واشنطن هشام ملحم: نقل عن ملك الاردن الراحل حسين بن طلال، في مقابلة اجريت معه اواخر العام 1996 انه بدأ اتصالاته السرية بزعماء اسرائيل في العام 1963 في عيادة طبيبه اليهودي عيمانوئيل هيربرت، وقال انه كان على علاقة جيدة بغولدا مائير وموشي دايان وتحدث بمودة واعجاب عن عازر وايزمان واسحاق رابين واعتبرهم اصدقاء اعزاء، ولكنه قال ان علاقته بشمعون بيريز لم تكن ودية، لان بيريز لم ينفذ بعض وعوده ولان بيريز كان مستاء لان رابين لم يعلمه بمفاوضاته السرية مع الملك حسين والتي ادت الى اتفاق السلام بين البلدين، وقال ان الاجتماعات السرية الاولى جرت في لندن، ثم انتقلت فيما بعد الى العقبة قبل ان يبدأ زياراته السرية الى تل أبيب. وكان المؤرخ آفي شلايم قد اجرى المقابلة التي نشرتها المجلة الشهرية »ذي نيويورك ريفيو اوف بوكس« في كانون الاول 1996 في سياق وضعه لكتاب عن الصراع العربي الاسرائيلي. ويعتبر شلايم من ابرز مؤرخي العلاقة التاريخية بين الاردن واسرائيل، حيث كان قد وثق في كتاباته السابقة الاتصالات السرية التي اجراها جد الملك حسين، الملك عبد الله مع القادة الصهاينة قبل وبعد اقامة دولة اسرائيل في فلسطين. وقال شلايم في مقدمة المقابلة المسجلة التي اجريت في لندن، ان السؤال الوحيد الذي جعل الملك حسين يشعر بالانزعاج كان حول التقارير التي قالت انه حذر غولدا مائير قبل حرب تشرين 1973 من ان مصر وسوريا تعتزمان مهاجمة اسرائيل، وهو امر نفاه الملك الاردني، قائلا انه علم للمرة الاولى بالحرب عندما اوقفه مرافقوه خلال جولة له في عمان وهو على دراجة نارية برفقة زوجته« وابلغوه ببدء الحرب. وقال الحسين ان اللقاء السري الاول كان مع يعقوب هيرتزوغ المسؤول في حكومة ليفي اشكول في ايلول 1963، بغرض فتح الحوار مع الاسرائيليين للتعرف عليهم، »لانه لا مستقبل في الحرب«. وقال الحسين انه كان على علم بالاتصالات السرية التي اقامها جده مع الاسرائيليين، ولكنه لم يكن مطلعا على التفاصيل، وبأنه اكتشف بعد استلامه للسلطة بأن جده لم يترك وراءه اي وثائق. وخلال المقابلة كان الملك يشير الى الوثائق والتواريخ والمعلومات المكتوبة الموجودة بحوزته حول اتصالاته هو مع الاسرائيليين. وخلال اجوبته ركز الملك على ان دافعه الاساسي في هذه الاتصالات السرية هو تحقيق السلام وخلق المناخ الملائم للتعاون بين العرب واسرائيل، ونافيا ان يكون دافعه التآمر على الاطراف العربية الاخرى، مع انه حمل الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر مسؤولية خسارة الضفة الغربية وقطاع غزة، وانتقد الرئيس المصري الراحل انور السادات ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لأنهما توصلا الى اتفاقات مع إسرائيل من دون استشارته أو التنسق معه. وقال الحسين »كنت غاضبا جدا« بعد توقيع اتفاقيات كامب دافيد. وقال الحسين ان غولدا مائير بصفتها وزيرة للخارجية الإسرائيلية حضرت الاجتماع السري الثاني الذي شارك فيه أيضا هيرتزوغ والذي انعقد في باريس في خريف 1965، والذي تطرق الى خطط الدول العربية لتحويل روافد نهر الأردن، ووصف الاجتماع بأنه كان »جيدا«. ولكن هذه الاجتماعات الجيدة مع الاسرائليين لم تمنعهم من شن غارات عنيفة ضد الأردن للرد على عمليات محدودة للمقاومة الفلسطينية كما حدث عندما هاجمت إسرائيل قرية السموع في تشرين الثاني 1966، الأمر الذي دفع بالحسين لأن يقول ان إسرائيل قد »خانته« مشيرا الى ان هذا الهجوم غير المبرر جرى يوم عيد ميلاده، وكان بمثابة »صدمة« خصوصا وانه حاول إقناع إسرائيل بأن الأردن لا يؤيد الهجمات الفلسطينية. وأكد الملك حسين انه تلقى من إسرائيل رسالة قبل بدء حرب حزيران 1967 تعده فيها بأنه إذا لم يتورط في القتال فإنها لن تهاجمه، ولكنه قال ان الرسالة كانت متأخرة، لأنه عندما استلمها كان قد وضع القوات الأردنية تحت القيادة العسكرية العربية المشتركة تحت إشراف جنرال مصري. وقال حسين ان السوريين لم يكونوا مستعدين للحرب، ولا العراقيين. وقلل من أهمية الرسالة الإسرائيلية التي استلمها عبر جنرال تابع للأمم المتحدة، لأنه كان يواجه خيارين لا ثالث لهما: »اما ان أشارك مع العرب، أو أن يمزق الأردن نفسه وقال انه لو بقي خارج القتال لحدثت اشتباكات أردنية فلسطينية ربما أدت الى »تدمير« الأردن »وشعرت بوجود احتمال كبير لتدخل إسرائيلي واحتلال الضفة الغربية والقدس..«. وقال انه عندما التقى بالرئيس عبد الناصر في الخرطوم بعد الحرب قال له الرئيس المصري انه يشعر بمسؤوليته عن خسارة الضفة الغربية الغربية وغزة، وطلب منه أن يسعى لتحقيق تسوية شاملة، ولكنه نبهه من التسوية المنفردة. وقال الحسين انه أجرى اجتماعا سريا مع وزير خارجية إسرائيل أبا إيبان بعد اعتماد مجلس الأمن للقرار 242، ولكنه وجد موقفا إسرائيليا متشددا ورافضا للتفاوض حول الانسحاب من الجبهات الثلاث. وأشار الحسين الى ان الاجتماعات التالية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات تركزت على سبل احتواء العنف على الجبهة الأردنية الإسرائيلية مع ازدياد أعمال المقاومة الفلسطينية، أشار الى ان إسرائيليين مثال ييغال آلون وموشي دايان وحاييم بارليف وغيرهم شاركوا فيها. وقال الحسين ان أفضل ما فعلته إسرائيل خلال »أيلول الأسود« 1970 كان في عدم تحركها لاستغلال الوضع، وقال ان القتال كان نقطة تحول في تاريخ الأردن، واتهم القيادة الفلسطينية وبعض الدول التي كانت تدعم بعض الفصائل الفلسطينية بمحاولة زج الأردن في القتال مع إسرائيل، وقال انه بدأ يفقد السيطرة على الوضع، وبدأ الجيش الأردني بالتمرد، وقال ان الرهان كان على احتمال تفسخ الجيش الاردني بين الجنود الفلسطينيين والاردنيين. وقال الحسين ان الاسرائيليين بعد سنة 1970 رفضوا جميع مقترحاته حول المملكة العربية المتحدة او اعطاء الفلسطينيين الاستقلال، وقال انه رفض من جهته خطة الجنرال آلون لتقاسم الضفة الغربية بين اسرائيل والاردن. وقال »لقد عرضوا عليّ اعادة اكثر من تسعين في المئة من الاراضي حوالي 98 في المئة، باستثناء القدس ولكنني لم استطع قبول ذلك« وقال انه اوضح للاسرائيليين انه يريد استعادة جميع الاراضي التي كان مسؤولا عنها عندما بدأت الحرب، ليس لكي يسيطر عليها من جديد »بل لوضعها تحت رعاية دولية« قبل ان يقرر سكانها ما هو مستقبلهم. ونفى الحسين ان يكون قد حذر غولدا مائير بأن مصر وسوريا تعتزمان مهاجمة اسرائيل في 73، وقال انه التقى بالرئيسين السادات والأسد في القاهرة قبل الحرب، حيث تقرر استئناف العلاقات بينهما والاردن، وقال ان الأسد طلب منه اعادة الفدائيين الفلسطينيين الى الاردن، وهو أمر رفضه الملك حسين. واضاف ان السوريين كانوا قلقين من احتمال استخدام اسرائيل للاراضي الاردنية للالتفاف على الاراضي السورية ومهاجمتها، وقال الحسين انه اكد لسوريا انه لن يسمح بذلك. ولكن الحسين شدد على انه لم يكن على علم بخطط الحرب، وقال انه لم يشارك في الحرب لانه كان يمشي على الطريق المؤدي الى السلام. وقال الحسين انه وجد اسحاق رابين خلال اجتماعه الاول به كرئيس للوزراء »متشددا جدا، بالغ التهذيب وبالغ اللياقة، ولكنه كان متشددا جدا ومن المستحيل تغيير موقفه«، وقال ان رابين ابلغه انه لا يمكن فعل اي شيء في ذلك الوقت. وقال الحسين ان الرئيس السادات لم يستشره قبل زيارته الى القدس، واضاف انه اعلم السادات باتصالاته السرية بالاسرائيليين، واستغرب لان السادات لم يسأله عن مضمون الاتصالات، وبأن السادات ابلغه انه يريد ان يكون مسؤولا فقط عن علاقاته باسرائيل. وقال انه شعر بغضب عميق بعد توقيع اتفاقيات كامب دايفيد، لانه قبل زيارة القدس كان القادة العرب يعملون مع الرئيس الاميركي جيمي كارتر على ترتيب اجتماع قمة في جنيف لقادة الدول المعنية بالنزاع بالاضافة الى اميركا والاتحاد السوفياتي. واضاف الحسين انه زار القاهرة آنذاك وان السادات طلب منه ان يزور دمشق لاقتناع الرئيس الأسد بالمشاركة في القمة، ولكن »الأسد كان على عادته، كان صعبا بعض الشيء وبالكاد رد عليّ. وشعرت بأن الأسد ربما دفع بالسادات للتحرك لوحده بالطريقة التي تحرك بها« وقال ان تحرك السادات سبب له صدمة وخاصة في ضوء تأكيدات الرئيس عبد الناصر له بأنه لن يسعى لحل مشاكله مع اسرائيل قبل حسم قضية الضفة وغزة. وكرر حسين دفاعه المعروف عن نفسه وعن الأردن خلال الأزمة التي عقبت احتلال العراق للكويت في 1990، وقال انه فوجئ بالاحتلال وسعى للحصول على تعهد عراقي بالانسحاب ولكنه لم يعط الفرصة »لأن الجامعة العربية اتخذت موقفا متشددا«. وقال انه قبل اندلاع حرب الخليج اجتمع سرا برئيس وزراء إسرائيل اسحاق شامير في لندن، وشارك في الاجتماع رئيس الاركان الإسرائيلي الجنرال ايهود باراك. وقال شامير لحسين انه يتعرض للضغط من ضباطه الذين يطالبونه بتعبئة الجيش الإسرائيلي ونشره على حدود الأردن، لأن الأردن قد وضع قواته على اهبة الاستعداد، وقال حسين انه اكد لشامير ان الخطوة الأردنية ليست موجهة ضد إسرائيل بل هي دفاعية وان الأردن سيمنع أي طرف من اختراق اراضيه، وانه إذا جرت خطوات مماثلة من قبل إسرائيل فان ذلك سيزيد من احتمال حدوث مشاكل على الحدود. وقال انه اعطى شامير وعد شرف بأن الأردن لن يتخذ أي اجراء ضد إسرائيل، وبأن شامير قال له ان هذا تأكيد كاف له. وقال حسين انه لن ينسى هذا الموقف من شامير الذي رأى ان كلمته كافية. وقال حسين انه مع انتخاب رابين مرة ثانية رئيسا للوزراء في 1992 كانت هناك اتصالات مباشرة ودورية بينهما، وتابع »وفي الواقع توصلنا الى جدول اعمال (اجاندة) أردني إسرائيلي ولكننا لم نعلن عنه بانتظار تحرك الفلسطينيين«. ولكن الحسين قال انه فوجئ ايضا اتفاق اوسلو، وشعر بالاستياء لأن عرفات لم ينسق معه، وتساءل »لماذا عدم التنسيق، لماذا العمل بهذه الطريقة؟ ولكنني قررت بأن هذا ما كان يرغبه الفلسطينيون دائما«. واضاف ان اوسلو »حررنا، ولذلك قمنا فورا باستئناف المحادثات« التي ادت الى لقاء سري آخر مع رابين في لندن، نتج عنه عمل مشترك ادى الى »اعلان واشنطن« حول انهاء حالة الحرب بين البلدين. ونفى الحسين ما قاله بيريز من انه هو وليس رابين مسؤولا عن اعلان واشنطن، وقال ان بيريز »لا علاقة له به، وهو لم يكن مطلعا عليه، وهو للاسف كان منزعجا جدا لهذا السبب..«، ورأى ان هذا كان من بين الاسباب التي منعت من بروز علاقة عمل جيدة مع بيريز بعد اغتيال رابين. وقال حسين انه فوجئ بمواقف بنيامين نتنياهو المتشددة، اضاف انه خلال القمة التي عقدت في واشنطن في 1996 انتقد نتنياهو على غطرسته، الا ان نتنياهو قال له انه مصمم على ان يفاجئه.