As Safir Logo
المصدر:

قراصنة الصومال ... بين الجريمة ولصوصية الفقراء

المؤلف: عجور فايز/جمعاوي جنان/شحادة ديالا/متى وسام التاريخ: 2008-11-20 رقم العدد:11155

»قراصنة في خليج عدن«. قد يبدو الأمر بالنسبة للكثيرين فصلاً من قصة قديمة رواها لهم أجدادهم خلال طفولتهم، أو عنواناً لفيلم سينمائي شاهدوه، أو في أفضل الأحوال ظاهرة قرأوا عنها في كتب التاريخ وتعمقوا في دراستها في محاضرات التاريخ والقانون الدولي.لكن ما تشهده السواحل الصومالية، منذ سنتين، من عمليات قرصنة تستهدف عشرات السفن يؤكد، بما لا يقبل الشك، أن هذه الظاهرة انتقلت إلى مرحلة متقدمة جداً، ما دفع بقادة الدول الكبرى، السياسيين والعسكريين، إلى الإقرار بعجزهم عن مواجهتها.هكذا، خرج منذ أيام رئيس هيئة الأركان الأميركية مايكل مولن ليعلن أنّ »القراصنة الصوماليين أصبحوا ماهرين في ما يقومون به، فهم مسلحون جيداً وبارعون تكتيكياً«، بعدما نجح هؤلاء في تهديد محور رئيسي في حركة الملاحة العالمية، ينطلق من خليج عدن ليصل إلى رأس الرجاء الصالح او الى البحر الاحمر. هذا الممر، الذي يتم من خلاله شحن أكثر من 30 في المئة من الإنتاج النفطي العالمي، وحوالي 325 مليون طن من البضائع، تشكل نحو 10 في المئة من حجم التجارة البحرية العالمية، أصبح تحت قبضة شبكة من مئات القراصنة الصوماليين يستخدمون ما وفرته التكنولوجيا الحديثة.جذور الظاهرة وأسبابهاوثمة من يرى أن جذور القرصنة في خليج عدن تعود إلى الفترة التي تلت انهيار نظام الرئيس محمد سياد بري في بداية التسعينيات، وتحوّل المدن الصومالية إلى ساحة لأمراء الحرب. حينها لجأ الصيادون الصوماليون إلى مبدأ الدفاع الذاتي في مواجهة سفن الصيد الدولية التي كانت تعبث بثروة بلادهم البحرية، وأيضاً لمنع الشركات العالمية الكبرى من طمر نفاياتها السامة في مياههم الإقليمية.وسرعان ما تحوّلت نشاطات تلك المجموعات المسلحة المحلية إلى عمليات خطف سفن تجارية وسياحية، حيث باتت شبكتهم على قدر عال من التدريب والتجهيز، حيث تشير المعلومات إلى أن القراصنة يستخدمون أنظمة دفاع جوي وقذائف صاروخية وأنظمة توجيه (جي بي أس) وهواتف مرتبطة بالأقمار الصناعية فضلاً عن أنظمة الرصد والإرسال والتشويش العالية الدقة.ويوضح خبراء الملاحة أنّ عملية القرصنة في خليج عدن تتم من خلال سفينة رصد وتحكم تنطلق منها عشرات الزوارق السريعة باتجاه السفن المستهدفة، التي، وبعد السيطرة عليها، تقتاد إلى معقل القراصنة المنيع في جمهورية »بلاد بنط« التي استقلت عن الصومال من طرف واحد.ويعمل قراصنة الصومال بطريقة الخلايا العنقودية، ضمانا للانتشار والسرية، حيث تتكون كل مجموعة من عشرة إلى عشرين شخصا، وتشير المعلومات إلى أنهم يتقنون العديد من اللغات بينها الانكليزية والفرنسية والايطالية والهندية.علاوة على ذلك، أظهرت حوادث الاختطاف الأخيرة أنّ القراصنة الصوماليين يشكلون شبكة فائقة التنظيم، حيث تمتلك إمكانيات للتواصل مع والتفاوض مباشرة أو عبر وسطاء، مع الجهات المعنية بالإفراج عن السفن وطاقمها.ورغم الطابع الإجرامي لعملياتهم، يؤكد المتحدث باسم القراصنة الصوماليين سوغولو علي لصحيفة »واشنطن بوست« أنهم بمثابة »خفر السواحل الصومالية«. ويقول »نحن نرى الأشخاص الذين يلقون النفايات في مياهنا الإقليمية، كما نشاهد أولئك الذين يصيدون الأسماك بصورة غير مباشرة في مياهنا... ولن نسمح لهم بأن يمسكوا بنا كأغنام«، لكنه يشير، رداً على سؤال للصحيفة، إلى أنّ مطالبهم هي»المال فقط«. ويصنف المكتب البحري الدولي مياه المحيط الهندي قبالة ساحل الصومال على أنها من بين »أخطر مناطق الإبحار في العالم« حيث أن »دخول أية سفينة أجنبية إلى هذه المنطقة أصبح مغامرة محفوفة بالمخاطر«.وفي هذا الإطار تقول الباحثة في مركز »كارنيغي« مارينا اوتاواي لـ»السفير« أنّ »هذه الظاهرة تبرز في الصومال لسببين أساسيين، الأول، هو أن العديد من المرافئ في هذا البلد غير خاضعة لمراقبة الحكومة، وهذا ما ليس متاحاً في مرافئ البحر المتوسط على سبيل المثال. والثاني، هو الطبيعة الضيقة للبحر الأحمر، حيث تضطر السفن للإبحار على مقربة من السواحل، ما يتيح للقراصنة فرصة للتحرك من معاقلهم باتجاه السفن«.بدوره، يوضح مدير مركز الدراسات الأفريقية في جامعة بنسلفانيا لي كاسانيلي لـ»السفير« إنّ من أسباب بروز هذه الظاهرة »عدم وجود حكومة مركزية في الصومال، في مقابل سيطرة مجموعة من الحكومات الإقليمية وأمراء الحرب. ويبدو ان غالبية القراصنة يدفعون جزءا من الفدى التي يحصلون عليها إلى قادة تلك الحكومات المحلية التي يطلقون غاراتهم من مرافئها«، مضيفا إلى ذلك أنّ »الصراع السياسي في الصومال قد شرد حوالي مليون شخص، وأعاق الفرص أمام رجال الأعمال من أجل ممارسة التجارة المشروعة«.أما محلل الشؤون الأمنية المستقل باتريك كولن فيشير لـ»السفير« إلى أنه »من غير الواضح تماماً أسباب تزايد عمليات القرصنة في هذه المنطقة، ولكن من المؤكد أنها عمليات منسقة، ويعود نجاحها الكبير إلى انعدام الأمن في المنطقة، وغياب أي شكل من أشكال السيطرة العسكرية«. ويضع كولن هذه العمليات في إطار عمليات إجرامية بحتة، بهدف جني المال، لكنه يؤكد أنها مدعومة من بعض أعضاء حكومة بلاد البنط، مشبهاً القراصنة بـ»القوات المسلحة الثورية الكولومبية« (فارك)، لجهة التنظيم العالي الذي يلتزمون به في إطار عملياتهم. ويربط المحلل الصومالي في معهد تحليل النزاعات في جامعة جورج مايسون، حسين علي يوسف تنامي هذه الظاهرة بـ»الفقر وضعف الاقتصاد في بلاد البنط، التي تواجه فترة ركود اقتصادي مريع، حيث عجزت الحكومة عن دفع رواتب عناصر الشرطة والجيش لأشهر. ولهذا، فإن الحكومة مشلولة في محاربة القراصنة«، ويضيف إلى ذلك، انضمام العناصر السابقة في جيش بلاد البنط إلى القراصنة.عجز دولي ورغم المحاولات الدولية للحد من هذه الظاهرة، تبدو أساطيل الدول الكبرى المتواجدة في المنطقة عاجزة حتى الان عن مواجهة نشاط القراصنة، وذلك لأسباب عديدة، أولها، عدم وجود مسوّغ قانوني للتدخل باعتبار أنّ ما يقوم به هؤلاء لا يندرج في إطار »الحرب على الإرهاب«، حيث تصنف أنشطتهم في خانة »الجرائم البحرية«، وثانيها أنهم يفاوضون من موقع قوة، حيث بإمكانهم المساومة على الرهائن والسفن المحتجزة وحمولتها، حيث يصف »المكتب البحري الدولي« القراصنة بأنهم »مسلحون خطرون وقساة لا يتورعون عن تنفيذ تهديداتهم بالقتل في أي لحظة«.ويبدو أن قدرة المساومة بالنسبة للقراصنة تزداد يوماً بعد يوم، خصوصاً بعدما كثفوا عملياتهم خلال السنة الحالية، كمّا ونوعاً، لاسيما بعد خطفهم السفينة الأوكرانية »فاني«، التي كانت محملة بثلاثين دبابة وكميات كبيرة من الأسلحة، وناقلة النفط السعودية »سيريوس ستار« المحملة بأكثر من ربع الإنتاج النفطي السعودي اليومي.وفي إطار الجهود التي يمكن بذلها للحد من هذه الظاهرة، تشير أوتاواي إلى وجود وسيلتين أساسيتين: »الأولى تسيير دوريات على طول الشواطئ الصومالية، في إطار جهد دولي... والثاني العمل على كشف من يقف وراء القراصنة والسعي لتفكيك شبكاتهم«، فيما يرى علي يوسف أنّ »على المجتمع الدولي مواجهة هذه الظاهرة بجدية«، وهذا يعني برأيه أنّ عليه »معالجة جذور المشكلة على الارض عبر المساعدة في تقوية القوات الأمنية والمساهمة في تنمية الاقتصاد«.القراصنة والإسلاميون؟ومن الجدير ذكره، أنّ عمليات القرصنة في الصومال تقلصت بشكل ملحوظ مع سيطرة »المحاكم الإسلامية« على معظم أنحاء البلاد في العام ،2006 لتعود مجدداً مع هزيمتهم بعد تدخل الجيش الأثيوبي إلى جانب القوات الحكومية العام الماضي، وهذا ما اثار العديد من الأسئلة، حول العلاقة بين التطورات الميدانية والسياسية وتصاعد عمليات القرصنة. وترى اوتاواي أنه من »الصعب تحديد إمكانية وجود صلة بين »المحاكم« والقراصنة، رغم أن هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده«، خصوصاً أنّ »المجموعات المتشددة تسعى عادة إلى الحصول على الأموال عبر مصادر قد تكون غير شرعية، كتجارة المخدرات وتبييض الأموال وغيرها«، لكن كاسانيلي يشير إلى أنه »لا توجد دلائل كثيرة على أنّ القراصنة يرتبطون بالإسلاميين المتشددين«، مذكراً بأنه »عندما استولى الإسلاميون على السلطة في مقديشو حاولوا السيطرة على العصابات والمهربين، وقد نجحوا في خلق إطار للتجارة الشرعية أكثر مما حصل منذ الاحتلال الإثيوبي«.وإذ يعتبر كولن أن عمليات القرصنة تقليدياً تسهم في تمويل الميليشيات، فإنه يستبعد ان يكون للقراصنة أي صلة بمجموعة الشباب الإسلامي في الصومال، مذكّراً بأن أعمال القرصنة كانت منعدمة عندما كانت المحاكم الإسلامية تحكم الصومال في 2006. ومع ذلك فهو تحدث عن احتمال أن يحاول الإسلاميون »احتكار« عملية القرصنة، من أجل الحصول على المزيد من النفوذ، لافتاً في هذا الإطار إلى تعهد الإسلاميين بأن يوقفوا القرصنة. ويشدد كولن على أن دوافع القراصنة »غير سياسية البتة«، وإنما تندرج في إطار السعي وراء المال، لسد جوع، لطالما عرفته بلاد الصومال. ويوافقه في الرأي رئيس مؤسسة »درياد« لخدمات الاستخبارات البحرية غرامي درياد، الذي وضع تلك العمليات في خانة »الإجرام الصرف«، الذي لا علاقة له بأية »أيديولوجية«، نافياً بذلك شبهة ربط الإسلاميين بتلك العمليات. ويوضح درياد لـ»السفير« أنّ »ثمة شبكتين تنشطان في الصومال الأولى كانت شمالاً في بلاد البنط، والتي شهدت، رغم التواجد العسكري البحري الكثيف، ارتفاعاً في نسبة عمليات القرصنة، ما أثار »غيرة« الجنوب، حيث ينعدم الأمن، ما يجعل المنطقةً أكثر جذباً لمثل تلك العمليات«.وبدوره يرى علي يوسف أنّ بعض العناصر في الحركة الإسلامية »مستميتة من اجل الحصول على المال، والبعض استفاد بالفعل من الفدى التي حصل عليها القراصنة«، ولكن ليس ثمة علاقة بنيوية بين الإسلاميين والقراصنة. اما تعهد الإسلاميين بمكافحة القرصنة، فليس، بنظره، سوى محاولة »تملق سياسي للمجتمع الدولي«، ليظهروا »بمظهر القادر على إدارة البلاد«، مقارنة مع الرئيس الصومالي عبد الله يوسف، الذي »يهمهم إضعافه«. ساهم في اعداد هذا المحور: وسام متى، جنان جمعاوي، ديالا شحادة وفايز عجور

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة