غيب الموت أمس واحداً من الرجال المغامرين في السياسة رئيس الحكومة الاسبق شفيق الوزان. فالرئيس الوزان دخل نادي رؤساء الحكومات ولم يكن من بيت سياسي يحمل بطاقة الانتساب لهذا النادي من قبل ووصل الى مجلس النواب في مواجهة مع »خصوم« كانوا قد عرفوا الطريق الى »ساحة النجمة« وما يعتريها من حواجز والغام. وكان في المهمتين رجلا غير محظوظ اما لان المرحلة كانت قدذ استقطبته لامتصاص مشكلات اكبر من الوطن كله واما لانه ما كان ليصل الا بعد ان يتصوّر ان جهده قد انتهى الى احباط او كاد فيدفع من اعصابه ثمنا ربما لم يدفعه الآخرون عندما كانوا يصلون الى ما يصل إليه. صحيح ان الرئيس شفيق الوزان قد بنى نفسه على ركائز مطلوبة لرجل السياسة استنادا لنظريات تحفل بها قواميس السياسة. فهو الحامل اجازة في الحقوق من الجامعة اليسوعية سنة 1947 التي كانت الجامعة الوحيدة المؤهلة لدراسة الحقوق وقد خرجت الرعيل الاول من كبار السياسيين والاكاديميين وما تزال. وجنح الرئيس الوزان باتجاه السياسة والاصح انه قد بنى مدماكا آخر لبناء مستقبله السياسي بمشاركته الفعالة في مؤتمر الاحزاب الوطنية سنة 1956 حتى انتخب امينا عاما للمؤتمر قبل ان يخوض انتخابات الدائرة الثالثة في بيروت سنة 1964. ولكن في تلك الانتخابات التي لم يحالفه فيها الحظ كان في مواجهة واحد من رجالات العائلات البيروتية العريقة الرئيس رشيد الصلح. واستطاع الرئيس الوزان الذي اعتبر تلك الانتخابات »ستاجا« لتجربته الانتخابية ان »يثأر« من خصم الامس ففاز في انتخابات 1968 على الرئيس الصلح بفارق عشرين صوتا فقط. وفي انتخابات سنة 1972 عاد إليه »سوء الحظ« عندما فاز عليه عثمان الدنا بفارق لا يزيد عن 750 صوتا الامر الذي يظهر ان المرشح شفيق الوزان لم يخض انتخابات في مرة كانت نتائجها واضحة بالنسبة إليه ففرص الفوز تعادلت مع فرص الخسارة واذا لم تكن المغامرة كذلك فكيف يمكن ان تكون؟ ولعل المغامرة في حياة الرئيس الوزان السياسية تبدو اكثر وضوحا في الوزارة. ففي سنة 1969 عين الرئيس الوزان وزيرا للعدل ووزارة العدل في تلك السنة لم تكن مهمة سهلة في بلد كلبنان وهي السنة التي كانت تؤسس في احداثها ووقائعها للحرب اللبنانية التي انفجرت بوضوح في اوائل 1975. ربما كانت الحقيبة الوزارية في تلك السنة مشابهة لانتخابات سنة 1964 من حيث اعتبارها »ستاجا« افسح في المجال للرئيس الوزان لان يدرك آلية اداء وعمل رؤساء الحكومات في الجمهورية الاولى عندما دخل نادي رؤساء الحكومات في أواخر سنة 1980. مغامرة الرئيس الوزان في رئاسة تلك الحكومات تمثلت في انها جاءت في الثلث الاخير من ولاية الرئيس الياس سركيس واستقالة حكومة الرئيس سليم الحص وفشل الرئيس تقي الدين الصلح في تشكيل حكومة جديدة. فقبول الرئيس الوزان تشكيل حكومة بعد اعتذار الرئيس تقي الدين الصلح الذي كان ابن بيت سياسي عريق وفي أواخر عهد رئاسي وفي ظل استمرار الحرب في لبنان كان »مغامرة موصوفة« ولعل ما يشير الى ذلك ان الرئيس الوزان كان قد وصل اكثر من مرة الى حائط مسدود بدليل تقديم استقالته لرئيس الجمهورية الذي كان يرفض قبولها. اما حكومته الثانية التي كانت الاولى في عهد الرئيس امين الجميل فلا يمكن احتسابها من ظاهرة المغامرة في حياته السياسية باعتبار ان الحكومات الاولى في عهد رئيس جمهورية جديد كانت دائما تجد تغطيتها من العهد الرئاسي بصرف النظر عن اسم رئيسها والوزراء المشاركين فيها ولعل هذا ما يظهر من اضطرار الرئيس الوزان لتشكيل حكومة من 22 وزيرا في عهد الرئيس سركيس بينهم خمسة وزراء دولة بينما عمد الى تشكيل حكومته في عهد الرئيس الجميل من عشرة وزراء من خارج المجلس ومع هذا فقد نالت الثقة بأكثرية وصلت الى شبه اجماع اذ لم يعارضها إلا نائب واحد. لم تكن المغامرة في حياة الرئيس الوزان مقتصرة على الوصول الى ما وصل إليه ان في النيابة وان في الوزارة فاداء حكومته والمهام التي واجهتها كانت كلها »مغامرة في مغامرة« وفي هذا المجال تمكن الاشارة الى المراسيم الاشتراعية التي صدرت في عهد حكومته الثانية التي جوبهت بحملة نيابية وسياسية وشعبية عنيفة ادت لاحقا الى الغاء اكثر تلك المراسيم التي بلغ عددها 161 مرسوما. وكذلك قيام الرئيس الوزان في صيف 1982 باجراء مفاوضات غير مباشرة بين الموفد الاميركي فيليب حبيب ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لاجلاء المقاتلين الفلسطينيين عن بيروت. وينقل عدد من السياسيين عن الرئيس الوزان قوله انه يملك وثائق ومعلومات دقيقة عن تلك المرحلة ما تزال »امانة« لديه وكل الامل ان يكون الفقيد قد ارّخ تلك الوثائق والمعلومات كتابة كي لا تضيع بغيابه. والابرز في مسيرة حكومتي الرئيس الوزان اقرار حكومته في 14 ايار 1983 مشروع الاتفاق اللبناني الاسرائيلي »اتفاق 17 ايار«. ويمكن القول ان الرئيس الوزان كان »ضائعا« بالنسبة لهذا الاتفاق وليس مغامرا إلا اذا كان الاقدام على امر لا يشكل قناعة كاملة هو مغامرة بحد ذاته. فبعد اقل من شهر من توقيع الاتفاق رأى الرئيس الوزان »ان الاتفاق كان الوسيلة التي لا بد منها واذا كان من بديل آخر فليشار الينا به« ولكن بعد شهور معدودة وتحديدا في 27 تشرين الاول اعترف الرئيس الوزان بأن »اتفاق 17 ايار هو اتفاق اذعان وان لبنان اكره عليه بقصد تحرير أرضه!« ويبدو ان قناعة الرئيس الوزان كانت في موقفه الثاني اذ عاد في آذار سنة 1984 ليجتمع مع الرئيس امين الجميل ويتم تعويم الحكومة التي تقدم باستقالتها ويعقد جلسة لمجلس الوزراء يتم فيها الغاء اتفاق 17 ايار. لم تكن مغامرة الرئيس الوزان السياسية خالية من الالغام غير السياسية. ففي تموز سنة 1983 نجا من انفجار سيارة مفخخة قرب القصر الحكومي كما غامر بحياته في تنقلاته الكثيرة التي رافقت وجود فيليب حبيب في المنطقة. اما مغامراته السياسية على المستوى الحكومي فتمثلت في عدد المرات التي كان يسارع فيها الى تقديم استقالة حكومته او الاعراب لرئيس الجمهورية عن رغبته في الاستقالة ويمكن القول ان الرئيس الوزان قد يكون اكثر رئيس حكومة قدم استقالات برغم عدد الحكومات القليل التي شكلها. وبغياب الرئيس الوزان يغيب واحد من البرلمانيين الذين وإن لم يدخلوا الندوة النيابية لأكثر من دورة الا انه تمكن في تلك السنوات الاربع من ان يسجل اسمه بين اسماء البرلمانيين الذين يحسنون تطويع المنابر الخطابية ويملكون اللعبة البرلمانية بذكاء يصل الى حدود الدهاء احيانا. ولعل الرئيس والنائب شفيق الوزان من اكثر الذين اصدروا مواقف صريحة وجريئة وواضحة بالنسبة لقضايا لبنانية شائكة وكانت محرجة للعديد من السياسيين. فمنذ سنة 1975 رفض وضع قوات دولية في الجنوب ورأى انه لا يجوز لرئيس الجمهورية الاستمرار في ممارسة كل السلطات فعليا دون ان يكون مسؤولا دستوريا ودعا لتحديد صلاحيات رئيس الحكومة في النص كما نادى بفصل النيابة عن الوزارة وانهاء ما وصفه ب »مأساة الجنسية« وعارض تصفية حزب الوطنيين الاحرار عندما وقف ضد عملية 7 تموز الكتائبية. واعطى اجازة ادارية لقائد الجيش فكتور خوري في موقف من قضية اخراج الجيش من عين الرمانة. ودعا الى انتخابات على اساس حزبي ورأى ان المبالغة في الاستقراض خطر كبير وقال في سنة 1989: »اطالب الشركاء في الوطن قبل ان يقطعوا 90 كلم الى دمشق او الى مجلس الامن او تونس والكويت بقطع بعض الامتار الى شركائهم اللبنانيين اولا«. بعض ما دعا اليه رئيس الحكومة الأسبق شفيق الوزان قد تحقق فملأ عينه من تحقيق الطموحات التي سعى اليها وبعضه ما يزال حلما غاب قبل ان يتحقق الحلم. ولعل هذا ما يشكل الوصية للرئيس الراحل. فهل من يحمل رسالة تنفيذ الوصية بصرف النظر عما اذا كان مغامرا ام غير مغامر؟ احمد زين