As Safir Logo
المصدر:

مؤتمر »الرواية العربية« يختار الطاهر وطار أولاً هل تحتاج سيول النقد إلى سدود علمية؟

من الجلسة الرابعة فقيه وحراشة وزراقط وفانوس وديوب (بلال قبلان)
المؤلف: حيدر صفوان التاريخ: 2008-11-29 رقم العدد:11163

صباح الخميس الماضي، تابع »المؤتمر الأول للرواية العربية بين المشرق والمغرب« أنشطته المحاضراتية في قاعة نزار الزين في كلية الآداب، الجامعة اللبنانية، الفرع الأول. كان يفترض بهذا اللقاء بين النقاد الروائيين ان تتكرر مناسباته منذ ثلاثة عقود مرت علينا، لتعيد وصل ما انقطع بين المشرق والمغرب.بعد جلسات الأربعاء الماضي، أدار عبد المجيد زراقط الجلسة الرابعة بعنوان »عين المشارقة العرب تتعلق بالطاهر وطار«. حاضر وجيه فانوس (لبنان) عن »دلالة الزمن في النص الروائي المغربي عند الطاهر وطار«، ومنتهى حراشة (الأردن) عن موضوع »الدلالة والتشكيل في رواية الزلزال للطاهر وطار«، ويونس فقيه (لبنان) عن »الحادث الجزائري في رواية (عرس بغل) للطاهر وطار«. تبين لنا من خلال هذه المحاضرات ان هناك اتجاهين نقديين للرواية العربية، ومهيمنين على الاتجاهات الأخرى: نقدا شكلانيا ونقدا انطباعيا. كلاهما ناقص! فالمطلوب انتاج منهج يحتوي على نظريات نقدية متنوعة ومتفاعلة ومستوعبة لمذاهب واتجاهات واساليب الرواية العربية المتنوعة في المشرق والمغرب، حاول وجيه فانوس ان يعتمد دراسة الزمن المجتمعي للرواية العطارية مستندا الى التحليل الاحصائي المرتكز على التركيب اللغوي والبنيوي. فالزمن المجتمعي عنده هو فاعلية الزمن الروائي. لكن، لم يركز فانوس على أهمية المكان المجتمعي، رغم أنه اعتبر النص قائما ومنطلقا من الواقع. لكن النص ليس الواقع. بل هو أداة جمالية وتعبيرية وأداة كشف عن المرئي واللامرئي في العلاقة القائمة بين الواقع والجماليات التعبيرية، وتتداخل في تلك العلاقة كافة مكونات الوجود: الذات والموضوع، الفرد والجماعة، مثلثات فرويد ورايش ويونغ وفتغنشتاين، الصراعات الطبقية المتداخلة بالتفاعلات والتمايزات والخصوصيات الثقافية.الجلسة الحامية الوطيسفي الجلسة الخامسة التي أدارها سالم المعوش بعنوان »أحلام مستغانمي وابراهيم الكوني كما يراهما العرب المشارقة »تحدث سامي سويدان (لبنان) عن »بنية التخييل والسرد في ذاكرة الجسد عند مستغانمي«. وتناولت مريم حمزة (الأردن) »ذاكرة جسد أم ذاكرة وطن عند مستغانمي. وجمال مقابلة (الأردن) »ما بعد السرد. قراءة في نصوص ابراهيم الكوني«. ومهى مبيضن (الأردن) »مسألة الفنائية في روايات إبراهيم الكوني«. غابت شهادتا الطاهر وطار وابراهيم الكوني عن حضور ختام هذه الجلسة، كذلك غابت شهادتا أحلام مستغانمي وحسن داوود عن ختام الجلسة الخامسة. استبعدت حمزة الجانب البيولوجي من »ذاكرة الجسد«. بقي الجسد عندها هو الأرض مرة وهو الوطن أخرى. بقي للجسد وجه واحد: أمومي او ذكوري. بينما نعرف ان للجسد مفاهيم ووجهاً لا تحصى ولا تعد في كيان المرأة والرجل، تتعلق بموجودات الطبيعة وكائناتها وعلومها لا يمكن شرحها او إحاطتها بالكامل الا باستعمال العلوم السيبرنيتيكية المتطورة التي تتداخل فيها العلوم الطبيعية بالطبية، وبالعلوم الانسانية. نسي المحاضرون او تناسوا ان »رواية ذاكرة الجسد« يتحكم بسردها الراوي وليست الراوية وبلسان رجولي وبوعي رجولي. كذلك، هيمن الخطاب الانشائي والحماسي السياسي على مداخلة مريم حمزه. اما مداخلة سويدان فاعتبرت ان »لذاكرة الجسد« قيمة معرفية تتخطى أوضاع العالم العربي الراهنة السياسية والدينية والثقافية. بقيت السردية الشارحة مهيمنة على خطاب سويدان النفساني التحليلي. لكنه أضاء تفاصيل مضمونية متنقلا بين عملية التخييل وعملية السرد، ومؤكدا ان تعدد الأمكنة والانتماءات عند هذه الروائية الجزائرية تجعلها عربية الرؤية والتعبير بسبب هذا التعدد المكاني والانتمائي. طبعا يعرف سويدان ان السرد ليس جنسا أدبيا روائيا فقط، بل أسلوب تعبيري. فالسرد يمكن ان يحضر في الشعر وفي المسرح كما في النثر. لذا، يبدو ان طغيان الجانب السردي على مداخلة سويدان قلل من قيمتها التحليلية ـ البنيوية ـ النفسانية ـ الاجتماعية.الأغنية في الروايةتؤكد نصوص ابراهيم الكوني (الليبي) الروائية او التأملية على ان العمل الروائي عمل مفتوح. لكن دخول الأغنية على نصوص رواياته يخفف من قيمتها الايحائية اللامحدودة لأن الأغنية تصبح نصا محددا بالسياق الروائي. طبعا الكوني لاعب ماهر فنيا بالكلمات، لكن كان يفترض بالنقد الموجه لأعماله أن يفتح أفق سماعنا على كلام جديد لا يستهلك ما هو مكتوب ومنشور في الصفحات الثقافية الجرائدية. قد يكون صحيحا ان الكوني قام بأنسنة الصحراء لمصلحته الخاصة والابداعية منذ عام 1998. فهل يستحق هذا الانجاز هجوما قاسيا عليه؟ ربما كان نبيل سليــمان (سوريا) محقاً حين اعتبر المحاضرين قد وقعوا في فتنة النص عند الكوني ومستغانمي. بينما بقي سويدان مسيطراً على هذه الفتنة وقابضاً عليها.أدارت الجلسة السادسة آمنة بلعلي بعنوان »مشارقة يسبحون في فضاء المغرب العربي«. حاضر فيها على التوالي: سمر الديوب (سوريا) التي تناولت تحولات الخطاب المغاربي، عالج زهير عبيدات (الأردن) »الرواية المغاربية ونظرة ما بعد الاستعمار«. تناول حسين حموده (مصر) المغامرة السردية في الرواية المغربية. وقارب عبد الله بوهين (سوريا) »إشكالية التعبير في روايات الكوني«. أضاءت هذه الجلسة جوانب مهمة من حضارة الطوارق، سكان الصحراء المغاربية الكــبرى. فكــلمة طوارق لا علاقة لها بكلمة طرق او طارق. بل معنــاها في الأمـازيغية الحلم أو الرؤيا. والمرأة الطوارقية تخرج من خيمتها للعمل وهي مسفرة الوجه. والرجل الطوارقي لا يخرج للعمل بل يخرج للصيد فقط. ورأسه يبقى محجبا دائما. سبب ذلك، عادات المملكة الطوارقية التي حكمت جنوب ليبيا والجزائر قبل ألفي عام. وكانت ملــكتها امـرأة. النقاش مع الجمهور في نهاية الجلسة أفسح المجال لحوارات لا تنتهي: فمداخلة عبيدات عن روايات محمد ديب المغربي غلب عليها الطابع السياسي معالجا العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر. أما حسين حمودة فأكد وجود سياق موصول بالتاريخ وبالجغرافيا وبالأدب وبالثقافة يتحكم بالرواية المغربية. المأخذ على مداخلة سمر ديوب أنها عممت جميع النصوص المغاربية وكأنها ذات نمط روائي واحد وتنتمي لخطاب روائي واحد. كان يفترض بها ان تعالج نصين روائيين فقط على أبعد تقدير، رغم تفصيلها المبدع لأنواع الخطاب الروائي والتأملي والوجودي والصوفي والغرائبي الساخر. لكن لماذا أشارت ديوب الى وجود علاقة ضدية بين الخطاب الواقعي والخطاب الغرائبي الساخر؟ أوليس الخطاب الواقعي مذهب خطاب بينما الخطاب الساخر هو أسلوب خطاب؟ وتستطيع السخرية أن تتداخل في جميع أنواع الخطاب.لقد تكلمت ديوب عن تحولات الخطاب الروائي ولم تلحظ تنوعاته. ثمة فرق كبير بين التحول والتنوع. اما عبيدات فلم يلحظ أننا اليوم نحيا في قرية كونية وهناك مشكلات بيئية ووجودية وفلسفية تجمع هموم بلاد أوروبا والغرب عموما (الاستعمارية) بهموم بلادنا العربية (المستعمَرة).أدارت بديعة الطاهري أحمد بشير الجلسة السابعة الأخيرة بعنوان »بين المشرق والمغرب« بمشاركة حفيظة أحمد (الأردن) متناولة صوت المغرب العربي في الرواية المشرقية«، سامي سليمان (مصر) متناولا التشكيل السردي والرواية التاريخية في رواية سالم لحميش، نضال الشمالي (الأردن) متناولا إشكالية السرد التراثي في رواية (حدَّثَ أبو هريرة قال) للروائي محمود المسعدي التونسي، وحليمة عمايرة (الأردن) متناولة الرواية المغاربية في اللسانيات الحديثة. واختتمت أنشطة ذلك اليوم النقدي الطويل بشهادة للروائي اللبناني رشيد الضعيف الذي طرح أسئلة وجودية وشخصية مهمة منها: ما علاقة الروائي بما يكتب؟ هل الكاتب سيد كتابته؟ أليس الكاتب عميلا للكتابة؟ ركز الضعيف على ان الزمن هو الذي يصنع النص ولا يصنعه الكاتب، فاللحظة التي نقرأ فيها النص هي التي تصنع النص؟ أثار الضعيف اسئلة ولم يقدم حلولا. أسئلة منها: إلى أي مدى يساهم النقد في تطوير الرواية العربية؟ ورد الضعيف: هل يبقى الناقد أو المبدع هو ذاته طوال عمره؟ هل تبقى النصوص الثقافية او الابداعية هي ذاتها عبر الزمن؟ وردا على هذه الأسئلة نقول: الأفضل لانهار النقد الروائي ان تحتاج إلى سدود علمية كابحة في وجه هذا السيلان الكلامي. والأفضل القول ان النصوص الروائية هي بمثابة مكعبات لها أسطح متعددة. لقد قيل الكثير عن تلك الأسطح، وكُتبت حتى محاولات الحفر النقدي عليها. لكن تبقى القيمة الروائية لهذه المكعبات راسخة في »زمكانيات« الصيرورة التاريخية.صباح أمس الجمعة، بعد كلمة لأمين فرشوخ قرأ سامي سويدان توصيات المؤتمر مختتما أعماله. واختير الطاهر وطار الروائي الأول للرواية العربية بين المشرق والمغرب وهو مغاربي. وقد جاء في التوصيات:ـ تكريس مؤتمر للرواية العربية بشكل دوري وسنوي في المشرق وفي المغرب.ـ إيجاد هيئة تأسيسية في بيروت.ـ عقد المؤتمر الثاني في تونس في العام المقبل.ـ عقد مؤتمرات نقدية تتناول الشعر والمسرح وكتابة السيناريو للسينما وللتلفزيون.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة