خلال انعقاد المؤتمر القومي العربي التاسع في بيروت في شهر آذار الماضي، طالعنا الصديق الدكور جورج جبور بكراس عن »حلف الفضول« الذي تشكل في أواخر القرن السادس الميلادي، حين اجتمع فضلاء مكة في دار عبد الله بن جدعان وتعاهدوا على ان (لا يدعوا في بطن مكة مظلوما، او من دخلها من غيرها من سائر الناس، الا وكانوا معه على ظالمه، حتى ترد مظلمته). وقد اتخذ الاسلام من هذا الحلف موقفا ايجابيا، عندما سئل رسول الله(ص) عنه فأجاب (شهدت من أعمامي في دار عبدالله بن جدعان حلفا، لو أنني دعيت الى مثله في الاسلام لأجبت). فلقد سبقنا »الماغناكارتا« التي بها يتباهون، مئات السنين، وهل منظمة الدفاع عن حقوق الانسان وغيرها من المنظمات المشابهة أقرب للانسانية وأحق للحق، من حلف الفضول العربي!.. فبقدر ما أسعدتني قراءة هذا الكتيب، فقد أزعجني بالقدر ذاته وأنا أتصفح حال الأمة العربية بمختلف أقطارها، والمصائب المحيطة بها من كل جانب، ودرجة الهوان والانحطاط التي وصلت اليها، حتى كادت تبلغ قعر الهاوية. لقد اشتدت الضربات على بعض أقطارها، وقوطع البعض الآخر من قبل العديد من الدول الاجنبية، التي تأتمر بشكل او بآخر بأوامر الولايات المتحدة الاميركية، دون الاعتراف بذلك علانية، ولكنها بقرارة نفسها تعض على جراحها وتعترف بذلك ضمنا، معلنة للملأ، أنهم شركاؤها في السرّاء والضرّاء، وهذا ما يتعدى ذروة النفاق السياسي... فهذا شعبنا في العراق يعاني الأمرّين، على المستوى الداخلي والخارجي بعد انزلاق حكامه في عملية غزو الكويت، ونشاهد كل يوم مأساة شعبنا في كل من هذين القطرين، وما زلنا حتى الآن، ندفع ضريبتها كل يوم، نقتتل وتسيل دماء شعبنا من قبل الجلادين، ثم نكافئهم وندفع لهم فاتورة تعذيبنا وإهانتنا صباح مساء، حتى وصل البلدان الى حافة الافلاس، او دون هذه الحافة... وبتنا نخجل من أنفسنا، عندما نرى المعونات والهبات الغذائية والكسائية وبعضا من الدواء يتكرمون بها على أبناء شعبنا من كل حدب وصوب... وهذا هو بلد المليون شهيد، وقد تظاهر الشهداء في قبورهم، يستصرخون الضمائر في الجزائر، الكف عن اقتتال الاخوة، وتصويب البنادق نحو العدو، فهل صرخة علماء الاسلام مؤخرا، بداية لوقف نزيف الدم في هذا البلد الشقيق؟.. وليبيا المقاطعة، والسودان الممزق، والذي تسيل دماء ابنائه بأيدي أبنائه، ويضرب أحدث معمل للدواء على أرضه، ولا يحرك أهل الارض ساكنا أبدا، فالضارب هو القوة الوحيدة اليوم على وجه الأرض. وفلسطين وما أدراك ما فلسطين، والقدس الشريف قدس العرب، ونحن عنها غافلون!... وهذا ما يذكرني بتلك الحكاية التي كان فيها أحد السلاطين يملك فيلاً وفي كل يوم ينزل هذا الفيل ويتبختر في شوارع وأزقة البلدة، ويكسر كل ما يعترض طريقه، ويدوس على الناس، الذين يتوزعون في كل زقاق صغير هربا من ذلك الوحش الكبير... مما دعا أهالي البلدة للتجمع في أحد الأيام، بعد ان ضاقت أحوالهم، وأحاط الفقر بهم وبعائلاتهم، فقرروا الذهاب الى الوالي ليشرحوا له ظلامتهم، ولما وصلوا الى قصر الوالي، سألهم ماذا يريدون؟ وعلام يتجمهرون ويتصايحون؟.. فقام من بينهم رجل وشرح له وضع البلدة مع هذا الفيل، عندها استدعي السلطان ذلك الوالي ليسأله عن هذه الضوضاء التي يسمعها على أبواب القصر، فروى له ما سمعه من المتظاهرين. فاستشاط السلطان غضبا، وخرج لملاقاة الجماهير بنفسه والشرر يتطاير من عينيه، وصرخ فيهم بأعلى صوته، لماذا أنتم هنا وماذا تريدون؟ فخرج من بينهم رجل خاف على أبناء شعبه، وقال له يا مولاي ان الجو حار جدا، والفيل الذي تملكونه يعيش في حالة من البؤس والهيجان... فهو منذ ان اقتنيتموه لم تؤمنوا له راحته، لذلك تراه هائجا مزمجرا.. عندها بلغ غضب السلطان أشده، وقال لهذا الرجل ماذا أفعل لتهدئته؟ فكان جوابه خفف عنك يا مولاي، فان أبناء شعبك وقد هالهم حال هذا الفيل، فقد تدارسوا وضعه وقرروا شراء أنثى لهذا الفيل حتى تستقر حياته، وتهدأ انفعالاته، فانفرجت أسارير السلطان، عندما علم ان أبناء شعبه سيشترون أنثى لهذا الفيل، فاستجاب لطلباتهم وقال: فعلا ان الفيل بحاجة الى فيلة وهكذا تناسى الشعب آلامه خوفا من سوء المصير... فهذه حالنا مع هذه القوة الوحيدة في العالم، فهل علينا ان نذهب لنفتش عن فيلة لهذا الفيل؟ اما وقد فعلنا، وتبدت لنا المسرحية واضحة على أجهزة التلفاز في سائر أرجاء المعمورة، فهل سيهدأ الفيل؟... فيا أبناء أمتي، أليس بين أبناء العروبة عبد الله بن جدعان آخر ليلم شعث هذه الأمة، ويدرأ عنها كل مكروه!.. لا زال ايماني راسخا بنخوة عربية، تصحّح المسار، لينقشع الغبار وتعود امتي سيرتها الاولى، سيرة العزة والمجد، على طريق التحرير والوحدة. ممدوح رحمون