As Safir Logo
المصدر:

»مايسون وديكسون« لتوماس بينشون الغريب شبيه بجويس أم صانع خامات لتلقى في المهملات

المؤلف: جابر ربيع التاريخ: 1999-07-09 رقم العدد:8342

يصيب توماس بينشون قارئه بالإنهاك. لا نعرف هل يحب هذا، فبينشون يكره الكلام عن نفسه. وباستثناء صورة فوتوغرافية له من أيام الدراسة الثانوية يتكرر ظهورها في الموسوعات الأدبية منذ الستينيات، وباستثناء مقدمة قصيرة كتبها لمجموعة قصصية نشرها عام 1984، فإن ما نعرفه عن بينشون يكاد يساوي صفرا. إنه يفعل هذا منذ روايته الأولى اV.ب (هذا الحرف الذي يشبه »الفاء« في العربية، لكنه ليس فاءً) المنشورة عام 1963، وهي رواية طويلة وغريبة، نصادف فيها أشخاصا يطاردون التماسيح في مجارير مدينة نيويورك (هل تعيش التماسيح في مجارير نيويورك؟)، بالإضافة الى شخص يبحث عن امرأة لا يعرف عنها إلا الحرف الأول من اسمها (V) وهو الحرف الذي وجده يتكرر في مذكرات والده. من هي V؟ هل هي فينوس؟ هل نعلم انها امرأة؟ اننا ننتقل عبر القارات الخمس، نشاهد مؤمرات تحاك في مصر، أو أوروبا، ونضيع رويدا رويدا، لكن بالتأكيد، ضمن مجلد سميك (492 صفحة)، سوف نصل الى الصفحة الأخيرة منه، دون أن نصل الى شيء محدد! فالرمز V. يبقى بلا شيء يرمز إليه. (لا بد من أن يذكرنا هذا بقصة شهيرة لبورخيس زعم انها مراجعة نقدية لكتاب صدر في الهند عن شخص يقضي حياته في البحث عن كائن يسميه »المعتصم« ولا نعرف من هو!). الفوضى الكاملة توماس بينشون، مثل جون بارت ودونالد بارتليم، وأميركيين كثر، كاتب مولع ببورخيس. لكن هذا لا يعني قرابة أدبية بين الاثنين. فبورخيس لا يكتب إلا ليصل الى نظام ما. إنه قادر على اختراع عالم بأكمله فقط كي يرسم »تناسقاً« أو يثبت »حقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة عبثية ولا معنى لها، كما في قصص لويس كارول. أما مع توماس بينشون فالحاصل هو العكس. إننا هنا أمام كتابة لا تريد الوصول إلا الى الفوضى. (Entropy)، لماذا؟ بينشون مواليد 1937، درس الهندسة في جامعة كورنل، وعمل لفترة كاتبا لبيانات شركة »بوينغ« الشهيرة (صحيح، شركة الطائرات)، خلال دراسته في كورنل درس على يد الروسي الأميركي الشهير فلاديمير نابوكوف »مادة الأدب الحديث«. ووجد نفسه يصادق كاتبا شابا هو ريتشارد فارينا، الذي نشر رواية أولى واعدة، ثم مات فجأة في حادث سير. وهو حادث هز بينشون (كما يستنتج بعض النقاد) وأسهم في كتابة بينشون لإحدى أشهر رواياته، »جاذبية قوس قزح« الصادر سنة 1973. لكن قبل »جاذبية قوس قزح« نشر بينشون رواية قصيرة نسبياً، (183 صفحة)، وسهلة القراءة إلى حد ما. إنها رواية تشبه قصة بوليسية معكوسة، فكل شيء منظم في البداية لكنه ينتهي الى الفوضى المطلقة في آخر الكتاب، كأن بينشون يعيد في هذه الرواية (التي يصعب ترجمة عنوانها الى العربية، وهي: (The Gry of Lot 94) كتابة روايته الأولى، أي اV.ب، مع شخصيات جديدة، ولكن مع »التيمة« ذاتها. هذه »التيمة« هي »القانون الثاني في الديناميكيا الحرارية« (Second Law of Thermodynamics)، وهو من أشهر القوانين في علم الفيزياء، ويجوز تلخيصه كالتالي: في أي نظام مغلق لا بد من خسارة الطاقة. هذا القانون الذي جعل بعض العلماء يتوقع الموت الحراري للكون (أو »نهاية الكون« في التعبير الديني) يستخدمه هنا بينشون على صعيد الاجتماع البشري، ليصنع عالما مفككا، وماضيا في التفكك، دون توقف: إن التواصل بين الناس مستحيل، وما من طريقة لقياس الأحاسيس، أو فهمها. (في طرفة بديعة تتساءل إحدى شخصياته: هل يمكن قياس قوة المقاومة عند فتاة تتعرض للاغتصاب، بالohm. والohm هي وحدة لقياس المقاومة الكهربائية، كما أن المتر مثلاً هو وحدة لقياس المسافة). رواية البلاستيك هذه أسرع مقاربة ممكنة الى بينشون: رواية أولى عام 1963، ثانية عام 1966، وثالثة عام 1973 بعد ذلك يتوقف الكاتب عن النشر. تنتشر كتبه بين طلاب الجامعات، ويغدو »المفضل« عند الأكاديميين. تُدرس روايته »جاذبية قوس قزح« التي تقع في 760 صفحة، والتي قد تكون قراءتها شبه مستحيلة (يقارن بينشون بجيمس جويس أحيانا)، بوصفها تأملاً في الموت الذي تصنعه حضارة وتكنولوجيا القرن العشرين، فيعتبرها بعض النقاد أهم رواية في تاريخ الأدب الأميركي، وكل هذا يحصل بينما نقاد آخرون يعلنون ان كتابة بينشون تشبه »البلاستيك«: »انها موجودة ويصعب التخلص منها، وربما يستحيل، لكنها في الختام نفايات. والحقيقة ان هذا الحكم الأخير يمكن الوصول إليه بسهولة. فلا بد من معاناة شديدة لقراءة كتب بينشون. ولهذا تعمدت الموسوعات الأدبية طوال الفترة الممتدة من عام 1973، تاريخ صدور »جاذبية قوس قزح« وحتى عام 1990، تاريخ خروجه من صمته وإصداره رواية جديدة هي »فاينلاند«، تعمدت الموسوعات الأدبية عدم إطلاق أحكام جازمة عليه عموماً. هذه الرواية »فاينلاند« لم تمر بلا جدل، هي أيضا. الذين يحبون كتابات بينشون وجدوها بديعة. لكنها ليست كطموح في مستوى »جاذبية قوس قزح«. أما الذين لا يحبون كتابته فوجدوا فيها »قطعة بلاستيك جديدة«. وها هو الجدل يبدأ مرة أخرى مع رواية »مايسون وديكسون«. هذه رواية من حجم »جاذبية قوس قزح« (أكثر من 700 صفحة من الحجم الكبير) تدور أحداثها في القرن الثامن عشر. للمرة الأولى يغادر بينشون عالم الحضارة الحديثة (عالم البلاستيك ربما) ليكتب رواية عن »الخطوط«. ذلك أن مايسون وديسكون، هما الإنكليزيان اللذان رسما، بين عامي 1765 و1768، الخط الذي سيفصل جنوبي الولايات المتحدة الأميركية عن شمالها. (الخط الذي رسم خارطة الحرب الأهلية القادمة لتحرير الزنوج!). يعيد بينشون صياغة حياة تشارلز مايسون وغريميا ديكسون، مازجا الواقع بالخيال، وممررا ضمن رحلة هذين »العالمين«، من بريطانيا الى الولايات المتحدة، أكثر من شخصية مثيرة للجدل، مثل جورج واشنطن، أبي أميركا مثلا، وهو يدخن الماريجوانا في حديقة بيته! (هذا الهجوم على »السلطة« والسخرية منها يشكل قلب أطروحته في »فاينلاند« حيث »أهل اليسار« يسار الستينيات يعيشون في الخوف الدائم من »أجهزة ريغان« في أول الثمانينيات). يمزج بينشون العلم بالاجتماع بالسياسة. يتساءل حول إمكانية التواصل بين الناس، ويعمل طويلاً على رواياته. إنجازه الأساسي خلال الستينيات والسبعينيات كان تحويله علوم الفيزياء الى مادة أدبية ممتعة. في الثمانينيات كتب »فاينلاند«، رواية شبه سياسية، ونشرها أول التسعينيات. كل رواياته كانت عن حضارة القرن العشرين. وكلها تنتهي الى ما يشبه »القيامة«. لماذا يختار بينشون، بينما هذا القرن ينتهي، العودة الى القرن الثامن عشر؟ ربيع جابر

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة