عمر الخيام شخصية محيرة ومتعددة الوجوه، فهو فيلسوف وطبيب وأديب وشاعر وموسيقي وفقيه ورياضي وفلكي. لكننا، على شهرته الكبيرة جــداً، لم يصلنا منه غير وجه الشاعر فحسب. ولا أبالغ إذا قلت انه لولا الرباعيات التي غنتها أم كلـثوم (ترجــمة أحمد رامي وألحان رياض السنباطي) لما عرف العرب الكثير من عمر الخيام، مع ان العرب أنفسهم ترجموا الرباعيات نحواً من أربعين ترجمة. كان الشاعر اللبناني وديع البستاني أول من ترجم الرباعيات من الانكليزية الى العربية في سنة ،1912 فجاءت معانيها ومبانيها بعيدة الى حد كبير عن الأصل. لكن أحمد رامي كان أول شاعر عربي ترجم الرباعيات من الفارسية مباشرة في سنة 1924. وفي هذه الترجمة تغلبت جماليات اللغة وألاعيب الشاعر على دقة المترجم، فتصرف بها كما شاء من التبديل والتغيير. لم يتفق الدارسون، حتى الآن، على العدد الأصلي للرباعيات، فيذكر »ويل ديورانت« في كتابه الموسوعي »قصة الحضارة« ان هناك 1200 رباعية منسوبة الى الخيام. بينما رأى الايراني صادق هدايت ان عددها لا يربو على 134 رباعية ترجمها بنفسه الى الفرنسية. ويرى بعض الباحثين مثل الروسي »شيكوفسكي« ان الكثير من الرباعيات المنسوبة الى الخيام وجدت في دواوين شعراء آخرين أمثال فريد الدين العطار وحافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي والفردوسي وأنوري وغيرهم، الأمر الذي يدل على عدم انتسابها تماماً الى الخيام. مهما يكن الأمر، فإن هذا الاختلاف في عدد الرباعيات يذكرنا بالاختلاف على عدد الأحاديث النبوية، وهو يدل على مدى الشغف الذي تمكن من الشعراء والباحثين حيال الرباعيات. ولان هذه الرباعيات لم تسلس قيادها لمترجم واحد محدد، فقد تبارى الكثيرون في هذا الميدان حتى بلغ عدد الترجمات أكثر من اربعين ترجمة (البعض يرفعها الى 60)، وبينها واحدة ترجمت الى اللغة المحكية المصرية (حسين رياض ـ 1944)، وأخرى الى المحكية اللبنانية (آرثر ضو). على ان واحدة من أدق الترجمات التي بين أيدينا هي التي توفر عليها الشاعر الاماراتي محمد صــالح القرق فنقلها منظومة من الفارسية الى العربية، وصدرت مؤخراً في بيروت. الترجمة الجديدة بدأ محمد صالح القرق ترجمة الرباعيات في سنة ،1996 وقد تمكن من نقل 200 رباعية بعد جهد ومعاناة صرفهما في التمحيص والتقليب والجرح والتعديل والانتقاء، ونشرها في كتاب فاخر وأنيق (دار المناهل، بيروت: 2008). وهذا الكتاب ليس تكراراً لما سبقه من الكتب التي تضمنت الرباعيات، بل يتميز بأن الشاعر المترجم قد اثبت في الصفحة نفسها الرباعية الفارسية الى جانب ترجمتها الى العربية والانكليزية والفرنسية، مع ذكر اسماء المترجمين الى الفرنسية والانكليزية. أي ان هذا الكتاب (288 صفحة من القطع الفني الكبير) متعدد اللغات: فارسي وعربي وانكليزي وفرنسي. وقد تم تزيين الكتاب برسوم منتقاة من الفنون العربية القديمة، علاوة على صور أربعين شخصاً ممن ترجموا الرباعيات من العرب والأجانب. للكتاب ثلاث مقدمات: المقدمة العربية كتبها يوسف بكار، والمقدمة الانكليزية كتبها حسين صادقي، والمقدمة الفرنسية كتبها أبو القاسم اعتصام زادة، مع تصدير بقلم الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان. وهذه الترجمة هي آخر الترجمات العربية التي يزيد عددها على الستين بحسب يوسف بكار، وثالث أطول ترجمة بعد ترجمة العراقي عبد الحق فاضل (381 رباعية)، وترجمة أحمد الصافي النجفي (351 رباعية)، وهي ثالث ترجمة خليجية بعد ترجمة ابراهيم العريض (152 رباعية) وترجمة السعودي محمد حسن عواد. وللعلم فإن أحمد الصافي النجفي امضى ثلاث سنوات حتى تمكن من ترجمة 351 رباعية شعراً من الفــارسية مباشرة. أما عبد الحق فاضــل فـقد صرف الكثير من الوقت في انقرة سنة 1952 حتى يترجم 381 رباعية (وفي مصادر اخرى 374). وجاءت هذه الترجمة أمينة تماماً، لكن ما كان ينقصـها هو جزالة اللفظ العربي والغــنائية الفــواحة في شعر عمر الخــيام. أما الشاعر البحريني ابراهيم العريض فترجم، اول مرة، في سنة 1966 نحو 152 رباعية، ثم أعاد النظر فيها ونشرها في سنة 1997 على البحر المتقارب، وجاءت قريبة من روح الخيام ومعانيه، وإن لم تكن مطابقة تماما للأصـل الفارسي. ونتوقع لهذه الترجمة الجديدة للشاعر محمد صالح القرق ان تكون لها فائدة مزدوجة: متعة مقارنة النصوص باللغات الاربع، ودقة الترجمة مع جمالية اللغة، فإن آخر ترجمة يجب ان تستفيد من جميع الترجمات السابقة، وهذا أمر بدهي.