر مبكّر دخل أجواء الكتابة الشعرية دخولاً غير تقليدي؛ وأقدر أن أقول دخل دخولاً عاصفاً مع كتابه الأول »لن« (1960). »لن« كان الإعلان والراية لهذه البداية التي أرادت أن تجيء مفاجئة صادمة وبلا آباء، أن تنهض »من زجاج الذاكرة المهشّم«، أن تتقدم بعنف غير معهود. ثم كان » الرأس المقطوع « (1963). وهو عنوان غريب وإعلان عنيف عن المضيّ بعيداً في خط الاختلاف وتوكيد القطيعة. فهذا العنوان »الرأس المقطوع« لا نجد له أسلافاً ولا أقارب بعيدين أو قريبين في التراث الشعري العربي. مع ذلك ليس دون أي انتماء إلى مناخ فكري فنّي. والقارئ المتابع لمسيرة أنسي الحاج يستحضر خياراته الثقافية المتطرّفة منذ ذلك الوقت المبكر، ليفسّر هذا التعارض العنيف الباتر مع السائد الجمالي. فقد كان الشعر اللبناني، قبل مجلة » شعر « قد بلغ ذروة بحثه عن العذوبة والأناقة البلورية والعاطفية مع جيل شعراء ما بين الحربين وصولاً إلى أوائل الخمسينيات. أخذ يتكشّف للقارئ المتابع لهذه المسيرة الإشكالية أنّ أنسي الحاج يتحرّك في الأفق الذي افتتحته بعض الثورات الفنية الكبرى في أوروبا مطلع القرن العشرين، في الشعر والفنون، ولا سيما حركات الانقطاع والتمرد الجذرية، في ألمانيا وفرنسا وبعض المراكز في سويسرا. وهي الحركات التي تلاقت امتداداتها وتوجهاتها في واحدة من شخصيات القرن العشرين الأشدّ مأسوية وخرقاً وجنوناً، أعني أنطونان آرتو الذي ظلّ أميناً لألفرد جارّي وكرّم عمله الشهير »أوبو«. إعجاب الحاج المبكّر بآرتو، كان عنواناً لاعجابه بحركات العنف الفنّي الذي فجّرته حروب منعطف القرن كـ»التعبيرية«، و»الدادائية« و»السريالية« والجدّ المجهول الممجّد لوتريامون (1846ـ1870) في أول كتبه. فقد ظلّ آرتو رغم علاقة موقتة بالسريالية قبل فصله عنها، أقرب عمليّاً إلى هذيانية الدادائية وإلى عنف »التعبيرية« بشخصي كوكوشكا وفالتر هازنكليفر. وهذا الأخير، مثلاً، قدّم في برلين مسرحية جسّدت العنف التعبيري، بطلها قاتل قتيل في الوقت نفسه، يتحرك على الخشبة حاملاً رأسه المقطوع في كيس. لكن لا بدّ من التوكيد على أنّ قرب الحاج من آرتو كان مناخيّاً وعلى مستوى العنف النصّي. ففي نصوص الحاج الشعرية يغيب الهمّ الجمالي في مفهومه المثالي المكَرَّس ودلالاته التقليدية، ويحضر النص الذي يصدر من جهة العفوي العنيف والحلمي الهذيانيّ. أنطونان آرتو (1896ـ1948) الذي رفضه السرياليون، هو السليل الأمين والمنبوذ لحركات العنف هذه. توحّد لديه الشعر والمسرح. كان في كلامه على الفنّ الشعري ـ المسرحي، لا سيما في كتابه »المسرح وقرينه«، يؤكد على »النزعات الوحشية« و»الحسّ الطوباوي بالحياة والأشياء«. وعلى »تهديم فوضوي منتج لسرب هائل من الأشكال«. كيف تمثّلت علاقة أنسي الحاج بهذه الحركات وبآرتو؟ مقالة أنسي الحاج في مجلة »شعر« حول آرتو، وقبيل إصدار كتابه الأول »لن«، تدهش القارئ لما فيها من المعرفة العميقة بعالم آرتو وفضائه الثقافي وفنه السوداوي ومن الحماسة والتمجيد والتعاطف. لكن لا يمكن القول بوجود علاقة مباشرة بين نصوص الشاعرين. العنف أو المزاج بحد ذاته لا يشكل علاقة نصّيّة. العنف في نصوص أنسي الحاج يقوم في مستوى بنائي. فقد كتب دون أن يقدّم للقارئ مفتاحاً للتواطؤ والدخول إلى عالم نصوصه. ودون أن يصوغ مرآة استعارية أو أسطورية رمزية تسمح بالتأويل. واجه القارئ بتفكيك الحكاية والمشهد وإسقاط الموضوع. من هنا كانت غربة »لن« وصدمة البداية. فمن الملامح المهمة التي يلتقي فيها أنسي الحاج بالحركات المتمرّدة، ملمح العنف الجمالي أو العنف إزاء فهم معيّن للجمال والشعر. ومع أنّ عنف أنسي الحاج جمالي وذهني وليس أخلاقياً بصورة جذرية، فإنني أجد في عدد محدود من نصوصه ظلاً أو ظنّاً من قرابة بينه وبين واحد من أشد الثائرين عنفاً نصيّاً، أعني لوتريامون. وهي قرابة مناخية وليست نصّيّة. إذ لا مثيل لعنف لوتريامون إلا عنف الماركيز دى ساد، لكن بتوجهات مختلفة. ونذكر أن بريتون احتفل باكتشاف »أناشيد مالدورور« لهذا الشاعر المجهول من القرن التاسع عشر، وبما لشعره من خصائص الحلم واللاوعي. لذلك شبهه بريتون بانفجار بركاني للطبقات السفلى اللاواعية، واعتبره بين آباء السريالية. لماذا هذا التمهيد؟ لأنه في رأيي لا يمكن المرور فوق عنوان شعري صادم، هو أحرى أن يكون عنوان رواية بوليسية، دون التوقف إزاءه. فهذا العنوان » الرأس المقطوع « مقصود ليكون راية؛ وهو يشير إلى قرابة ما مع تلك الجبهات من العنف الفنّي المعذَّب، لكن مع مزايدة على تلك الحركات بفردية الصرخة وخصوصيتها، ومأسوية المواجهة وغياب الرهان. ومع أنني لا أحصر الكلام على »الرأس المقطوع« في إطار هذا المدخل أو الشعار، فإننا لا نقدر ألا نصغي لإشارته وما يمثله من صدمة، ومن قطيعة مع تاريخ الجمالية العربية، وأيضاً الغربية حتى مجيء تلك الثورات الجذرية في الشعر والفن. [ الشعر عند أنسي الحاج في مرحلة انطلاقه، تمرّدٌ على الوراثة ودعوة إلى الامتحان المستمرّ للوعي بالعالم. هو تمرّد وخصام أكثر مما هو موقف تعبير عن الذات. وإذا كان الشعر هنا صادراً عن شعور فهو غالباً شعور الغضب ورؤيا العالم الساقط. كتب أنسي الحاج الشعر بوصفه محلاًّ أول لمساءلة الجوهري، بقدر ما كتبه كاعتراض على استمرار هيمنة الماضي وإرثه. وقد ذهب في ذلك بعيداً إلى حدّ إخراج الشعر ـ أحياناً ـ من حتمية الجمل المفيدة على المستوى المباشر للجملة. بحيث إنّ النصّ اقترب من حركة كسر الأشكال وردّها إلى ألوان كما في التصوير التجريدي؛ ولم يقتصر على الخروج من الوزن والجماليات المألوفة. وكان الخروج من الوزن والتخلّي عن جماليات الإيقاع المنتظم قد بدأ يتحقق منذ بدايات القرن العشرين. هذا الخيار هو في حدّ ذاته خطر، أو هو اختيار للخطر، ما دام غير محصّن بسلطة ذاكرة وحدود ومرجع. ومنذ البداية كتب أنسي الحاج بعنف المغامرة؛ تحدّى نظام الرؤية وسلّم القيم الجمالية ومبدأ البوح المنمّق. شعره في مرحلته الأولى خروج من التعبير إلى الغموض والالتباس؛ كما أنه دخول في الامتحان المستمر لجاهز الرؤية وتاريخ الكتابة ولصورة العالم. لذلك كانت المشكلة التي واجهت أعداداً من القراء، لدى صدور »لن« ثمّ »الرأس المقطوع«، هي صدمة العنوان ومفاجأة تراث القراءة وأسس التذوق ومرتكزات التلقّي. والتمس القراء الفكرة والصورة أو الأطروحة، فواجهتهم في النص شريحة العالم البرّي أو »الأدغاليّ« كما كتب له أدونيس يومذاك. أنسي الحاج في هذه المرحلة وفي »الرأس المقطوع « خاصة، ليس خارج المرجعية الفنية وحدها، بل خارج المعيارية الجمالية. ليس الشعر هنا أمير الكلام أو رحيقه بل هو المغامر المتمرد الخارج على الأنماط والحدود. وكل ما كان من عدّة الأناقة، وتخيّر الحسَن من الألفاظ، غريب هنا. والنص الذي يتقدم هو الفوري المتمرد؛ وحيثما اتجه دفقه فتح له طريقاً، أكانت الأقصوصة وألوان السرد أم المحاورة أم النشيد أم المشهد. لكن هل كتب أنسي الحاج »لن« و » الرأس المقطوع « إلاّ لإعلان الوحدة والغربة ومغامرة الخروج من دفء المألوف وأمانه وسائر ضماناته؟ هل كتب إلاّ ليطرح الأسئلة على الترجمة النمطية للعالم بمرئياته وعلائقه وأحداثه؟ ليخرج من موقع الأدب بمحمولاته المعروفة، ولا سيما الأدب كرسالة لتجميل العالم وتفسيره وردم صدوعه ومصالحته أو إصلاحه أو شكواه؟ لقد صدر من موقع انكسار الرؤية العقلية وانهزام الفروسية البلاغية. أفسح للغريب لاقتحام المتن المكتوب وأسّس لهوية الأثر الشعري بوصفه صدمة لا بوصفه تجميلاً أو تمجيداً، انتشاء أو تعليماً. كتابته تجرأت على رفض الأب التاريخي؛ تجرأ نصه أن يطمح إلى أبوة نفسه إلى حد كبير. من هنا أنّ كتابته قادمة من بريّة شعرية، من غريزة، من عنف يبلغ السخرية في أحيان كثيرة. ولقد بنى أنسي الحاج نصه من عناصر غير مؤسَّس لها جمالياً، أو غير مستقاة من سجل قيمي أو جمالي متفق عليه. بنى نصه من عناصر مباغتة للمألوف، وحرّكها في إطار لا ينتمي إلى أجواء التعبير الشعري السائد. إذ لا يتحرك نصّه في سياق إخباري أو تعليمي أو تصعيديّ تمجيدي أو وصفي أو هجائي أو أي وظيفة. إنه نص كلّي المجانية، يلعب لعبة الفنّ المجروح الجارح بل المنقوض والمنتهَك الباتر. ما يلفت في هذا كله أنّ أنسي الحاج الذي كسر الرؤية الكلّيّة للعالم، لم يكتب، مع ذلك، شذرات ولا عبارات متقطعة انسجاماً وتوافقاً مع الانقطاع في سياق الموضوعات. لقد كتب نصوصاً لها صورة متماسكة فوق الصفحة ومتساوقة كتراكيب لغوية، لكنها مقطّعة السياق متلعثمة على مستوى تواشج الدلالات. وتماسكها الظاهر يعظّم أثر اللعثمة أو الانقطاع الدلالي بين العناصر. هي إذن نصوص مبنية على التضاد والتعارض والانكسار. مع ذلك تحافظ النصوص على التوالي اللغوي مع الانقطاع في السياق الدلالي. إذ إنّ التضادّ والتقطّع الدلالي لا يقطعان الأوصال في سياق النص بقدر ما يبنيانه على الحركة والعلاقة الضدية وحتى النقضية، كما يبنيانه على إيقاع الغربة والنكران ومن ثمّ العبث والوحدة وخيبة اللاتواصل. إنه نسق جديد للتوالي يخضع للإيقاع وتشكيل التنافر، أكثر مما يخضع للتسلسل. نسق هو أشبه بتجاور الألوان في لوحة تحررت من محاكاة الشكل. ولقد تخلى أنسي الحاج عن خيطية التعبير مذ تخلّى عن السياق إلى التشتت وتبعثر العناصر الدالة. أقام علاقة التجاور بدل التوالي، والمسار الشبكي بدل الخيطي. وهذه جميعها من عوامل الغربة والغموض. لذا يغدو الشكل هنا نوعاً من اللاشكل أو الشكل المكسور. إذ لا تنتج الدلالة، في هذه النصوص، من توالي جمل دالّة مترابطة تنظمها علاقات ضمنية أو يلفها مناخ واحد، بل تنتج من تبعثر مؤثرات وتجاور متناقضات وأفعال تتبادل النفي وتتبادل الظلال. وهذا كله وتّر إيقاع الحركة الغرائبية. ففي العنوان الأخير من الكتاب الذي هو نص أو حكاية » ماموت وشعتقات« مثلاً، نقرأ نصّاً متعدداً بل مكسّراً يتحرك في خطوط بعضها يشكك في بعض: كأن تنعزل الموسيقى الحكائية المنسابة وزمنها المتّصل عن المضمون الحكائي الذي يتقطع ويتناقض. حتى ليبدو النصّ نصين كما في المثال التالي، ونصوصاً في بعض المقاطع: »ذلك العهد يد ماموت لم تكن ظهرت. قام جدّه ونقل الخشب وغشّ العبيد ورفع أعمدة ليضحك، وماموت عليها. نسي ماموت حكاياته. هجم يذبح جدّه في حديقته، من الوَرد إلى الوَرد. ماموت عن جده: »غاية أولادي. حين أهبط يودّعني بالقصص وشعري يشيب. هواء. لم تكن له يد. كانت شفتاه والحديقة.« (ص 97) كيف نعيّن هوية هذا الكلام الذي ينساب مثل حكايات الحنين إلى ماض؛ ينساب تحت تأثير البداية غير المحددة: »ذلك العهد«، ذلك »القَبْل« الذي يلهب الخيال. وتبدأ الحكاية على نمط الأسمار. لكنّ الانسياب لا يلبث أن يتكشّف عن تجريد وانتخاب وتقطّع ومباغتات غريبة. هل هو الخطّ الكلّيّ لواقع يتقدّم بلا انتخاب؟ أم هو النظر الرجراج الحائر الثائر العاري لكل الجراح؟ وكيف نكشف معنى »هجم يذبح جدّه من الوَرْد إلى الوَرْد«؟ أهو القصد والنّدم متداخلين؟ حيث تبقى كلمات كامنة جاهزة للحضور مثل كلمة »وريد« التي لم تحضر ولكنها لم تغِب. حضر إطارها وقرينتها التعبيرية وغابت؛ لكن الإطار باقٍ يستدعيها. بينما حضرت كلمة »يذبح« ولم تحضر لوازمها وتوابعها، فبقيت واقفة كدخيل دُعي ولم يجد له مكاناً؛ كأنما دُعي ليشير إلى غياب أو إلى نقيض. هذه اللعبة: الحضور ـ المفاجأة ـ الغياب ـ الانتظار، لعبة تَمْثُل في هذا النص بصور مختلفة. وفي »ماموت وشعتقات« تتداخل الأصوات ويضيء بعضها بعضاً أو يلقي عليه الظلال. بينما اللغة تأخذ منحى الاستعراضية الضدية وتكشف عن قصد الصدمة. تتعدد الانكسارات في النص. وتنهض غربة العناصر الحكائية بعضها عن البعض الآخر. فالترابط الذي يحفظ السياق والتوالي السردي في هذه النصوص الشعرية هو ترابط نغمي استدعائي شكلي في غياب الروابط العِلّية أو الترتيب الزمني. أمّا الشعرية فتقوم في هذا التموّج المدهش الذي يمتلكه النص، وتقوم في التجرؤ على الجملة كما على الصمت، وكلّ ذلك في سياق لعبي. وبدل أن تشكل هذه الملامح خطراً على النسيج الشعري فإنّ ما ينبض داخل النص من مفارقات وخفايا فاجعة ولغة توقف النص على الحافة الحرجة هو ما يؤسس للفنية والخصوصية. ولننظر في نصّ آخر: يبدو لي هذا المقطع من نص »الشيطان الأبيض«، على إيجازه، ممتلكاً لدلالات كاشفة: » ... أجيء من هناك. أجيء من قرى عطست لؤلؤتها والنعجة صارت تتكلم اللغات وتطلق الصواريخ. وأنت يا الراعي أرتاب في خشبك العتيق وكتفيك المتّصلتين بالشك. أما لك ظلٌّ تحت الأرض وكوخٌ مركزيّ؟ (...) »لكن ستشوّه الرواية، فيطول عمري! فأكمن للرعاة الصغار عند الأفق والقوارب تتكسّر على التجاعيد، والأجساد تتمزّق على الأهداف، وفي كلّ سلّة ينبض الشيطان الأبيض.« (ص ص 93ـ94) هنا يحضر الحلم الذي ينزلق نحو الكابوس أو النقيض. في البداية تنساب الحركة بالمتكلم »أجيء من هناك..«، الهناك غير المحدد حافز على الحلم والتساؤل. الهناك ساحر دائماً. الـ»هناك« إشارة تبسط فضاء فسيحاً للشرود، لربط الحاضر بمنابع بلا تحديد. لا ينجلي هذا الغموض الساحر حين نقرأ في الجملة اللاحقة »أجيء من قرى..« قرى بصيغة الجمع تردنا بدورها إلى الغامض، إلى البعيد وإلى البدايات، إلى الريفي العائد دائماً مع الذكريات؛ الريفي كفردوس مفقود أو كأصل مهجور. » أجيء من قرى« بصيغة النكرة، بلا تحديد أو تعيين، كأنها عالم آخر أو حلم ممكن، جذور أو حلم جذور. هكذا تستدرجنا الجملتان الفاتحتان في المقطع إلى مواقع حنينية فردوسية. لكن هذا الحضور الَّلمْحي ما تلبث أن تكسره وتحيّره الجملة التي تصف القرى بهذه الدعابة الغامضة. القرى: »عطست لؤلؤتُها« أو »عطست لؤلؤتَها« (فهي غير محرَّكة في النصّ). ثم يأتي دور »النعجة« ليدعم مؤثرات الحنين. لكنّ المشهد يتحرّك من العذوبة والحنين في اتجاه التحوّلات والغرابة. وننقلب إلى الاستغراب حين تنقلب شخصية »النعجة« فـ» تتكلم اللغات« . تبتعد »النّعجة« ويلفّها مزيد من الغموض. وحين تواصل النعجة » العالمة«، التي كانت قبل قليل، في خيالنا، رمز الوداعة والاستسلام، حين تواصل طريق التحوّل فتطلق »الصواريخ« يردنا الاستغراب إلى إنكار هوية النعجة والمراوحة بين صورها البشرية المحتملة. والتساؤل عن وظيفة كلمة »نعجة« وما يمكن أن تحيل إليه في هذا السياق، يهيئنا لطريق من التساؤلات تستقبل الكلمات الآتية. »أرتاب« »الشك « »ظلّ تحت الأرض« و»ستشوّه الرواية، فيطول عمري«. مرة جديدة ينفتح الأفق للمتكلم الآتي »من هناك«، وقد تركناه في بداية المقطع مسربلاً بالغموض الساحر، وربما التبس للحظات بـ»النعجة«. ينفتح الأفق للمتكلّم الغامض ليوقع التضاد ويمارس بنفسه العنف الأقصى: وها هو ينقلب على سحره، على غرار انقلاب النعجة إلى إطلاق الصواريخ. هكذا »يكمن للرعاة الصغار« في مشهد بحري مفتَرَض، لأنّ بحره غائب، وبحارته »الرعاة الصغار« وصلوا بسحر الخيال من »قرى عطست لؤلؤتها«. في المشهد إذن تتكسر القوارب وتتمزق الأجساد الصغيرة. هنا تتسارع الأفعال وتتجاور العناصر فيضيق مدى المشهد: »أكمن« »للرعاة« وتحديداً »الصغار«. وتكرير صفة »صغيرة« و»صغار« يعظّم التضادّ في مشهد يزيد العنفُ قِصَرَه ويشكك القِصَرُ في واقعيته. إنها إخراجية عنفية للمشهد تنتج من قصر التعبير وقلة الكلمات والمسافة المحصورة، والتباس الرعاة والبحارة، وكناية الأجساد الصغيرة التي تعظّم الرقة أمام العنف. والمتكلم الذي بدأ خيالياً حالماً بالقرى البعيدة التي جاء منها، ينزلق كأنما في أحلام يقظة إلى عنف مجاني ولعلّه خياليّ ليلتقي بعنف مالدورور الهذيانيّ. علماً أنه لا دليل نصّيّاً على حضور »أناشيد مالدورور« في مخيلة الحاج عند كتابة هذا النصّ. ويتوجّب القول هنا أنّ عنف مالدورور مقصود، منهجي ومتصاعد منذ بدء الكتاب. يوغل مالدورور في تصويرٍ أعظم تفصيلاً وأشد عنفاً وهو يتلذذ بمشهد السفينة إذ تتحطّم وتهاجمها أسماك القرش؛ وتهجم أنثى القرش للقضاء على الغرماء من كلاب البحر وعلى البحارة الناجين، فيلقي مالدورور بنفسه في الماء، يفتك بفتى كاد ينجو من حطام السفينة سابحاً نحو صخور الشاطىء؛ ثمّ يساعد أنثى القرش على غرمائها، ويُختَتَم المشهد بعناق بهيميّ بين المنتصرين، مالدورور والوحش البحريّ. (النشيد الثاني، المقطع الثالث عشر) لكننا في نص أنسي الحاج لسنا أمام العنف المحض والشر الخالص. فالألوان هنا أكثر تنوّعاً والصور أكثر تعقيداً والتباساً. الشاعر لا يسعى إلى واقعية في النص، بل إلى هذيان يلعب بالصور، يتدرج من أحلام الريف وأضواء الحنين لينزلق عبر الغرابة إلى عنف هذياني يظلّ لمحيّاً طيفيّاً بلا تفصيل. فالعنف في نص أنسي الحاج ليس أكثر من فخّ العذوبة الملغومة، أو قصاص أحلام البراءة الريفية، وربما لعب التناوب بين ما يستدعي الحلم وما يهشّم صوره. ويتّضح لنا، في هذا المقطع، ميل أنسي الحاج إلى المشهدة حيث تتمسرح الأضداد وتتحاور المتناقضات. كتابة الانقطاع المتكلم، في »الرأس المقطوع« ليس مركز الجاذبية ولا مركز التقويم ولا المرجع. تكاد الأشياء تبدو بلا مرجعية، وربما بلا رأس. أو هي في تجربة بلا تقنين ولا عبرة. هي في تجربة فجة، الغريزة أحد روافدها. ليست نصوص الكتاب ترجمة لمألوف نظام الرؤية. إذ نلاحظ تضادّ البنية والمضمون، فيجري رسم التضاد عبر إخراج المضمون من صيغة مألوفة، ويخضع الموضوع ـ وليكن »الجسد«، كما في الشاهد التالي إلى أحكام متضادة في الجملة نفسها: » ... يا جبنَكَ الساحر يا تقزّزك البارّ يا عارَكَ يمنح الجسد صباحَه الأبديّ النارَ الأبديّة. صارعتَ الخرقَ غدرَ الملْكِ جاوزت رفاتَ الصباح« (»الخنزير البرّي«، ص 15) هنا تطمح الكتابة إلى المجيء متحررة من المرجع، أي ككتابة يتيمة. لكنها مذ تُكتب تتقدم كمساءلة لجدوى الكتابة وتحويل الحياة إلى سطور، وأسر المعنى في نظام للقول. تلك هي لعبة أنسي الحاج الخطرة. فآلية بناء المعنى لا تنفصل عن المعنى حتى لو ضلّلَتْه ودفعت به إلى الهامش أو إلى المتاه. لذلك يمكن القول إن الشعر عند أنسي الحاج، في» الرأس المقطوع« خاصة، يخرج على رسالته التاريخية؛ فهو ـ هنا ـ اختبار وتغريب وتشكيك. ليس متعة أو تصعيداً، ليس جواباً ولا خلاصاً. »يقطف دخاناً يسمع باخرة يحطّ خمرة شقراء في جيبه. ككلّ طائر عجوز يشقّ الجوّ،« (ص 90) هنا تتشكل الملامح الفنية عبر التوتر الدلالي حين يؤلف الشاعر بين الحدود المتباعدة؛ بل تتشكل هذه الملامح حتى عبر الخلل الدلالي في الصور وعبر انقلاب معياريتها، أي في السفر بين الحدود. فالصورة في النص الفني العربي الموروث وجمالياته المتأصّلة، وصولاً إلى أقطاب المدرسة اللبنانية، التي يقدم سعيد عقل نموذجها الأمثل، هي صورة تصعيدية وقيمية ارتقائية. في هذه الصورة الجمالية الموروثة يتحرك الموصوف أو المستعار له في اتجاه ذرواته، أو ما اصطُلح عليه بوصفه كذلك. ففي هذه الصورة يكون الحدّ الثاني، المشبه به أو المستعار منه أو الصورة المجازية، دائماً أشرف أو أسمى من الحدّ المستعار له أو الموصوف. بما أنه من غايات الصورة في هذه التقاليد أن تنتج تقويماً صاعداً. وكاتّجاه جمالي عام، لا تكون الصفات المستعارة أدنى تقويماً من المستعار له أو الموصوف إلا في حال السخرية أو الهجاء أو وصف العدو أو الخصم أي في معرض التحقير. في المرحلة الأولى من شعر أنسي الحاج، والتي يتوسطها كتاب »الرأس المقطوع« تنقض الصورة نظام بناء الجمالية الشعرية لتقيم العنف والتقطع والخلل والغرابة؛ تجعل المستعار منه أو المشبه به أدنى من المستعار له أو المشبه، دون أن يكون هناك سياق هجائي، أو تجعله بعيداً غريباً بل مخلاّ ومفاجئاً. إنها كتابةُ جمالية التباين والتضادّ بل الخراب واللاحوار ولا ـ منطق الوقائع أو غربة منطق الوقائع واختناق الشخصي. هي مأسوية عاصفة لا تومض أو تطلّ إلاّ مخنوقة أو ملعونة. مع أشعار أنسي الحاج، لسنا بإزاء »التعبير« أو الإفصاح؛ كما أنه ليس »التمويه«، بل الامتحان (بالمعنى الذي يُضمِر المحنة) الامتحان الذي يقذف المقول خارج مألوف القول وطرقه. وهو دفع المقول إلى منطلقه وجذره ليعيد بناء هويته. كأنما الكلمات تراوغ، والمعنى يتخفّى، يجيء حيث لا ننتظره. وهذا كفر بالمثال، أو رسم الهابط والفاجع. مع هذه الحركية الدلالية القائمة على التبادل والتوتر وتجاور المتباعدات تنهار محورية الموضوع في النص الشعري. هكذا يبدو نص أنسي الحاج أقرب إلى لوحة، إلى نص جحيميّ يرسمه الكفر بالمثال أو يطبعه رسم »مثال« فوق شفرة الخطر، مثال يغدو بالضرورة مزعزعاً فاجعاً. إنه لوحة ترتمي عليها العناصر والمؤثرات بلا مسارات دلالية متّصلة. ومن أجل قراءة القصيدة تتوجب قراءة اللاروابط أو قراءة غيابها. ذلك أنّ أنسي الحاج اخترق التوازن اللغوي التصوري الذي بنته الجماعة. أي أنه اخترق المؤسسة التعبيرية الجمالية الإيديولوجية الأولى، إنسانيّاً. خرق المفهومات والقيم الجمالية؛ خرق الإيقاع والمناخ، ومن ثمّ خرج ـ في الأعمال الأولى ـ من طمأنينة اللغة. في كتبه الأولى وبالأخص في »لن« و »الرأس المقطوع« تخلى عن غنائية البوح وبذخ السجل الجمالي وسردية الإخبار ومرجعية الاجتماعي ونموذج الطبيعة ونظام التفكير؛ تخلى عن الحكمة والخلاصات وما يشبه جوامع الكلِم؛ تخلى عن النداء وألوان الإنشاء، واعتمد التقطع والمفاجأة وتجاور المتباعد، وكسر السياق. وكثيراً ما غيّب المتكلّم فعدّد الصيغ بين حوار مكسور وسرد مبتور مفرغ من وظيفة الإخبار، وبوح بلا تبادل ولا إفصاح، وتأمّل بلا جواب وصلاة بلا رجاء. لا يخاف هذا الشاعر اهتزاز الأصول وانهدام بيت العبرة والحكمة الذي أمسك بنظام الشعر طويلاً. فبيت العبرة بالضرورة متماسك منطقي متساوق تترابط فيه البداية والختام برباط سببي أو شكلي أو نغمي. وأنسي الحاج ، في هذا الكتاب، ببساطة، خارج قضية الموضوع، أو الأصح وحدة الموضوع استناداً إلى الأسس المألوفة؛ وعلى أية حال المسألة تتوقف على فهمنا للموضوع والمقصود به. ففي نصوص »الرأس المقطوع« العنوان واحد والمتن مشتت: لحظات بلا نظام. لا صورة متشكلة متماسكة للعالم، بل هو نثر العالم. أو أن صورة العالم كسرت مثالها. صورة العالم، هنا، ليس مركزها الذات بل لا مركز لها. أو أنّ مركزها زائغ، أي لا محور أو لا ناظم ظاهرياً للمعنى حيث الصوت مشرد والرؤية تستقصي الانكسارات والمفارقات، كما في هذا النص: » كان العرق يتصبب وكان صديقي، والأوزّ يتنقّل على الماء المغليّ والضباع تأكل المساحيق تتمشّى مطيحة بالآنية الثمينة. أمّا خيط الدخان الأبيض فلا شيء يحدث لجلسته اليائسة منحدراً من وسيط تائه ومتصاعداً من وسيط أبديّ الانحدار بركاناً في عصاً من الحرير« (من قصيدة »بحيرة« ص 28 ـ 29 ) هنا لا ترابط ولا تسلسل. بل تجاور مشاهد وحالات كتجاور عناصر مفككة. من الإنساني الذاتي يقفز المشهد إلى الغرائبي واللامعقول. النص الشعري هنا متوالية مصادفات على وحدة توتر ونغم. تمّ عزْل الصيغة عن المضمون أو إخراج المضمون من الصيغة. فالتوالي الحدَثي ينتسب إلى منطق المحاكاة أي إلى الصورة المتوارثة، وهو فنّ تنسيق القيم والصور المألوفة التي بنيت على صورة الأسطورة والحكاية، أي على تكرار الانتقاء والمونتاج. بينما في الشاهد السابق يقوم المعنى في التضادّ وصولاً إلى الاستحالة كما في العبارة (الأوز يتنقل على الماء المغلي)، وصولاً إلى معنى منتشر ينهض من التجاور والتعارض وحتى اللامعنى. أي أننا نجد الخروج من صورة المعنى المرسوم إلى شظاياه وأصواته، إلى تداعياته وإلى ظلال له وأضداد. النص الشعريّ هنا حدث، غربة وبغتة، اكتشاف ونكران. لذلك هو غير قابل للتأويل النمطي، غير قابل للترجمة أو للتلخيص، غير قابل للحكاية؛ أو أنّ منطق حكايته أو تسلسل حكايته غريب، وغير قابل لاقتطاع الحكم والشواهد. إنه نصّ لا يسلم نفسه للمنطق المألوف الذي يفترض الاتصال وفق التسلسل الزمنيّ ونسق العلة والمعلول. إنه خارج العبرة والنمط، لكنه ليس رياضة ذهنية أو مجرد ثورة رفضية. وليس بلا دلالة. غير أنها دلالة لا تقبض عليها الترجمة المألوفة للنصوص. النص هنا لا يخرج على الحكمة ونظام القول وحدهما بل يخرج عن السبك والتماسك إلى التكسّرات، وإلى جوار يقيم حواراً غريباً بين العناصر. بهذا الخروج عن السبك استحال أن يكون الشعر تمجيداً أو تعليماً أو حكمة أو خبراً. فأنسي الحاج يبني نصه أو لوحته بلا إطار ولا حكاية، يبني نصه من عناصر تكتبها الألوان والأحداث بأجسادها بعيداً عن مرجعية الأشكال وحكاياتها. مع ذلك لم يتخلّ عن أسلبة خفية دون أن ينظمها في نسق قابل للتكرير. وفي النتيجة، البنية الشعرية هنا هي بذاتها ترجمة لحالة ورؤية تتجاوز القلق والشك والفجيعة إلى مستوى من مجابهة المفكك وعناق الهارب والمستحيل. إذ نجد القسوة تردّ على الحنان، والنفي على الاستشراف، والصدّ على الاستعطاف أو الابتهال. وبالنتيجة فالعالم عند الشاعر مكوّن من مصادمات وخيبات، من آمال عظيمة وخيبات فاجعة. من هنا إنّ أفعال الحركة والتحوّل في مجمل الكتاب تغلب على الوصف. بل لا نجد الوصف إلا في معرض التحرك نحو العابر الخائب. ذلك أنّ التماس النبض الشعري في هذه النصوص يكون في الحركة لا في اتجاه المسار، كما في التالي: » قديماً كانت الينابيع آتية ودعني الجميع/ وغرزت إعلاني. سحبت اللحم من الأدراج ولبّيت الرموز بأسناني! لهنّ من مختلف زوايا الولادة، كنت أجيء البكر. آه كم يطول رثاء أراملي!« (ص 45) هكذا فالبوح وأشكال المطارحة ما تكاد تلوح حتى تنكفئ وتتقنع وراء الكلام المكسر والحنان المبتور إذ تباغته القسوة. فالعبارة لا تعرف الراحة أبداً، ويحدث أن تبقى مبتورة لا تفضي إلى مآل. ما الوظيفة الفنية للشعر إذن هنا إن لم تكن جمالية بالمعنى المألوف يومذاك للجمال؟ وهل يقع هذا التثوير الذي قام به الحاج في منحى ما قامت به الحركات الجديدة في فن التصوير ولا سيما الفن التجريدي الذي ضحى بغنائية التناسب ورمزية الطبيعة، ضحى بمسرحة المشهد كما بدت لألبرتي (ليون باتيستا، الناقد الهائل للفن في القرن الخامس عشر في كتابه De Pictura ـ الكتاب الثاني) وضحى بتكامل الدلالة؟ الفن الذي اتجه نحو تكسير الشكل الطبيعي لا للجسم البشري وحده بل لسائر الأشكال وابتدع لغة دالة في مساحاتها اللونية وانتظام عناصرها خارج معجمات الدلالة، ومن ثمّ أخرج الفنّ من وظيفة الترجمة بعد إخراجه من المحاكاة حتى بات الأسلوب هو المضمون؛ وقد ذهب أنسي الحاج في ذلك في منحى تفكيك الحكاية والمشهد والموضوع في الفنّ، وصولاً إلى كسر السياق والتناسب والتواصل وخلخلة مثالية النموذج؟ أي أنّه طرد الجمال التقليدي خارج مغامرة الفنّ؟ ـ ما مضمون هذه النصوص الشعرية؟ ـ هذا سؤال ضدّ الشعر. فهذه الأسئلة الشاسعة التي طرحها الشاعر على النصّ الشعري وجمالياته وعلاقته بالعالم، وهذا المروق وتكسير هندسة الدلالة، وهذا التأليف بين الأضداد، وبعثرة الشخصيّ، كيف نميز فيها بين شكل ومضمون؟ مع ذلك أسأل في الختام، هل قراءة هذا النص رحلة في دروب مجهولة لاكتشاف العالم وإيقاعاته الخفيّة؟ رحلة مفاجآت، مسار مهشّم حيث حبل المعنى غير معطى ولا موصول؟ فالمعنى هنا موعود لكي يُلتَمَس وحتى يُبتَدَع، ولو من زجاج مهشّم.