تمهيداً لانتشار الاحتفالات، بيروت عاصمة للكتاب العربي والعالمي عام ،2009 وبعدما كان قد انطلق افتتاح »مؤتمر الناشرين العرب«، مساء الاثنين الماضي، تحت عنوان »بيروت وعالمية الكتاب العربي« في معرض البيال العربي والدولي للكتاب، باشر هذا المؤتمر أعماله صباح الثلاثاء الماضي، فانعقدت الجلسة الاولى بعنوان »الكتاب العربي والعالمية« برئاسة سعد الزهري (السعودية) وبمشاركة أحمد الكبسي (اليمن) ونبيل صادر (لبنان) وأسامة مرّة (الامارات). عالج الكبسي الصعوبات والمعوقات التي تقف بوجه الترجمة من العربية الى مختلف اللغات العالمية، والعوائق التي تعترض ترجمة الإنتاج الكتبي العالمي والعربي، وهي صعوبات اقتصادية تتعلق بإنتاج الكتاب واسعار الورق وصعوبات التوزيع. سببها غياب المعرفة بكيفية التسويق والترويج لدى العرب من جهة ولدى الأجانب من جهة اخرى. كما عالج المحاضر الضعف الذي ينتاب نشاط الترجمة الى العربية بسبب قلة المعرفة باللغات الأجنبية وغياب الاهتمام بتعليمها وبسبب إحجام المؤلفين العرب عن حضور المحافل الثقافية الدولية باستثناء قلة منهم. شدد الكبسي: »لا بد من الديموقراطية والمناخات الحرة التي تنتج بلا شك نشاطاً وازدهاراً للتأليف وللترجمة«. أما صادر (لبنان) فتساءل: أين هو العقل في عالمنا العربي اليوم؟ انه يفتقر الى الديموقراطية وحرية التعبير في القول والعمل حيث تسود انتهاكات حقوق الإنسان وعلى عدة مستويات.الرقيبقرأ أسامة مرة مداخلة تشرح كيف يقف الرقيب والضابط الجمركي بالمرصاد للكتاب العربي. تميزت مناقشات الجلسة الاولى بالحيوية والحماس وتراشق النكات. برزت أسئلة مهمة تطالب بتشجيع المطالعة وبناء المدارس. ورأى الشيخ فضل المخدر (لبنان) ان مفهوم الترجمة العالمية يحتاج الى »تنضيج« بينما رأى مصطفى بزي ان معظم الجيل الرابع في اوستراليا لا يعرف العربية. وتساءل عدنان عيدان (العراق): ما هي الموضوعات التي نترجمها بعيداً عن خطب الرؤساء والوزراء والصلوات وفواتير الأسلحة المكدسة في مستودعات ينخرها الصدأ والاستسلام؟ خفّف أسامة مرة حدة هذه التساؤلات، إذ اعلن ان الشارقة بدأت بتوزيع عشرين ألف مكتبة صغيرة الى منازل الاماراتيين، كما ان مركز الاعلام الثقافي في الشارقة يترجم أي كتاب في العالم الى العربية وبلا استثناءات او محظورات. وانتقد اكرم حداد انظمة التعليم القائمة على التلقين والحفظ بلا تنمية القدرات وطالب بتعويد الاطفال على القراءة وان تهتم وسائل الاعلام بتحسين وتشجيع وسائل القراءة بدل الاهتمام بالطعام وبالشراب وبدور الأزياء وبموديلات السيارات، كما طالب أسامة مرة بتحقيق استراتيجية قراءة للمراهقين وللمراهقات.القراءة هواية الأحرارفي الجلسة الثانية برئاسة رفيق عطوي (لبنان) بعنوان التجديد في الكتاب العربي لغة ومضموناً، رأى محمود السيد (وزير ثقافة سوري سابق) ان الفرد الاوروبي يقرأ 35 كتاباً سنوياً، بينما يوجد في الكيان الصهيوني اربعون كتاباً سنوياً للشخص الواحد. بينما لا يتوفر في الوطن العربي إلا كتاب واحد لثمانين فرداً عربياً. شدد السيد على ان القراءة هواية الأحرار، لانها تطرد الجهل والخرافة، العدوين للحرية الواعية والمسؤولة. لكن السيد حاول ان يعمم نوع المضمون المطلوب للكتاب العربي وهذا التعميم ان صحّ على الكتب العلمية سواء في الإنسانيات او الطبيعيات، فهو لا يصح على الكتب الأدبية والفنية. ختم السيد مداخلته بالدعوة الى تعزيز التفاؤل بديلاً عن التشاؤم في توجهات الكتب الأدبية العربية والمترجمة.أما مداخلة عبدو الراجحي (مصر) فقد عالجت معايير الجودة في الكتاب، شكلاً ومضموناً. تساءل الراجحي: أين معاجم الاطفال اضافة الى المعاجم التي قدمتها بيروت للعرب اجمعين؟ كما أكد الراجحي: لا يمكن ان تتحقق التنمية الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ النهضوية السليمة بدون تعليم سليم، ولا يمكن ان ينجح التعليم السليم بدون سلامة اللغة الأم، العربية. وكيف نصل الى لغة عربية تناسب عصر المعلومات الراهن؟ اما مداخلة عدنان عيدان (العراق) فطالبت بمنهج جديد لقواعد اللغة العربية يخرج عن منهج سيبويه. عالج عيدان تاريخ الترجمة وأبرز محطاته في كبريات دول العالم مستنتجاً انتهاء دور الترجمة الإنسانية وقيام دور الترجمة الآلية، اذ اصبح دور المترجم الإنسان مقتصراً على عملية التحرير والتصحيح فقط.التنوع الثقافي والعولمةفي مناقشات الجلسة الثانية طالب عصام نور الدين (لبنان) بإصلاح تدريس اللغة العربية وكيفية تعليمها، وبتوحيد المصطلحات في العلوم، وهذا يحتاج إلى قرار تربوي وسياسي. اما الجلسة الثالثة بعنوان »التنوع الثقافي وعالمية الكتاب العربي« فقد ترأسها الشيخ فضل المخدر (لبنان) وكانت أكثر الجلسات إثارة للنقاشات وللتعليقات وللردود. تميزت مداخلة وجيه فانوس (لبنان) بمقدمة تأسيسية لموضوع التنوع الثقافي استناداً الى مؤتمرات الأمم المتحدة منذ عام 1945 وحتى سنة 2001. انتقل فانوس الى علاقة التنوع الثقافي بالعولمة: هل العولمة شر أم خير؟ قبل مئة سنة دخلنا في اسئلة مشابهة: هل نحن شرقيون أم غربيون؟ هل نقبل الآخر الغربي ضمن تنوعنا الثقافي ام نرفضه؟ هل ينبغي التفاعل مع الآخر الغربي ام ينبغي إلغاؤه؟ أكد فانوس تقصيرنا في مجال الخدمات الرقمية. لأننا نستوردها ولا ننتجها. ولأن الثقافة باتت صناعة فإنه يتوجب علينا بتحديد السلعة الثقافية شكلاً ومضموناً ومنها الكتاب. وتساءل فانوس: لماذا تقتصر العالمية بنظرنا على العالم المتقدم الرأسمالي الغربي، مطالباً بتوسيع بيكار العالمية لتشمل أميركا اللاتينية وافريقيا ووسط وشرق آسيا.أما رضوان بو جمعة (الجزائر) فعالج في مداخلته قضايا الاقليات الثقافية المهددة بالزوال واهمية الحفاظ على الخصوصيات الثقافية للأقليات العربية كما للاكثريات العربية. لكن مواضيعه الإحصائية اقتصرت على الإحصاءات الفرنسية لنسبة انتشار الكتاب الفرنسي في ارجاء اوروبا وافريقيا وآسيا.هيمنت وصالت وجالت مداخلة مازق مصطفى (فلسطين) على اجواء المؤتمر واسبغت عليه عمقاً تحليلياً واحاطة عالمية. اعتبر مصطفى ان العولمة صيرورة مستمرة، وتساءل: هل هزيمة حزب بوش تعني نهاية الليبرالية؟ يقول الفيلسوف الالماني هابرماس: »لقد انتهت الليبرالية مع نهاية بوش«، تناول مصطفى ايضا الثقافة الهامشية عند الضعفاء والمهمشين، واعتبرها خارج المتن وخارج التاريخ ومحكوم عليها بالجوع والأيدز والمجاعات كما في بعض بلدان افريقيا اليوم. واضح في نقاش الجلسة الثالثة ان العولمة الشرسة الامبريالية والعدوانية تعمل على وأد كل ما يجمع ويوحد أجزاء أمتنا العربية. انها تعمل على التمزق والتشرذم والتفريق. وان دعم الثقافة المضادة للعولمة التفريقية والتشتيتية غائب عن اهتمامات الحكام العرب. وإذا كانت حكوماتنا لا تعتني بالمثقفين العرب فأوروبا والغرب لن يعتني بهم الا اذا وظفوا أنفسهم أبواق عمالة وتجسس لمصلحة العالم الاوروبي والغربي. لقد اختصر فانوس نقاش الجلسة الثالثة بالقول: للعولمة وجهان: جيد وسيء. الفارابي التركي وابن سينا الفارسي كتبا باللغة العربية. العولمة العربية في العصر العباسي كانت اهم عولمة ناجحة في العالم. اليوم، هناك عولمة اقتصادية عبر وسائل الإعلام وعولمة سياسية تحت قيادة الولايات المتحدة الاميركية. اما العولمة الثقافية فتجعلنا نمشي بين النقط وبين شارات التوقف والمرور. عندما كانت شوارع قرطبة تضاء في الليل كانت شوارع باريس مظلمة. اما اليوم فشوارع قرطبة خالية من العرب. نحن العرب محكوم علينا ان نبدع في مجالات الغناء والطرب والشعر وربما الرواية ممنوع علينا ان نبدع في مجالات العلوم. لذا، ابدع إدوار سعيد وحسن كامل الصباح في اميركا وليس في لبنان.أما الجلسة الرابعة والاخيرة فكانت برئاسة أسامة محيو (لبنان) وموضوعها »النشر بين الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني« تكلم فيها: عادل خليفة (مصر)، عدنان سالم (سوريا) وغسان مراد (لبنان) تميزت هذه الجلسة بمعلوماتها العلمية والبيانية والتصويرية والتوثيقية، خصوصاً عند عادل خليفة وعند غسان مراد المتخصص بعلاقة الإعلام بالكتابة وبالكتاب الالكتروني.طالبت خلاصة النقاش لهذه الجلسة الاخيرة للمؤتمر بالعيش المشترك بين الكتاب الالكتروني والكتاب الورقي وبحماية الملكية الفكرية في زمن الحاسوب عبر إيجاد القوانين المناسبة.