تدخلت قوات الأمن الإيرانية بشدة أمس، لإنهاء التظاهرات الطالبية التي امتدت من طهران الى العديد من المدن الإيرانية موقعة عشرات الجرحى ومهددة بخروج الوضع عن السيطرة وذلك بعدما قدم مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي ما يشبه الاعتذار العلني الى الطلاب ودعوة الرئيس محمد خاتمي الذي وصف الاضطرابات بالأحداث الأشد مرارة منذ الثورة الإيرانية الى التزام الهدوء محذرا من »فخ خطير«. في هذا الوقت اعتبرت الولايات المتحدة ما جرى »صراعا على مستقبل السياسات الإيرانية« معربة عن »القلق من القمع الذي يتعرض له الطلاب«، فيما أعربت إسرائيل عن ارتياحها وأملها في حدوث تغيير يرسي الديموقراطية في إيران. وشجب خامنئي في أول رد فعل رسمي على الأحداث، عنف قوات الأمن داخل المدينة الجامعية معتبرا تصرفها »أمرا غير مقبول تماما« وقال ان »هذا الحادث المرير أدمى قلبي« واصفا طلاب الجامعة بأنهم »أبناؤه«، واعتبر ان »هناك الكثير مما يجب قوله إلا ان الأمر الذي شغلني دون غيره هو تنفيذ هجوم ليلي على مساكن الطلاب أثناء وقت استراحتهم وفيما كان بعضهم يؤدي الصلاة«. معربا عن »رفضه لهذا التصرف جملة وتفصيلا«. وأكد على »ضرورة التصدي لكل شخص ينتهك القانون سواء أكان يلبس الزي العسكري أم لا«، مشددا على ان »الذين ينتهكون القانون لا بد ان يعاقبوا«. وقال ان خروج مئة أو مئتين من الطلاب في المدينة الجامعية وإطلاقهم بعض الشعارات لا ينبغي أن يتخذ ذريعة لبعض الأشخاص وبأي لباس أو اسم ان يدخلوا الى المكان وأن يقوموا بأعمال غير مقبولة لا سيما عندما تنتهي هذه الأعمال لتشويه صورة قوى الأمن«. واتهم أيضا الولايات المتحدة بإنفاق المال لزعزعة استقرار حكومة طهران وتحقيق »الحلم الأميركي باستعادة النفوذ في إيران«. ووجه خامنئي رسالة تعزية الى الطلاب المحتشدين في جامعة طهران بمقتل زميل لهم، غير ان الطلاب الذين تنتابهم حالة من الغضب بسبب الهجمات والضرب والإهانات التي يتعرضون لها منذ شهور على يد جماعات الضغط المتشددة التي تنعم بحماية التيار المتشدد لم يكونوا مستعدين للاستماع لكلمة خامنئي. وذهبت محاولات قراءة الكلمة أدراج الرياح. وأثناء تلاوة الرسالة، أطلقت رصاصة خارج المسجد المركزي في الجامعة ما دفع الآلاف من المتظاهرين الى داخل الحرم الجامعي. وجاء إطلاق العيار الناري بعدما رفع الطلاب أصوات احتجاجهم لإسكات قراءة الرسالة. وقال شهود ان الرصاصة انطلقت من دراجة نارية وهي وسيلة التنقل التي يفضلها أعضاء جماعة »أنصار حزب الله« التي يحملها الطلاب مسؤولية هجوم على متظاهرين سلميين خلف وراءه عشرات المصابين وقتيلا واحدا. وصاح الطلاب »الموت للدكتاتورية.. لا نريد برلمانا مفروضا« في ربط بين ما يجري من اضطرابات وبين الاستعدادات لاجراء الانتخابات البرلمانية في العام المقبل. وقال شهود عيان ان نحو عشرة آلاف شخص يخفي بعضهم وجوههم وصلوا الى مسجد الجامعة استجابة لدعوة إقامة اعتصام وجهتها هيئة التدريس في تحد صريح لأوامر مجلس الأمن القومي، أعلى سلطات الأمن في إيران، الذي حذر أمس الأول من عقد تجمعات غير مصرح بها. خاتمي ودعا خاتمي الطلاب الى التحلي بالهدوء متهما »البعض بالعمل على إثارة وخلق صدامات« داعيا الطلبة الى »عدم السقوط في هذا الفخ الخطر«. أضاف في لقاء مع وزير التعليم العالي مصطفى معين الذي رفض استقالته أمس الأول »يجب أن نكون أول من يتصدى للتوتر والعنف«. ورأى خاتمي ان »أجواء هادئة لا تعني ان الطلاب ليس لديهم أي شيء يقولونه أو أنهم ليسوا مخولين التحدث«. ووصف الرئيس الإيراني الأحداث بأنها »الأشد مرارة« على مدى عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية ووعد »بملاحقة المتسببين بالأحداث حتى إنزال العقاب المناسب بهم« واتهم خاتمي »بعض التيارات بالسعي للقضاء على الحيوية التي يتمتع بها الوسط الجامعي«. وأشار الى »الأواصر الموجودة بين الجامعات والحكومة« وقال ان »الاستفادة من نقد واقتراحات الجامعات له أكبر الأثر في تطوير برامج الخطة التنموية الثالثة«. وتشبه مطالب الطلاب الى حد كبير برنامج الرئيس الذي يصطدم بمقاومة شرسة من قبل المحافظين: لا رقابة على الصحافة وحريات مدنية وسياسية وانفتاح ثقافي. لكن بعضهم يبدي موقفا ناقدا مثل محسن الذي قال »هذه الأزمة هي الفرصة الأخيرة لخاتمي فإذا لم يتدخل سيتعرض بدوره للانتقاد في المرة المقبلة«. ويضيف الطلاب عددا من المطالب كالافراج عن آية الله حسين منتظري الذي يخضع للإقامة الجبرية منذ أواخر العام 1997 بعد توجيهه انتقادات الى خامنئي الذي وجه إليه الطلاب انتقادات شديدة في ما يعتبر نقطة تحول في التعاطي العام مع »المرشد« الذي لا يتم تناوله عادة في الانتقادات السياسية. ولدى الطلاب الذين أدوا دورا رئيسيا في نجاح خاتمي في انتخابات العام 1997 باقتراعهم الكثيف لمصلحته. الكثير مما يثير الإحباط كبطء سير الاصلاحات التي وعدهم بها وعدم اعلان نتيجة التحقيقات في مقتل الكتاب المعارضين في العام الماضي وانعدام آفاق الحصول على وظائف بعد التخرج بسبب نسبة البطالة المرتفعة، وجاء اغلاق صحيفة »سلام« الاصلاحية وهجوم المتشددين والشرطة على مسكن الطلاب ليل الخميس، ليشكلا الشرارة التي اشعلت غضب الطلاب. الصدامات وتواصلت الصدامات بين المتظاهرين وقوات الامن في طهران ودارت مواجهات عنيفة في ساحة كبيرة بوسط المدينة. وتجمع الطلاب في جادة كيشاوارز بالقرب من المقر الرئيسي لجامعة طهران حيث نشرت اعداد ضخمة من قوات مكافحة الشغب، وتبادل رجال الشرطة والمتظاهرون التراشق بالقنابل المسيلة للدموع والحجارة وذلك بعد ساعات قليلة من اشتبكات عنيفة اندلعت بين المتظاهرين وقوات الامن في ساحة ولي العصر على بعد مئات الامتار من المبنى الرئيسي للجامعة، وشاركت في الهجوم قوات مكافحة الشغب والحرس الثوري ووحدات النخبة. وألقت الشرطة القبض على حوالى 20 شخصاً وأصيب عشرة بجروح بعد تعرضهم للضرب المبرح، وانهال اربعة من عناصر الميليشيات الذين يرتدون الملابس المدنية ضرباً على فتاة شابة. وتجمع الف متظاهر تقريباً في الساحة واحرقوا سيارة تابعة للشرطة. ومساء، تمكنت قوات مكافحة الشغب تساعدها الميليشيات الاسلامية من السيطرة على محيط جامعة طهران فيما تجمع آلاف الاشخاص داخل حرم الجامعة في الوقت الذي راحت قوى الامن تطلق بشكل عشوائي قنابل مسيلة للدموع داخل الحرم. كما تواجد في الشوارع المجاورة حيث يسود التوتر آلاف من المتظاهرين من طلاب وسكان الحي او من العابرين. وتمكنت اكثرية الموجودين داخل الحرم، حيث تجمع ما بين 10 و20 الف شخص، من الخروج ولكن مئات الطلاب ظلوا في الداخل، وقال شهود عيان ان نشطاء جماعة انصار حزب الله هاجموا بوابات الجامعة التي حاول الطلاب إغلاقها بالاخشاب واطارات السيارات المحترقة. وفي الخارج سيطرت الشرطة والمتشددون على كل الطرق المؤدية الى الجامعة. ووقعت سلسلة من المواجهات سقط فيها ما لا يقل عن خمسين جريحاً، ظهر امس على بعد مئات الامتار من الجامعة في ساحة كبيرة حيث فرقت قوى الامن قرابة الفي متظاهر اشعلوا النار في احدى السيارات وذكرت وكالات الانباء ان مئات من سكان الأحياء التي جرت فيها المواجهات قد انضموا الى المتظاهرين. وليلا شن المتشددون هجوماً على مساكن الطلاب الذين نجحوا في منعهم من الدخول فيما قطعت قوات الامن يساندها المتشددون جميع الطرق المؤدية الى المساكن. وذكر التلفزيون الايراني ان وزارة الداخلية امرت الشرطة باعادة النظام وبالتشدد في منع التظاهرات غير المرخصة. واتسع نطاق التظاهرات لتشمل مدناً اخرى في المحافظات وهي يزد وخرماباد وحمدان وشاهرود، ونشرت بيانات تأييد لطلاب طهران في جامعات عدة في سائر انحاء البلاد، واعلنت مديرية الامن في تبريز خلال النهار ان طالباً في الحوزة العلمية قتل بالرصاص الاحد خلال تظاهرة جرت في هذه المدينة التي اتهم محافظها طلاباً من التيار الاصلاحي بقتله. وتحدثت الصحف ووكالات الانباء في الايام الاخيرة عن تظاهرات عدة في مدن كبرى ولا سيما في مشهد واصفهان ورشت. تعمق الفرز وظهر المزيد من المؤشرات امس على تعمق الفرز بين القوى الاصلاحية والمحافظة، فتحدث رئيس مجلس بلدية طهران ووزير الداخلية السابق عبد الله نوري امام جمع غاضب من الطلاب قائلا ان »الجناح السياسي الذي مني بهزيمة منكرة في 23 ايار (من العام 1997 تاريخ انتخاب خاتمي) يعتقد ان بوسعه استعادة مراكزه في السلطة من خلال اللجوء الى العنف«. واستطرد نوري الذي اقيل من منصبه السابق على اثر اضطرابات طالبية في العام الماضي: »وصلنا الآن الى نقطة يعرفون فيها الحرية على انها حرية اللجوء الى العنف ويشجبوننا على اننا ليبراليون وعلمانيون وساعون الى المتعة«. كما دعا بيان مشترك اصدرته 15 حركة سياسية ايرانية مؤيدة لخاتمي وبرنامجه الاصلاحي، المواطنين الايرانيين للمشاركة في تظاهرات يوم غد الاربعاء تضامناً مع طلبة جامعة طهران المعتصمين منذ ايام. في المقابل، اتهمت جمعية المؤتلفة الاسلامية وهي من الحركات اليمينية المحافظة »اميركا والاستكبار الغربي« بضلوعهما في الاحداث الاخيرة موجهة في الوقت نفسه انتقادها لاداء وزارة الداخلية والمسؤولين التنفيذيين في البلاد«. ولم تدفع هذه التطورات السلطات القضائية المحافظة الى التراجع عن موقفها من صحيفة »سلام« حيث ذكرت وكالة الانباء الايرانية ان مدير الصحيفة التي أدى قرار حجبها عن الصدور الأسبوع الماضي الى وقوع الاضطرابات، آية الله محمد خوئينيها، سيحاكم قريبا امام محكمة خاص برجال الدين. ودعا بيان صادر عن منظمة »مجاهدي خلق« المعارضة الطلاب لمواصلة تظاهراتهم في انحاء البلاد. وأشار البيان الذي وزع على الصحافيين في بغداد ان مسعود رجوي زعيم منظمة مجاهدي خلق حث الطلاب »على مواصلة تنظيم احتجاجات وتظاهرات في كل مكان ببسالة وتصميم«. الموقف الأميركي وبعد خمسة أيام من التظاهرات الطالبية، اعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركي جيمس فولي عن »القلق« للمعلومات عن اعمال العنف المستخدمة لوقف تظاهرات الطلاب الذين يدعون الى تعزيز حرية التعبير والقيم الديموقراطية وحكم القانون. كما ابدى قلقه بشأن المعلومات عن تورط المجموعات المتشددة في اعمال العنف ضد الطلاب بالتعاون مع الشرطة. وقال »لقد اوضحنا في السابق اننا نشعر بالقلق تجاه مثل هذه الاعمال في أي مكان في العالم وليس في ايران فقط حيث تهدف (هذه الاعمال) الى الحد من الحريات والتجمع والتعبير السلمي عن وجهات نظر سياسية ونناشد الحكومة الايرانية حماية المتظاهرين المسالمين واحترام حقوق الانسان بما في ذلك حرية التعبير وحرية التجمع«. وقال مسؤول اميركي رفيع المستوى ان الاحتجاجات تعكس تصعيدا في »الصراع على مستقبل السياسات الايرانية«. واعرب المسؤول الذي طلب عدم الكشف عن اسمه عن اعتقاده »ان التناقضات السياسية والصدامات تتكثف داخل ايران فالشعب الذي يؤيد خاتمي يدفع في اتجاه تبني المزيد من الانفتاح وحكم القانون وهو ما تقاومه العناصر المتشددة«. وقال ان التظاهرات التي تأتي بعد الكشف عن اعتقال 13 يهوديا اتهموا بالتجسس لحساب إسرائيل والولايات المتحدة، تشير الى ان الصراع يدور الآن حول مستقبل السياسات الايرانية. في القدس المحتلة، اعرب وزير الخارجية الإسرائيلي ديفيد ليفي عن امله في حدوث تغيير يرسي الديموقراطية في ايران. وقال ردا على سؤال حول الوضع في ايران »اننا نتلقى بارتياح أي تحرك مؤيد للانفتاح والديموقراطية واحترام حقوق الانسان ويحمل رسالة سلام«. (أ ف ب، رويترز، أ ب، ي ب)