As Safir Logo
المصدر:

حقائق أفريقية وأحلام عربية

المؤلف: مرهج بشارة التاريخ: 2008-12-06 رقم العدد:11169

خلال مشاركتي في اجتماعات لجنة الامم المتحدة للادارة العامة(1) عام 2002 طرح رئيس اللجنة غويدو برتوتشي موضوع افريقيا واهمية تطوير مؤسساتها العامة لتنهض بمسؤوليتها في إخراج القارة السوداء من حال الفقر والجهل والتخلف. وعندما فتح النقاش على مصراعيه تباكى اكثر من مشارك اميركي واوروبي على الاوضاع البائسة التي تعيشها افريقيا والمعاناة التي تقاسي منها شعوبها. وبعد صولات وجولات كنت مستمعاً فيها استقر رأي المشاركين على أن مشكلة افريقيا بل مأساتها تعود الى سببين.الأول: غياب الديموقراطية في انظمة الحكم السائدة، وطغيان الصراعات الداخلية وتفشي النزاعات المسلحة بين الدول.الثاني: فساد انظمة الحكم، واستيلاء الحكام وعائلاتهم ومحازبيهم على الثروات الوطنية وعلى القروض والهبات التي تقدمها الدول الغنية ودول الشمال عموماً.وانتظرت أن يقوم بعض المشاركين بالاشارة الى مسؤولية الغرب عن حالة البؤس والتخلف التي تسبح فيها افريقيا، لكن المداخلات لم تأت على ذكر هذا الموضوع اطلاقاً فتعجبت لجرأة هؤلاء وقسوتهم في التنكر للحقيقة ومحاولاتهم المستمرة لطمسها وتحميل المسؤولية دائماً للطرف الاضعف.وتطلعت حولي نحو المشاركين باسم افريقيا وآسيا فلاحظت الاسى والغضب المكبوت في عيون البعض وعدم الاكتراث لدى البعض الآخر. تريثت بضع دقائق مترقباً قيام البعض بمبادرة للتوضيح أو التصحيح لكن ذلك لم يحدث فشعرت بخيبة أمل كبيرة خصوصأ ان امانة السر كانت على وشك تسجيل هذه الاستنتاجات قبل استئناف البحث واعداد التقرير النهائي تمهيداً لرفعه الى المجلس الاقتصادي الاجتماعي والامين العام للامم المتحدة. وقبل لحظة من التسجيل طلبت الاذن بالكلام فتجاوب معي رئيس اللجنة لدهشة الحاضرين الذين كانوا مستنفرين لانهاء هذه الفقرة والانتقال الى غيرها. قلت يوم ذاك بما معناه.أولا: أن تغييب مسؤولية الدول الغربية تجاه الاوضاع المزرية التي تعاني منها البلدان الافريقية امر لا يجوز في أي محفل مسؤول يجري البحث فيه بحرية وعلمية، فالمسؤولية واضحة وقد اعترفت بها من قبل جهات وشخصيات وهيئات على امتداد العالم باسره بما فيها اوساط مهمة في الدول التي مارست الاستعمار على افريقيا، ونحن بالتالي لا يحق لنا انكار حقيقة معترف بها دولياً والخروج بتقرير منحاز وتوصيات غامضة.ثانياً: ان مسؤولية الانظمة السياسية الافريقية عن الاوضاع البائسة التي تعيشها شعوبها لا يمكن التغاضي عنها فهي مسؤولية ثابتة ولا بد من تسجيلها. لكن بالمقابل يجب الإقرار بمسؤولية الدول المستعمرة عن هذه الاوضاع حتى يستقيم الميزان. أن الاكثرية الساحقة في العالم تعرف دور هذه الدول الغربية في صناعة وانتاج الطبقات الحاكمة في افريقيا وضغوطها المستمرة عليها اقتصادياً وعسكريا كي تبقى رهن اشارتها، تدور في فلكها وتنفذ رغباتها.ثالثاً: ان الدول الاستعمارية مارست طيلة فترة احتلالها سياسة نهب الثروات الطبيعية واستغلال موارد البلاد الواقعة تحت الاحتلال بصورة بشعة ادت في معظم الاحيان الى استنزاف البلدان الافريقية وافقار شعوبها.واذا كانت الدول الاستعمارية تتحمل مسؤولية كبيرة في عدم اعداد الكوادر الكفية لتولي شؤون الادارة والحكم في افريقيا، فانها ايضاً تتحمل مسؤولية مباشرة في افساد الادارات والطبقات الحاكمة عبر الرشى وتكريس الامتيازات فضلاً عن التدخلات العسكرية المباشرة وغير المباشرة التي كانت، ولا تزال، تلجأ اليها هذه الدول تحقيقاً لاغراض غير مشروعة.رابعاً: اما بالنسبة للقروض والهبات الغربية التي تضل طريقها عن الشعوب وتقع فريسة باردة في قبضة الحكام الفاسدين فهذا يحتاج ايضاً الى ايضاح. لا شك في أن عدداً من المسؤولين الافريقيين وعلى مستويات مختلفة يقومون، مثل سواهم في قارات اخرى، باستغلال مواقعهم في السلطة والاستيلاء على الاموال العامة واموال القروض والمنح، لكن الامر الذي يجب ذكره بالمقابل هو أن الجهات المانحة تستطيع أن تلعب دوراً كبيراً في تعزيز الشفافية وتأمين وصول الاموال الى المشاريع التي تم الاتفاق عليها. وبحسب علمي فان الجهات المانحة تستطيع المشاركة في كل المراحل إذا كان الامر يتعلق بتوزيع مواد عينية وتستطيع التأكد ايضاً من حسن سير العمل في المشاريع عندما تصرف الاعتمادات بصورة منهجية مدروسة هذا مع العلم أن عمليات الصرف تتم جزئياً ودورياً على اساس الاعمال المنجزة، وعلى اساس تواقيع المنتدبين من الجهة المانحة والجهة المستفيدة بما يحاصر الهدر أو السرقة.خامساً: ونستنتج من كل ذلك أن تحميل الانظمة الافريقية وحدها وزر الاوضاع البائسة التي تعيشها افريقيا فيه ظلم كبير لهذه الانظمة كما للحقيقة.ان الجانب الأكبر من المسؤولية يقع على الدول الاستعمارية التي يمكن أن تستفيد من الافكار المنحازة التي طرحت في هذه الجلسة للتنصل من مسؤولياتها بالتعويض على البلدان الافريقية. من مصلحة البشرية جمعاء في بداية الالفية الثالثة نبذ العنف وكل اشكال التسلط والعنصرية، وتصفية الاستعمار والاقلاع عن اساليب التعامل الفوقي، والاعتراف بحقوق الشعوب والاقرار بأخطاء وجرائم الماضي، والتعويض عن المتضررين وبناء علاقات جديدة قائمة على التعاون والتكافؤ والديموقراطية، اما الاستمرار بسياسات التمييز والقهر والاستغلال فسيؤدي الى خسارة الجميع بمن فيهم الافرقاء الذين يعتقدون بتفوقهم وتميزهم عن سواهم من ابناء البشر.من واجبنا في هذا الاجتماع الاممي الاقتراب من الحقيقة والسعي لبناء علاقات سوية متوازنة بين الشعوب والاقرار بحق وحرية الجميع في التمتع بخيراتهم واستغلال مواردهم.وما ان فرغت من مداخلتي حتى رأيت الوجوم مسيطراً على اصحاب الوجوه الصفراء فيما تجرأ بعض الحاضرين وابدوا شيئاَ من التعاطف مع كلامي خصوصاً اولئك القادمين من افريقيا.رئيس الجلسة شكرني بتحفظ على كلمتي واعتبرها مفيدة للاضاءة على زوايا اخرى من الموضوع.تذكرت هذه الوقائع التي ورد قسم منها في كتابي »حراس الهيكل« بعدما اطلعت على الكلمات التي القيت في »مؤتمر الدوحة لتمويل التنمية« حيث تعهد الرئيس الفرنسي، الذي يتولى حالياً رئاسة الاتحاد الاوروبي، بمساعدة الدول الفقيرة وخصوصاً افريقيا بالرغم من الازمة المالية العالمية، وحيث بادر امير قطر الى توجيه انتقادات موضوعية موجعة للدول المتقدمة التي تكتفي ـ بحسب رأيه ـ بالاملاء وتوجيه النصح والارشاد وتلقي بعبء التنمية في العالم على الدول المنتجة للنفط في الوقت الذي تعفي نفسها من المساهمة بعبء التنمية بحسب قدراتها.واذا كان من الضروري مطابقة كلام الرئيس ساركوزي على الخطوات التي ستتخذها فرنسا والدول المتقدمة للتأكد من وجود بداية تحسس لمآسي الدول النامية الغارقة في بحور الجوع والتخلف فانه من المفيد التوقف عند مداخلة امير قطر التي كشفت من موقع مسؤول جانباً مهماً من الحقيقة التي غالباً ما تضيع عندما يتعلق الامر بالكبار. وحتى لا تكون هذه المداخلة صرخة يتيمة في وجه الظلم فمصلحة شعوب آسيا وافريقيا وسائر الدول النامية تطوير هذه الصرخة الى موقف عالمي موحد وفاعل ليكون له التأثير المباشر على مواقف الدول الغنية المتهربة من التزاماتها، المستفيدة من تشتت اصوات الآخرين.ان العالم بفضل التكنولوجيا الحديثة اصبح وحدة كونية مناطقها ودولها شديدة التأثر ببعضها البعض حيث لا يمكن لاي طرف أن يكون بمنأى عن تداعيات أي كارثة أو ازمة تقع فيها منطقة أو دولة كما حدث سابقاً بالنسبة لانفجار المفاعل النووي في تشيرنوبيل وانتشار الغبار الذري داخل وخارج الحدود الاوكرانية، أو عندما ضرب الارهاب ضربته في مومباي وسقط العديد من الهنود والاجانب على حد سواء، أو كما نشهد حالياً من تداعيات على المستوى العالمي جراء الازمة المالية ـ الاقتصادية التي انفجرت في الولايات المتحدة بسبب الجشع وتخطي القوانين وتعطيل آليات المحاسبة، والانفاق الهائل لتمويل الحرب ضد العراق وافغانستان.ان العالم بأسره اليوم والوطن العربي على وجه الخصوص يدفع ثمن الانفلات الاميركي والنزعة الامبراطورية التي استقرت في رؤوس المحافظين الجدد، والخسائر الضخمة بدأت تظهر في الخليج كما في سائر انحاء العالم. والتخوف الآن هو من الخسائر المرتقبة والتداعيات المباشرة التي تنعكس ازمة في السيولة وتراجعاً في الطلب وتباطؤاً في الانتاج مع ما يمكن أن يؤدي اليه كل ذلك من هبوط في المداخيل على المستوى العام كما الخاص.اما الخوف الاكبر فهو استمرار الضغوط الأميركية على الدول النفطية وتحميلها اعباء اضافية ليست من مسؤوليتها وليست في حسبانها. ولا نضيف شيئاً إذا قلنا أن الازمة التي انتقلت الى الخليج ستؤثر على اقتصادات المنطقة العربية باسرها خصوصاً مصر ولبنان وسوريا وفلسطين التي تستفيد من التحويلات المالية الضخمة التي يقوم بها ابناؤها العاملون هناك، فهذه البلدان بدأت تشعر بنقص في حجم التحويلات وبزيادة في عدد العائدين الى بلادهم.ان لغة المصالح السائدة على الكوكب تفرض على الدول العربية الاعتبار من دروس افريقيا كما من التجارب المؤلمة التي عاشتها على الصعيد القومي للانتقال الى مستويات جديدة من التنسيق تتكافأ مع متطلبات المرحلة، اذ لم يعد يجوز أن يأتي احد من »الخارج« يطلب فيستجاب له. فاذا كانوا يريدون مساعدات واستثمارات وتوظيفات لانقاذ اوضاعهم في واشنطن أو لندن فيجب أن يدفعوا بالمقابل اقتصادياً كما سياسياً فاهل البلاد اولى بثرواتهم، واهل فلسطين من حقهم عليها جميعاً أن نرفع الحصار الظالم عنهم في وقت تنشب فيه اسرائيل اظافرها السامة برقاب الاطفال والمرضى والجياع في غزة وسواها من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.ان التجارب المريرة التي عاشتها الاقطار العربية طيلة الفترة الماضية مع الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية اثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الجهات التي تطالب الغير بالشفافية والديموقراطية يجب أن توجه الطلب الى نفسها ايضاً وهي التي لا تعترف بخطأ حتى ينكشف هذا الخطأ تماماً (راجع اعتراف كولن باول سابقاً بشأن المستندات المزورة التي استخدمت ذرائع لشن الحرب على العراق وحديث جورج بوش بالامس الذي اعترف فيه انه لم يتلق معلومات صحيحة من وكالة الاستخبارات المركزية بشأن العراق). وهي لا تجري محاسبة حقيقية للمسؤولين عن جرائم أو اخطاء كارثية حتى يتداعى الهيكل تماماً (من يتذكر فضائح ابو غريب، انرون، ارثر اندرسون، وهاليبرتون... الخ). كما انها لا تتراجع عن سياساتها حتى تصبح الكلفة اكثر من المردود، ليس فقط على الصعيد العام فحسب وانما على الصعيد الخاص ايضاً.في ضوء كل هذه الحقائق والاحداث والتطورات يجب أن يكون رفض الاملاء الخارجي الذي طرحه امير قطر خطوة اولى على طريق بناء منظومة عربية جديدة تحول الرفض الى خطوات متناسقة، ايجابية ومتوازنة تسهم في استعادة الاستقرار الاقتصادي وتعيد الحق الى نصابه.»أحلام« قد يقول البعض. لا بأس، فمن حقنا أن نحلم وان نعمل لتحقيق بعض احلامنا المشروعة في عالم لا يعترف بالضعفاء ولا يقر بحق لا يدافع عنه اصحابه. ([) وزير ونائب سابق (1) اشتهرت هذه اللجنة تحت اسم لجنة الـ 24 لخبراء الادارة العامة.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة