As Safir Logo
المصدر:

»لمّا الكاتب يكربج« لمحمود الحوراني على مسرح زيكو هاوس الجمال ليس بالضرورة مكلفاً

مشهد (حسن عبد الله)
المؤلف: عيتاني اروى التاريخ: 2008-11-15 رقم العدد:11151

في زيكو هاوس شاهدنا عرض »لمّا الكاتب يكربج« لمحمود الحوراني، تمثيل بترا سرحال والدمية يوسف. لعلّها بدأت تدرج موضة العروض الصغيرة داخل البيوت والمساحات الضيّقة، لدى الجيل الذي لا يجد نفسه وسط البرمجة المعقّدة لجميع المسارح »الكبيرة« في العاصمة. كنّا نسمع شكوى الشبان ورغبتهم الدائمة في اقامة عرض صغير خاصّ بهم، من صنعهم ولو بامكانات بسيطة لا تتطلّب تعقيدات سياسة المسارح التجاريّة، وهذا فعلاً ما بدأوا بتحقيقه مؤخراً. وجدوا سبلاً جديدة بجهدهم الخاصّ، جهد حميم، التفّوا على بعضهم، وتوزّعت الاختصاصات في ما بينهم، فانوجدت الأمكنة وكثرت المشاهد القصيرة وازداد عدد الجمهور، وبات الكلّ قادراً على تحدّي المكان والزمان، بفضل زوايا مسرحوها وشغلوها وحوّلوها الى قبلة مسرحيّة بامتياز.دمية من لحم ودممنذ اللحظة الأولى جذبنا العنوان. أهو عرض للدّمية يوسف أم عرض مشترك بين الممثلة بترا ويوسف؟ ممّا لا شكّ فيه أنّك حالما تدخل غرفة العرض، تنجذب الى شخصيّة الجدّ يوسف، الجالس في الزاوية، والمهموم أمام مكتب مبعثر، وأوراق بيضاء مرميّة على الأرض. على وقع موسيقى قديمة، لليلى مراد وعبد الوهاب، بترا عرّفتنا على العم يوسف، أو جدّها العاشق. وحالما علمنا أسباب مأساته، بدأت الحياة تدبّ في أوصاله، وهو يهزّ رأسه موافقاً على كلّ ما تقوله بترا لنا من بوح عن عشقه وهواه. هذه العلاقة السريعة التشكّل بين بترا والدمية، والتي صدّقناها بقوّة، خلقت حالة معيّنة اجتاحتنا، حالة رومانسيّة معطّرة بذكريات معيّنة يثيرها المكان، والموضوع والشّخص بحدّ ذاته، ونعني هنا يوسف الدمية، الذي كان بطلاً من لحم ودم. بترا أجادت في لعب دور مترجمة أفكاره، والنّاطقة الرسميّة عن حال قلبه، عندما دمجت بين أهميّة دورها كالمتكلمة الوحيدة في العرض، وبين مقدرتها على السكوت والاختفاء لإعطاء الدمية حقّها في الظهور. والممتع في العرض أنّ شخصيّة الدمية يوسف تحمل مساحة لنقدها بحسب طريقة صنعها ومهارة تحريكها، كبطلة لا تقلّ مقدرة عن الممثلّة بترا. فمن دراسة ماهرة لتفاصيل رجل عجوز، في حركاته وصفناته ككاتب، شاهدنا صورة العاشق لأم جودت الختيارة بدورها، الذي كما اخبرتنا بترا ينزل الى قهوة الروضة ليجد الوحي ويكتب لها رسائل الغرام ولا »يطلع بايدو« فيعود حزيناً، وهذا كان واضحاً على الدمية، في لفتاته كمراهق، وعجزه امام الورق الأبيض الذي كان يرميه حوله دون التوصل الى ايجاد الكلمات المناسبة لوصف حبّه، الّا من خلال الاستماع الى أغاني ليلى مراد، أو محاولته سماع صوتها على التلفون، عندما تردّ ويقفل الهاتف. في الواقع، كان يوسف الصورة المثاليّة للعاشق في كلّ تفصيل قام به أمامنا، في مشهد بنيته بسيطة، خال من تراتبيّة الأحداث، حيث كانت الدمية في أكثر الاحيان، وحيدة على الخشبة، لتعود بترا ويدور بينها وبينه حواراً بسيطاً دون مفاجآت. أحياناً كان الصمت ثقيلاً في المكان وطويلاً نسبة إلى نوعيّة العرض. فلقد كنّا محشورين في مكان ضيّق، أقلّ حركة فيه تعدّ صخباً، لذلك كنّا بحاجة الى ايقاع أسرع لجذب الجمهور الذي تململ أحياناً من السكوت المطبق لدى وجود الدمية لوحدها، فكان لا بدّ من ايجاد المزيد من الأفكار لملء الفراغ الذي شعرنا به في وسط العرض.الدمية يوسف صنعت باتقان ومهارة فائقين، جعلتنا نفكر حقيقة بالحالة المشابهة وهي الحبّ في عمر متقدّم. في مراقبتنا للعجوز نسينا وجه المحرّك الذي بالرغم من كونه مكشوفاً، جعلنا ننسى وجوده من خلال طريقته الانسيابيّة في تحريك الدمية، والاهم ايجاده لهذا التوازن بين تعابير وجه الدمية وبين اللغة الجسديّة في اظهار رجل عجوز لكن في الوقت نفسه رجل عاشق كأيّ شابّ أو مراهق. فكان دقيقاً في رسم الخطوات والمشية، وحركة حكّ الرأس لدى غياب وحي الكتابة، كلّها ظهرت بشكل عفوي. بترا حضورها كان محبباً، أقنعتنا بتبنّيها قصّة الجدّ المزعوم، فعرفت كيفيّة معاملته برفق، حتّى شكّلا ديو لافتا بين دمية وممثلة، ربطت بينهما حالة من المشاعر الحميمة من فرط براعة تحريك وصنع هذه الدمية التي حملت هذا الكمّ من الأسى والحب ولحظات الكتابة المضطربة. عرض »لمّا الكاتب يكربج« عرض رقيق استمتعنا به بين أداء ممثلة عفويّة ودمية من لحم ودم.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة