جاء الخطاب حول حوار الأديان في الأمم المتحدة في ذروة التشنّج الطائفي والمذهبي، لكن هناك في محيط الرئيس العماد ميشال سليمان من يقول إن كولسات نيويورك كانت الأغنى رمزيّة، وكأن هذا المؤتمر كان من أجل لبنان التعددي، وأيضا كان لإيجاد نماذج للبنانات أخرى حواريّة ـ تعدديّة ـ تعايشيّة تُقتدى.واستحوذ اللقاء مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على رغبة مشتركة بألاّ ينتهي المؤتمر، وتطوى الصفحة في ختام الإعلان عن المقررات والتوصيات، بل أن تكون هناك استمراريّة. أما كيف، فهذا سؤال آخر له مقاربته الدبلوماسيّة.يقول بعض الدبلوماسيين المواكبين إن ثقافة التسطيح والتهميش والتخوين هي السائدة ليس بين الفرقاء اللبنانيين، بل أيضا على مستوى المنطقة دولا وشعوبا ومجتمعات، وبهذا المعنى يمكن القول إن المزاج السياسي المحلي قد تعاطى مع المؤتمر كسلعة ابتزازيّة استهلاكيّة بين فريق يقول بأن غايته الوحيدة هي التطبيع مع إسرائيل، وآخر يرّد بالنفي والإطناب في الدفاع عن مواقف الراعين والداعين والمنظمين، فيما الخلفيات الفعلية تتجاوز كل هذه الاعتبارات المسطّحة.هناك الإرهاب حيث نجحت الدعاية الغربيّة ـ الصهيونيّة بحصر التهمة بالمسلمين بعد أحداث 11 أيلول، وقد اتخذتها الإدارة الأميركيّة ذريعة لاجتياح أفغانستان والعراق تحقيقاً لأغراض منها استراتيجيّة واقتصادية وسياسيّة، وجاء الرئيس بوش الى المؤتمر نيويورك، قبل شهر من مغادرته النهائيّة للبيت الأبيض، ليغسل يديه من الدماء التي أريقت، ولا تزال، نتيجة السياسة التي انتهجها بذريعة فلسفته الدينيّة المتطرّفة، وليتحدث عن احترامه للأديان، الى آخر ما حفل به خطابه من عبارات التواضع والاسترحام.وهناك النزوح المسيحي من الشرق، بدءاً من بيت لحم والقرى والمدن الفلسطينيّة المحتلة، وصولا الى العراق، والضجّة التي لا تزال في ذروتها حول طرد المسيحيين والتنكيل بهم، الى الواقع اللبناني والتبدل الديموغرافي نتيجة أسباب وظروف ومعطيات عدّة مختلفة متداخلة.وبهذا المعنى، كان للمملكة العربيّة السعوديّة، بعد القمة التي عقدها الملك عبد الله بن عبد العزيز مع البابا بنيديكتوس في حاضرة الفاتيكان، توجه أعمق نظراً لما يمكن أن ينتجه حوار الأديان من سلوك إيجابي، ومناخ معتدل يوحي بالاطمئنان لكل الأقليات في الشرق العربي والإسلامي من أتباع الديانات المختلفة، يعزّز ثقافة الحوار والقبول بالآخر وتوظيف كلّ ما هو بنّاء ومفيد لخدمة الدول والشعوب والمجتمعات.وهناك العامل التفتيتي الذي بدأ ينخر في صميم الحضارة المشرقيّة، ويضرب على وتر المذهبيّة والطائفيّة والعصبيّة الفئويّة والاجتماعيّة، مع الاختلاف في التقييم والاجتهاد، كالقول إن هذا الإعصار قد وصل على متن الدبابة الأميركيّة التي جاءت ترسم خريطة الشرق الأوسط الواسع أو الكبير، الى القول إن العنصريّة الإسرائيليّة هي التي روّجت لهذه البضاعة، وعلى نطاق واسع، كونها تتلاءم مع فلسفتها ومصالحها ومعتقداتها واستمراريتها في هذه المنطقة التي لها حضارتها المختلفة والمميزة تاريخيّا بالتعايش والتسامح والانفتاح، الى القول إن التحوّل العميق في المجتمع العراقي الذي حصل ويحصل كنتيجة طبيعيّة للاحتلال، لم يعد يقتصر على ضرب وحدته، بل على الإمعان في شرذمته وتفتيته ربما لكي يكون القدوة والمثال الذي يحتذى في العديد من الدول والمجتمعات التي تعاني كما هي الحال في فلسطين، وأيضا في لبنان وبشعارات خطيرة كالكلام عن الهلال الشيعي، أو عن التمدّد الإيراني في الخليج، وأيضا في العديد من الدول العربيّة والإسلاميّة، الى سائر الاعتبارات الأخرى وهي خطيرة وهدّامة.ويمكن الاسترسال أكثر في استعراض الحوافز والمبررات، إلاّ أن الخطاب اللبناني في نيويورك كان له وقعه وخصوصيته لاعتبارين: أنه خطاب الفرادة اللبنانيّة والخبرة والتنوع، ليس فقط في الاعتراف بالآخر بل في الاحتكاك به والتفاعل معه اجتماعيّا وتربويّا واقتصاديّا وسياسيّا، ثم التركيز على الجانب المضيء من هذه المسيرة الطويلة والتجربة الرائدة، إذ إن لبنان ليس الانقسام المذهبي والطائفي الذي طفا على السطح في مرحلة زمنيّة قسريّة وصعبة يجتازها وتجتازها معه المنطقة، بل هو لبنان الذي طوّبه الإرشاد الرسولي للبابا الراحل يوحنا بولس الثاني لكي يكون المختبر والقدوة والرسالة.والشيء الذي سيتم البناء عليه ـ برأي بعض من كان ومن حضر نشاطات الرئيس التوافقي في كولسات نيويورك ـ هي ثقافة الحوار، وكأن كلمة السر التي جاءت بهذا الرئيس الى قصر بعبدا، سواء من خلال اتفاق الدوحة، أو من كواليس مهندسيه الدوليين والإقليميين، هي الحوار، وتخصيص مهمته وحصرها بالحوار، سواء الذي تشهده الطاولة في قصر بعبدا، وعلى مراحل لإعادة تجميع شتات مذاهب وطوائف لبناء وطن ودولة، أو خارج قصر بعبدا في مهمّة لا تزال متواضعة ويسكنها الخفر، لكنها واعدة لإعادة مدّ جسور الثقة والحوار بين الدول العربيّة التي أخذتها المستجدات والظروف القاهرة الى متاهات من الفتور والتنافر والاصطفاف وراء محاور متواجهة متقابلة، وخصوصا أن مسؤولياته، والمصلحة اللبنانيّة العليا، تحتمان عليه أن يمضي قدماً على هذا الصعيد، لكن بروية وهدوء وحكمة، لإعادة وصل ما انقطع بين دمشق والرياض، ودمشق والقاهرة. وما الاتصال الهاتفي الذي تلقّاه من الرئيس بشّار الأسد قبل توجّهه الى نيويورك إلا تكملة لما دار في القمة اللبنانيّة ـ المصريّة، وتوطئة للالتفاتة المميّزة التي خصّ بها الملك عبد الله »ضيفه اللبناني« في رحاب حوار الأديان في نيويورك.ويقول العارفون إن هذه الالتفاتة سوف تتفاعل مع الوقت، وعن طريق الحوار لوضع ما طالب به الرئيس موضع الفعل بحيث يكون لبنان مختبر الحضارات والثقافات، وعامل الوقت مهم، وهو سيّد المراحل كلّها، وما يمكن أن يكون صعبا اليوم قد يصبح ممكنا غدا، وخصوصا أن المنطقة على مفترق تحولات!