As Safir Logo
المصدر:

البشير الدامون في روايته الأولى »سرير الأسرار« الحلقــة الجهنميــة

المؤلف: بزيع شوقي التاريخ: 2008-09-26 رقم العدد:11110

لا أعرف اذا ما كان الجناس اللغوي وحده هو الذي دفع الكاتب المغربي البشير الدامون الى تسمية روايته الاولى »سرير الأسرار«، الصادر عن دار الآداب، ام ان التسمية قد تمّت لأسباب أخرى بعضها يتصل بموضوع الرواية نفسها وبعضها الآخر يندرج في اطار تسويقي بحت. على ان الاهم في الأمر ليس العنوان بحد ذاته بل ذهاب الكاتب الى التخوم القصوى للتعبير عن فساد الحياة وبؤس الواقع في مدينته تطوان التي لا نذكر منها نحن المشارقة الا ورود اسمها في النشيد القومي الشهير »بلاد العرب أوطاني« حيث تتطلب القافية من المؤلف ان يختار تطوان، لا طنجة او الرباط او الدار البيضاء، لتكون الثغر الاخير من ثغور المغرب العربي. لكن الصورة الوردية للنشيد سرعان ما تخلي مكانها في رواية البشير الدامون لعالم يصعب تصديقه لما يكتنفه من سوداوية وقسوة وفقر وشذوذ.الراوي في »سرير الأسرار« ليس رجلاً بل امرأة. وهو امر ليس بجديد على الرواية بوجه خاص او على الفن بوجه عام. فالكاتب فيما يكتب يتجاوز دائرة الذكورة والأنوثة ويعود الى معدنه الإنساني المطلق. لكن اختيار الضمير المؤنث يكتسب في الرواية أبعاداً إضافية لأنه يعبر عن الظلم غير العادي الذي تعاني منه المرأة في مجتمع الفقر والجريمة والانحلال. والطريف في الامر ان اسم البطلة الراوية هو وحده الذي يظل مغفلاً في الرواية ليس فقط، لأنها تنتمي الى الهامش البائس والمنسي في مدينتها بل لأن هذا الهامش يتجاوز حدود اسم العلم ليطال معظم النساء والرجال هناك. تقول البطلة الراوية إنها تتمنى لو كانت بلا ذاكرة لتنسى الواقع المهان الذي ولدت فيه، ومع ذلك فهي لا تجد ما يشفيها من الألم سوى البوح بما تملكه من أسرار: »أنا اسيرة سري، ان لم أبح به خسئت. لكن من اين أبدأ وأسرار فواجعنا تتهاطل عليّ وابلاً من المطر«. وهي تبدأ من تحديد معالم المدينة وبواباتها وساحتها لتشير الى مكان »الدار الكبيرة« التي ولدت فيها والتي لم تكن في الحقيقة الا داراً للبغاء تديرها أمها مما زاهية بالذات. على ان معرفة الفتاة بأن مما زاهية ليست أمها الحقيقية بل هي عمدت الى تبنيها بعد ان احضرها لها احد المتشردين لن يقلل من ألمها في شيء بل يضاعف هذا الألم، لأنها من جهة لا تعرف هويتها الحقيقية، ولأنها من جهة اخرى تتربى في عهدة أم يرتاب الجميع بأخلاقها.لا اعرف على وجه التحديد كيف استطاع البشير الدامون ان »يحشر« في روايته كل هذا الكم من المنحرفين والقتلة والمهووسين والمعوقين وغير الأسوياء. فالأمر لا يتعلق فقط بمما زاهية التي تبدأ الرواية بحادثة اقتيادها الى السجن من قبل شرطة الآداب ومن ثم يطلق سراحها فيما بعد، بل بمعظم الشخصيات الاخرى التي تظهر المدينة وكأنها جحيم حقيقي من الأوبئة والشهوات المحرمة والدماء المراقة. فهناك المجرم المسمّى الوروار الذي يخترق صدى اسمه ارجاء المدينة ويزرعها بالخوف والذي يضطر الاطفال انفسهم الى قتله، وبينهم الراوية بالذات، بعد ان هاجم احدهم بمطواة، (وهو ما يدفع القارئ الى تصوّر حال تلك المدينة التي يتحول اطفالها بالذات الى قتلة، الشيء الذي يذكرنا برواية »البحار الذي لفظه البحر« لميشيما). وهناك سرطحا الاسكافي الذي لا يكف لسانه السليط وولعه بالنميمة عن الايقاع بمن حوله حتى لو تعلق الأمر بالفقيه احنانة. وهناك سلطانة التي لم تتورع بدورها عن نهب اموال الناس بواسطة الاحتيال والغش في ورق اللعب لتنتهي بعد ذلك في السجن. وهناك المهداوية، ابنة الزنا، التي لم تجد من يتزوجها سوى رجل مشرد ونصف معتوه فهربت معه الى حيث لا يعرف احد. وهناك مصطفى الأحمق الذي تجرأ على حب نسرين، ابنة العائلة الثرية، فما كان من أهلها الا ان حملوها بعيداً الى الرباط تاركين مصطفى الى ذهوله وحمقه. وهناك الضب الذي لا يكف عن السكر والمتاجرة بالفتيات الصغيرات، وزرميطا الذي يتزوج بامرأة خرساء ويجبرها بدوره على ممارسة الدعارة مهدداً إياها بالقتل كلما حاولت الفرار منه.عالم بلا أملنادراً ما نعثر في »سرير الأسرار« على بارقة فرح او ومضة أمل واحدة. وكلما اشرفنا على النجاة اعادنا البشير الدامون الى حلقته الجهنمية المقفلة. المشاهد تعقب المشاهد ونحن نحبس أنفاسنا لنرى خاتمة ما نلتقط من خلالها الأنفاس. كل شيء يدور حول الدار الكبيرة التي باتت رمزاً فجاً وشديد الفظاظة لتجارة البغاء الناجمة عن الجوع والفقر المطبقين. وفي احد المشاهد يلتقي الأب وابنه على باب إحدى العاهرات، ما يذكرنا ايضاً بلقاء أحمد عبد الجواد وابنه ياسين في ثلاثية نجيب محفوظ. في هذا المناخ المتحلل تتحلل العلاقات الأسرية والعاطفية وتصبح آيلة الى سقوط حتمي. لا امرأة تزف الى حبيب »شرعي« وحقيقي بل تساق الى قدرها كالنعجة فتذعن حيناً تفادياً للذبح وترفض حيناً آخر برغم ما تواجهه من مخاطر، كما فعلت ثورية التي تهرب ليلة زفافها بالذات (لنلاحظ هنا المجانسة المفتعلة بين الصفة واسم العلم).على أن القارئ لا بد وان يشعر بالدهشة ايضا ازاء قدرة بطلة الرواية على الاحتفاظ بنقائها وسط عالم الدنس والخطيئة ذاك. ورغم انها تعلن في احدى المناسبات بأنها اوشكت ان تتحول الى عاهرة كغيرها بعد ان هاجمها احد السكارى، فهي ما تلبث ان تنجو من الحادثة في اللحظة الاخيرة. الا ان الاغرب من ذلك هو نجاتها من حادثة اغتصاب مماثلة اكثر خطورة من الاولى بعد ان يختطفها اربعة رجال ويقودونها الى منطقة ريفية نائية. فما كان منها الا ان رمت بنفسها في النهر الذي حملها مجراه الى بر الأمان والنجاة، بما يبدو شبيهاً ببعض الروايات الخيالية او الافلام السينمائية المبنية على المغامرة والادهاش. والامر الاكثر إلفاتاً هنا هو ان الراوية لا تكتفي بالذهاب الى احد المستشفيات للحصول على »شهادة عذرية« تمكنها من الزواج لاحقاً بل هي ترفض في الآن ذاته ان تعرض نفسها على طبيب من الرجال وتصر على ان لا تتعرى الا امام طبيبة او ممرضة. واذا كان ذلك يدل على بعض المفارقات الغريبة التي تتضمنها الرواية فإنها تكشف من جهة اخرى عن مفارقات مماثلة قائمة في بنية الواقع نفسه. ففي قلب ذلك العالم المعطوب والمثخن بالفحشاء نرى بالمقابل مظاهر التدين والإيمان والمحافظة على تقاليد الماضي. الا انه ايمان سطحي يتصل في الأعم الاغلب بالسحر والشعوذة والطقوس الغيبية الخرافية التي يمارسها بعض اللصوص والمتاجرين بالدين.تبدو الشخصيات السوية والمتسمة بالرأفة والاخلاق قليلة جداً في رواية »سرير الأسرار« بالقياس الى الشخصيات السلبية وغير السوية. واذا كانت شخصيتا مما رحمة وزوجها السي أمين من بين الشخصيات القليلة المتسمة بالحب والعطاء والايمان فإن اللافت ايضا هو ان دار هذين الزوجين الطيبين موازية تماما للدار الكبيرة التي تضج بالعاهرات وبائعات الهوى وزوارهم من الرجال الكثر. كما لو ان المؤلف يتعمد ان يظهر مرة اخرى طبيعة التناقضات التي تعتمل في أحشاء مدينته ويقيم مواجهة مباشرة بين القيم المتعارضة. وهذه المواجهة تظهر مرة اخرى من خلال الشخصيتين المذكورتين اللتين تقاطعت معهما حياة بطلة الرواية، اعني بهما شخصية جميل وشخصية علي. ففي حين ان الشخصية الاولى، على وسامتها البادية، قد تكشفت عن طبيعة لواطية منحرفة اصابت البطلة بالصدمة فإن الثانية قد حافظت على مصداقيتها وصورتها النزيهة منذ بداية الرواية وحتى نهايتها. والغريب هنا ان عليا، المزارع الذي يعمل بكد واجتهاد في الأرض والذي صارع الخنازير البرية الى ان فقد احدى عينيه في النهاية، لم يستطع رغم ذلك ان يستحوذ على قلب الفتاة التي احبها رغم ان الفتاة الراوية كانت تتوق الى ملجأ آمن يعصمها من الهلاك. واذا كان علي هذا يرمز الى روح المغرب الحقيقية والمتصلة بالأرض والصدق والنبالة فإن عدم قدرة البطلة على حبه يرمز على الارجح الى الضياع والقلق وانعدام الرؤية التي تضرب المجتمع المغربي في صميمه.تقاطعاتلا بد، أخيراً، من الاشارة الى وجوه التقاطع الواضحة والخفية بين العديد من الاعمال المغربية الروائية الصادرة في السنوات والعقود الاخيرة، حيث تطغى المرارة والقسوة على كل ما عداهما. فعالم البشير الدامون في اتصاله بالقاع السفلي الأسود لمدينة تطوان وفي كشفه المرعب عن واقع الناس وأحوالهم لا يختلف كثيراً عن عالم محمد شكري ذي السواد المماثل، حيث تبدو طنجة في بؤسها الشهواني غير بعيدة عن تطوان. وليست صورة بني ملال في رواية عبد الكريم الجويطي »كتيبة الخراب« ببعيدة عن الاثنتين معاً لولا ان بؤس المدينة الاخيرة يتصل بالتغييب والاهمال والفساد اكثر مما يتصل بالتحلل الاخلاقي الذي يضرب المدن المعولمة في الشمال المغربي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة