فارس الأحلام صاحب الملايين. البطلة الجميلة المتحدرة من عائلة متواضعة تصبح سيدة القصر في نهاية المسلسل. القصور جميلة والسيارات فخمة والحسابات المالية التي يملكها الممثلون في المسلسل (ولا يملكونها في الواقع) هائلة. كلها عبارات تدلل باختصار على ثقافة الثراء التي احتلت قسماً غير هيّن من الأعمال الدرامية اللبنانية. فلماذا لا تخلع مسلسلاتنا المحلية الثوب المخملي عنها لتلامس واقع الطبقات المتوسطة والفقيرة؟ ولماذا على المسلسلات ان تحلق في غالبيتها في عالم الأحلام، فتطرح مواضيع أقرب ما تكون إلى قصص »سندريلا« و»بياض الثلج« تتوج بخاتم ألماس في النهاية؟ وأين الجهد الفكري الذي يبذله الكاتب في تحليل قضية اجتماعية أو حتى اقتصادية أو سياسية، في زمن يعاني فيه لبنان من أزمات عديدة تصلح لأن تكون مواد دسمة لكتّابنا؟ تجد الكاتبة كلوديا مرشليان أن بروز عامل الثراء أصبح خطاً شائعاً يمارسه الكتّاب اللبنانيون. معللة الأمر بـ»لجوء الكاتب إلى الحلم هروباً من الواقع المرير الذي يمر به لبنان واللبنانيون«، وتستدرك: »ليست هذه رسالة الدراما بكل تأكيد. الدراما يجب أن تعكس الواقع وتعبر عنه وتضيء على المشاكل فيه. فالعمل يجب أن يكون عينة من مدينة، من قرية أو من حي«. وتضيء مارشليان على محور آخر تعاني منه ثقافة مسلسلاتنا المحلية إذ تعتبر انه: »لا يجب ان تتسم شخصية الممثلين بالثبات من بداية العمل إلى آخره، فالخيّرون ليسوا دائماً خيرين، والأشرار ليسوا عبارة عن شخصيات شيطانية كل الوقت، تحمل الشخصية البشرية تناقضات عدة وعلى النص الدرامي أن يظهرها. ومن الضروري أن تتم دراسة الشخصيات بجهد من الكاتب لتصبح شبيهة بالواقع«. تعيد مارشليان انتاج مثل هذه المسلسلات إلى »افتقار الكتّاب إلى المخيلة والثقافة اللتين تطلبان متابعة للمجتمع وأحواله«، من دون ان تجد ضيراً في المقارنة: »أهم الكتّاب العالميين ينزلون إلى الشوارع ويستمعون ويراقبون ويشاهدون الحياة كما هي. فتأتي كتاباتهم مطابقة للواقع وتدخل في وجدان الناس«. كتّاب أرستقراطيون تعيد الكاتبة منى طايع هذا التوجه إلى هوية الكتّاب اللبنانيين أنفسهم: »غالبية الكتّاب اللبنانيين متحدرون من طبقة ميسورة، كما أن لبنان لم يشهد قبل عشر سنوات حالة الفقر الشديد التي يشهدها اليوم. فقد كانت الطبقة المتوسطة هي السائدة. اليوم، تختلف الظروف، فالمشكلة المادية تطال شريحة أوسع من الناس، وإن كانت لا تطال الكتّاب أنفسهم فهي تطال من حولهم. هذا الظرف الطارئ على المدينة جعلنا ككتّاب نعيش على مقربة منه. أعتقد أنه من الآن وصاعداً قد تصبح الطبقة المتوسطة والفقيرة مادة لكتاباتنا فبتنا نعيش أوضاعهم أكثر من قبل«. وتضيف: »يبقى أن الفن والأدب يحتاجان إلى مسافة ليتناولا الواقع بموضوعية، سواء الفقر، السياسة أو الطائفية«. الأكيد انه ما زالت الأعمال الدرامية اللبنانية لا تندرج ضمن فن الصناعة، بل تقتصر على محاولات فردية، ما يضعف من زخم الكتّاب في الولوج أكثر في قضايا مختلفة، إذ لا تشجيع ولا تخطيط يضعان الأعمال على سكة مرسومة. وهذا ما تعبر عنه طايع بالقول: »على الكاتب ان يعيش التجربة، ويصعب على المؤلف اللبناني السكن في بيئة تختلف عن بيئته من أجل الخروج بعمل يتناول البيئة الفقيرة مثلاً، فلا يوجد دعم مادي أو لوجيستي لمثل هذه المهمة، برأيي يجب أن تُخرّج هذه البيئة كتابها القادرين على التعبير عنها، فهم أفضل من يعبرون عن أنفسهم ويكتبون عن مشاكلهم الاجتماعية والنفسية والاقتصادية«. في المقابل، لا تنكر طايع أنها تسعى، من خلال إبراز عامل الثراء في أعمالها، إلى جذب المشاهد إلى عالم الأحلام »في محاولة لانتشاله من واقعه الصعب«. تؤيد الممثلة رولا حمادة الفكرة الأخيرة نفسها »عنصر الثراء يمثل هروباً من الواقع« مستشهدة بنجاح المسلسلات التركية مؤخراً: »المشاهد أحب المسلسلات التركية وأحب ثيابهم وبيوتهم الفخمة. يبحث هذا الأخير عن مكان يرّوح فيه عن نفسه ربما بسبب صعوبة الحياة، فيشبع مخيلته بمظاهر جميلة «. ولكن حمادة لا تحبذ اقتصار مسلسلاتنا على صياغة الأحلام فقط، فتقول: »يجب أن تقترب مسلسلاتنا من الواقع أكثر، يجب أن تتطرق إلى قضايانا الحقيقية«، متسائلة: »لماذا أسماء الشخصيات مبهمة في مسلسلاتنا، فلا تمثل أي طائفة في بلد الطوائف. مسلسلاتنا لا تجسد العنصرية في مجتمعنا ولا تجسد الطبقية فيه. فقط تتحدث عن صنف واحد من البشر، من دون إبراز التمايز في هذا المجتمع الجد متنوع«. وتكمل: »أصبحت مسلسلاتنا لها معنى واحد فقط، »معنا مصاري وضهرنا وحبينا«، ولكنها لا تتطرق إلى مواضيع نعيشها في حياتنا اليومية، ولا أي من هواجسنا، ولا تحكي عن المقاومين في بلدنا، ولا عن المصاعب التي نواجهها، ولا تتطرق لمواضيع تظهر كيف نفكر وكيف نربي أولادنا وعلى أي مبادئ في مجتمع واسع ومتعدد المبادئ والقيم«. وتختم: »فينا نقدم واقعنا مع شوية حلم لأن الفن بلا حلم ما حلو«. وعن اختفاء حقيقة المجتمع اللبناني وبالتالي الهوية اللبنانية من مسلسلاتنا المحلية، تتفق كل من طايع وحمادي على أن »لا هوية موحدة تميز اللبنانيين«، وتعيدان الأمر إلى أن اللبنانيين مزيج من أديان وطوائف وأحزاب مختلفة، فـ»لا طابع معين يتسمون به ولا مبادئ توحدهم«. وتختم طايع: »من هذا المنطلق، إن كل كاتب يعبر عن »ملّته«، فأنا ككاتبة أستطيع أن أعبر عن هوية واحدة من أصل 17 هوية يحويها المجتمع اللبناني«. الفقر في الأفكار والتحليل هي صفة المضمون الذي تحلمه غالبية مسلسلاتنا المحلية، فتلجأ إلى إبراز مظاهر الثراء الفاحش لتغطي هذا النقص. إلا أن هذه الاستراتيجية أثبتت عدم فاعليتها على المدى الطويل، فقد أصبح المشاهد يطالب بأعمال تعبر عنه لا تصور أحلاماً خفت بريقها إما لأنها تتكرر كثيراً وإما لأنه بات يدرك صعوبة تحقيقها.