As Safir Logo
المصدر:

تقـي الديـن الصلـح: سيـرة حيـاة وكفـاح

المؤلف: كنعان طاهر حمدي التاريخ: 2008-09-05 رقم العدد:11092

هذا الكتاب، الذي ألفه الحقوقي المعروف الأستاذ عمر زين، وقدم له ناشره الإعلامي المرموق تحسين خياط، آية وفاء لقيمة الصداقة والإعجاب الشخصي، ولكنه أيضا، بل هو أساسا، آية وفاء لقيمة المسؤولية الوطنية، مسؤولية الحفاظ على الذاكرة الجمعية للأمة ودروس تجاربها من خلال تسجيل وتوثيق تجارب أعلامها والبناة المؤسسين من أبنائها الذين ارتبط بسيرة حياتهم ومسيرة كفاحهم تاريخ الأمة واتجاه مستقبلها.وموضوع الكتاب هو أحد أبرز رجال الدولة في لبنان الحديث، وهو من كانت حياته وكفاحه نموذجا لجيل من التقاة النقاة، رحلوا وانطوت برحيلهم مرحلة كاملة هي مرحلة »الحلم العربي« بالمستقبل الواعد، مخلفة بعدها »كابوس« الخيبة في الواقع العربي الراهن.الرجل هو تقي الدين الصلح، اسم ذو معنى شخصي بالنسبة لي، كونه تردد دائما في جنبات بيتنا في مدينة نابلس بفلسطين من قبل والدي وأصدقاء حميمين للرجل، أذكر منهم الأستاذ أكرم زعيتر والدكتور كمال الشاعر، وذلك بصفته أحد الأعلام الذين ارتبطت أسماؤهم بالحركة القومية العربية.وعلى مقاعد الدراسة، في نابلس أيضا، درسنا تاريخ تلك الحركة التي هدفت للاستقلال عن الامبراطورية العثمانية، وتراوحت في سعيها لتلك الغاية بين مفهوم الاستقلال الذاتي للولايات العربية ضمن إطار إدارة لامركزية للحكم العثماني، ومفهوم الاستقلال التام في دولة عربية القومية في مقابل الدولة ذات القومية الطورانية التي دعت اليها حينئذ حركة تركيا الفتاة.يضع كتاب عمر زين لحما ودما على الهيكل التاريخي للحركة القومية العربية من خلال التعريف المباشر للقارئ بالأشخاص من لحم ودم الذين كانوا رواد تلك الحركة، فيتبين أن من أولئك الرواد نفراً من آل الصلح الذين تقاسموا أدوارا مرموقة في التيار العروبي منذ نشأة هذا التيار. ويتبين أن والد تقي الدين الصلح وهو منح الصلح (الكبير) كان من ذلك الرعيل الذي ناضل من أجل استقلال البلاد العربية عن السلطنة العثمانية منذ عام 1877 السنة التي نشبت فيها الحرب بين روسيا والسلطنة العثمانية، فخشي أحرار العرب ان يؤدي انهيار السلطنة العثمانية، الى سقوط البلدان العربية في حوزة الدول الاستعمارية الأوروبية. فتنادى منح الصلح مع عدد من المشاركين له في الفكر والتوجه من أعيان بلاد الشام لعقد مؤتمر سري يعلنون فيه استقلال البلدان العربية، وقد عقد هذا المؤتمر في عام 1877 ذاته. وبعد 42 سنة، في عام ،1919 انعقد مؤتمر ثان يتابع الرسالة ذاتها وهو المؤتمر التأسيسي السوري المنعقد في دمشق بعد دخول الشريف فيصل الى هذه المدينة تتويجاً للنجاح الذي حققته الثورة العربية المنطلقة من مكة المكرمة ضد الحكم التركي. وفي هذا السياق، يروي الكاتب جزئية مؤثرة من وقائع هذا المؤتمر تعكس مناقب ذلك الزمن، فتبدو بالمقارنة بالحاضر العربي المتردي وكأنها محض خيال: وهي أنه حين جرى الترشيح لرئاسة المؤتمر تقدم للترشيح قطبان: رضا الصلح، عضو مجلس المبعوثان التركي، والشيخ رشيد رضا، ثالث اثنين من رواد النهضة العربية: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، تساوت الأصوات بين المرشحين، أصوات المندوبين الممثلين لكل أطراف سوريا الكبرى باستثناء صوت واحد لمندوب تقدم من المقاعد الخلفية ليرجح الكفة، فإذا هو عفيف الصلح، مندوب مدينة صور الى المؤتمر رضا الصلح، فتضج القاعة بالتصفيق من قبل أنصار رضا الصلح وهو قريب المندوب الذي سيرجح الكفة بل عمّه اللزم! وتفرز الأصوات فإذا بصوت عفيف الصلح قد ذهب الى الشيخ رشيد رضا. وفي تفسيره لخذلانه عمه لمصلحة الخصم قال: إن عمي هو أب لي وقدوة في النضال، لكني خجلت أمام التاريخ أن يقال إن ثالث أئمة النهضة العربية قد سقط في الانتخاب على يد عفيف الصلح، ولم أحب لعمي أن يكون المنتصر، لأن ذلك سيكون انتصار الجاه والنفوذ السياسي على المكانة الفكرية والأدبية.ومنذ نعومة أظفاره السياسية أحس تقي الدين الصلح بأهمية الهوية القومية العربية في إضعاف الهويات الطائفية والتأسيس للمواطنة والولاء الخالص للوطن مهما تعددت مكوناته الطائفية والعرقية. فكان داعية حريصا على كل ما يشعر المسيحيين بهذه المواطنة وبكفايتها لحماية مصالحهم المشروعة ومشاركتهم في الحياة السياسية للوطن اللبناني على قدم المساواة مع الطوائف الأخرى، دون عون خارجي من شركائهم في الدين في أوروبا وأميركا. وتوازى هذا التأكيد في لبنان على الهوية الوطنية مع التوحد الاسلامي ـ القبطي ضمن الهوية الوطنية في مصر، والتفاف مسلمي الهند حول زعامة غاندي المخالف لهم في الدين. وأجمل ما يعبر عن عمق الإحساس الذي حمله تقي الدين الصلح في هذا الشأن هو ما رواه الكاتب عن وصول زوجته الى حافة اليأس من توقف الاستعار في أوار الحرب الاهلية في لبنان، فراحت تجمع أشياءها وتجهز أولادها للهرب من لبنان الى مكان أكثر أمناً، فيعترض تقي الدين الصلح ويصر على ربط نافر جأشها وإقناعها بالمكوث على أرض الوطن، منتهياً في طمأنتها الى النتيجة الفاصلة: »طالما بقيت كنيسة واحدة تدق أجراسها فسيبقى لبنان«.من الواضح أن تقي الدين لم يخط لنفسه سيرة ذاتية أو مذكرات متماسكة، الأمر الذي رتب على المؤلف أن يجد في أوراقه مادة تقوم مقام مثل هذه المذكرات. فينجح في ذلك الى حد بعيد، ويبعث الى الحياة المعرفية العالم الذي نشأ فيه تقي الدين فيقتبس من تلك الأوراق نصوصا عن طفولته وذكرياته المدرسية، فتتبين من ذلك إسهام المدرسة، الى جانب تقاليد العائلة، في تكوين النزعة القومية عند تقي الدين، فكان من أساتذته أعلام في الفكر السياسي والأدبي، منهم على سبيل المثال قسطنطين زريق وأنيس الخوري المقدسي وأسعد رستم.ويتضح أن المدارس في تلك الأيام كانت تطبق ما يذهب الظن الى أنه من الابتكارات الحديثة في التربية، وهي الفكرة القريبة من »التعلم المستمر« حيث لا تقيد صفوف المدرسة بسن معين للطالب في الصف المعين. »ففي الصف الواحد، جنبا الى جنب، تلميذ في العاشرة وآخر في الرابعة عشرة!«.ولا أدري هل كانت مقتبسات المؤلف من أوراق تقي الدين انتقائية أم شبه شاملة للمتاح من أوراقه؟ إذ لا تظهر من الذكريات الواردة في المقتبسات معالم الهموم والتجارب الشخصية الحميمة أو إشارات مباشرة الى المؤثرات التي ساهمت في تكوين تلك الشخصية من سن لآخر. بل يرجح في تلك الأوراق تصوير من الخارج للأوضاع الاجتماعية التي نشأ فيها والناس الذين عاصرهم، فيصفهم بأنهم »ينزلون على مراتب، ففي الشام أعيان وأشراف، ثم الأصناف أو الصنايعية وهم أدنى رتبة بحيث إذا أراد البعض الحط من ناس قالوا انهم من الأصناف! أما بيروت فيقترن بتصويرها صورة »القبضاي« وهو ظل عنترة العبسي البطل العربي فيما قبل الاسلام ومدرسته الأخلاقية كما يعرفها الحكواتي، »والقبضايات هم تلاميذ قصة عنترة والمقاهي مدارسها«.وحين يتعرض تقي الدين الى »جو البيت في الصغر« يكون التركيز على الوصف الخارجي للطقوس الاجتماعية كتلك الخاصة بالختان والأعراس. وأقصى ما بلغته ذكريات تقي الدين من الحميمية الشخصية تصريحه عن تعلقه بسيرة عنترة الى حد الهوس، كونها »تتناول الحب العذري والعشائر والحرب والأقوياء. وكنت أنفر من الذين ينتقلون من الكلام عن الحب إلى الخوض في ما يتعداه. فالحب عندنا كان الحب العذري والمرأة التي نحبها نتزوجها ولا سبيل غير هذا السبيل«.ويظهر تقي الدين من خلال أوراقه وعيا وإحساسا بالطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها. فيصف عائلته، آل الصلح، بأنهم لم يتعاطوا مهناً حرة ولا عملوا في التجارة بل كانوا ملاكين أو موظفين في الوظائف الكبيرة، »ومكنهم هذا من تلبية احتياجات المواطن البسيط« بخلاف السلوك الاقطاعي الذي يحرص تقي الدين على النأي بنفسه وعائلته عنه. فالزعيم الاقطاعي كان يطلب ثمنا لخدمته، أما النافذ من أهل الصلح فليس إقطاعيا ولا ثمن لخدمته. فمكن ذلك هذه الزعامة السنية من اختراق الأخدود الطائفي، مستقطبين أبناء الشيعة والطوائف الأخرى الذين أرادوا التحرر من وطأة الإقطاع، فتمكنوا بذلك من مزاحمة الزعامة الاقطاعية الشيعية في جنوب لبنان رغم الأغلبية الشيعية فيه«. وهذه شهادة من التاريخ ان جذور التناحر السياسي في لبنان هي اقتصادية وليست طائفية.أما المحور الآخر الذي يدور حوله كتاب عمر زين وتعكسه أوراق تقي الدين الصلح فهو المتعلق بالحركة القومية العربية. واللافت ان التعبير السياسي لتقي الدين عن انتمائه القومي العربي واكب مشاركته في تحرك اجتماعي لمصلحة طبقة عاملة هي طبقة المعلمين، في صورة تأسيس نقابة لمعلمي المدارس الخاصة. وكان مولد الفكرة لتأسيس هذه النقابة في مجلس عمالة لبنان »للحركة العربية السرية« في رأس بيروت. وقد انعقد المؤتمر الأول من أجل تأسيس هذه الحركة في بلدة قرنايل بقضاء المتن الأعلى في شهر أغسطس 1933 وحضره خمسون شخصية عربية كان حوالى ربعهم من اللبنانيين. وأسفر المؤتمر عن: (أ) وضع البيان التأسيسي للمؤتمر الذي حدد الأهداف الأساسية المعروفة للقومية العربية، (ب) تأسيس الحزب السياسي المعروف باسم »عصبة العمل القومي« التي تعهدت بالسعي لتحقيقها. واختيرت دمشق المقر الرئيسي للعصبة، وعيّن علي ناصر الدين مسؤولا عن فرعها في لبنان. وتزامن هذا مع الحركة الثقافية التي بدأها قسطنطين زريق في الجامعة الأميركية في بيروت لنشر الفكر القومي وشرح الأسس الفلسفية التي ترتكز اليها القومية العربية ويحث طلابه ويوجههم الى اعتناقها والعمل على نشرها. وأدى هذا التزامن بين تأسيس عصبة العمل القومي بقيادة كاظم الصلح وتقي الدين الصلح من جهة، وتيار قسطنطين زريق في الثقافة القومية من جهة أخرى، الى حوار ثم اتفاق بين الفريقين على تأسيس حركة قومية تضم نفرا مختارا من المفكرين والعاملين يكون همهم الأول وضع الأسس لتنظيم قومي شامل على مفهوم صحيح للأهداف القومية. وانتهت هذه المبادرة الى إطلاق »الحركة العربية السرية« في أواسط 1935 ونشر ميثاقها الذي عرف باسم »الكتاب الأحمر« ومباشرة نشاطها في جو من السرية المطلقة والتكتم الشديد.وأما المحور الثالث لكتاب عمر الزين فهو مسيرة تقي الدين الصلح في السياسة اللبنانية والعربية، سواء حين احتلاله مواقع المسؤولية السياسية وقمتها رئاسته للحكومة أو حين تفرغه للنشاط الاعلامي في الأحيان التي كان فيها خارج تلك المسؤولية. وفي مقدمة انجازات تلك المسيرة دوره المرموق في بلورة »الميثاق الوطني اللبناني« لعام ،1943 والذي استمر بعده في الدفاع عن القيم التي يمثلها لبنان الحر المستقل، وفي إعلاء صوت العقل والحكمة وبعد النظر في التعامل مع هموم لبنان ومشاكله الداخلية والتهديدات الخارجية التي ما انفكت تحدق به، ومنها ما لا يزال معنا الى يومنا هذا لكنه ما زال خاضعا للتقييم ذاته وللحكمة ذاتها مما أصدره تقي الدين الصلح قبل عقود من الزمن. وفي ما يلي بعض آرائه التي استشرف بها المستقبل بالرأي القاطع لكل رأي آخر:جنوب لبنان والمقاومة»في غياب قوة عربية ذات ثقل كاف لمحاربة اسرائيل أو للضغط عليها لتأمين تحرير الجنوب من قواتها المحتلة، ومع تخلي أميركا عن رغبتها في ممارسة أي ضغط على اسرائيل، لا يبقى أمام لبنان واللبنانيين إلا خيار واحد، وقد ناديت به منذ البدء وهو: المقاومة الوطنية للاحتلال الاسرائيلي. والمقاومة ليست فقط مسؤولية أبناء الجنوب، ولا مسؤولية طائفة واحدة، بل هي مسؤولية الجميع، إذ لا يجوز القول إن جنوب لبنان هو الواقع تحت الاحتلال، بل يجب أن تقول إن لبنان محتل في جنوبه وغربه بقاعه وفي الاقليم. واسرائيل أمام المقاومة الشعبية أضعف منها أمام الجيوش. لقد فشلت اسرائيل سياسيا وعسكريا في لبنان، وكان سقوطها عظيما وفي العمق. لقد هز هذا الفشل أعماق النفس الاسرائيلية وأحدث تحولا كبيرا هو أقرب الى خيبة الأمل وانكسار الحلم. وما انهيار بيغن إلا صورة لانكسار حلمه. ان اسرائيل تبقى قوية الى حدود خسائرها البشرية، فعند هذه الخسائر مفتاح الضعف الاسرائيلي. ان اسرائيل لا تتحمل سقوط قتلى وجرحى لها، وهذه نقطة ضعفها الأولى. من هنا ان المقاومة الوطنية للاحتلال الاسرائيلي ليست عملية انتحارية عبثية بل هي سلاح فعال لمواجهة هذا الاحتلال ودحره، لكن ذلك يجب ألا يغني عن الجهد السياسي أو الدبلوماسي الذي يمكن ان تقوم به الحكومة الحالية لتأمين انسحاب القوات الاسرائيلية المحتلة، وهنا لا بد من التوقف عند مسؤولية أميركا. آخر مرة زارني فيها السفير الاميركي الحالي في بيروت برثولوميو تحدثت معه حول سياسة أميركا في الشرق الأوسط وما بلغت اليه من تدهور وقلت له: »ان لدى أميركا فرصة لاستعادة سمعتها وهو جنوب لبنان، فإذا عملت على إنهاء الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب استطاعت أن تستعيد ما خسرته في مغامرتها اللبنانية بعض الشيء«. ولا أزال أنتظر جوابا«. (حوار مع مجلة المستقبل في باريس 30/6/1984).مستقبل لبنان»اللبنانيون إذا اتفقوا، وعلى أي شيء يتفقون يمكن إنقاذ لبنان. إذا اتفق اللبنانيون كما فعلوا عام 1943 على العيش معا في وطن واحد ودولة واحدة. وميثاق 1943 استهدف قيام المجتمع اللبناني الموحد، بحيث يذوب المجتمع في الوطن ولا يبقى موزعا في الطوائف وعلى الطوائف، وحقيقة الأمس هي حقيقة اليوم: أي الخروج من الطائفة الى الوطن ومن الطائفية الى الوطنية، ولعل هذه الحقيقة أشد ضرورة اليوم مما كانت بالأمس«.»من الضروري أن ينتهي شيء ما في لبنان أو تنتهي أشياء كانت تثقل كاهله وتعرقل نموه وتساعد على تدهور أوضاعه.. لا بد ان تنتهي هذه الأشياء لكي تكون للبنان قابلية جديدة للحياة. لا بد أن يحدث التغيير، ان نواجه ذلك بعمق وانفتاح وبروح التضحية من جهة، وبالواقعية والمستقبلية من جهة أخرى، لكن التغيير يجب ألا يمس بجوهر لبنان ومقوماته الأساسية وهي أربع:1ـ اتجاه كل لبنان نحو محور واحد: إرادة الحياة المشتركة في نطاق محدد من الأرض هو حدود لبنان الحالية والمعترف بها دوليا، فالمس بحدود لبنان هو مس بالجوهر.2ـ الحريات، لا معنى للبنان من دون الحرية ولا ضرورة له ولا قابلية له في الحياة أكثر من ذلك، ان لبنان بلا حرية لا يمكن ان نسميه لبنان.3ـ الديموقراطية، لا حرية بلا ديموقراطية. يجب المحافظة على النظام الديموقراطي مع إجراء التبديلات والتغييرات التي تقتضيها العدالة. كل الناس تطالب بحقوقها الآن على طريق الطائفية، لكن ذلك يجب ان يتبدل بحيث ينبغي المطالبة بحقوق المواطنة فتتأمن حقوق الطوائف عن طريق المواطنة لا العكس، ولا تكون الديموقراطية محدودة بالطائفية.4ـ موقع لبنان في العالم العربي، لا يمكن ان يكون لبنان برغم شخصيته المميزة والمتميزة منعزلا عن محيطه العربي، لا يفعل ولا يتفاعل لا سلبا ولا ايجابا مع ما حوله، هذا أمر مستحيل لبنان عربي. والعروبة تعطي لبنان المنزلة الأعلى، وإذا شاء أو عرف كيف يتحرك تعطيه المنزلة الأولى والفاعلية الأولى في هذه المنطقة«.(مجلة المستقبل، »وصية البيك«، بمناسبة صلاة الغائب في باريس في 2/12/1988).المشروع الأميركي في المنطقة العربية»مسؤولية أميركا في ما حدث للبنان مرتبطة بدور أميركا في المنطقة. فنحن في لبنان عانينا ونعاني من وجود وأطماع اسرائيل، وندفع ثمن ارتباط سياسة أميركا بإسرائيل. فلولا دعم أميركا لإسرائيل بهذا الشكل لما حصلت أمور كثيرة في المنطقة، كان انعكاسها على لبنان كبيرا وعميقا، فالحرب التي شنتها اسرائيل على لبنان بحجة القضاء على ما تسميه »الارهاب الفلسطيني« جذورها قيام الصهيونية بتشريد الشعب الفلسطيني من أرضه والاستيلاء عليها. ولولا الضوء الأخضر الاميركي لما وصلت اسرائيل الى بيروت بعدما كانت غايتها المعلنة إبعاد الفلسطينيين 40 كيلومترا عن حدودها«. (حوار مع مجلة المستقبل في باريس 30/6/1984).اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة»إن البؤس الذي يعانيه تسعمئة ألف عربي أخرجوا من ديارهم وشردوا في كل الآفاق وحرموا من أسباب العيش وكرامة العيش ليحز في نفس كل عربي.. وإذا كانت أخطاء العرب في حرب فلسطين قد ساهمت في خلق هذه المأساة، فإن أميركا وبريطانيا تتحملان المسؤولية الكبرى فيها.. وكل ما يُنفق، مهما تبلغ قيمته، في سبيل تحسين أحوال معيشتهم حيث هم اليوم، لا يمكن أن يعتبر تعويضا عن بلاد فقدوها وملك اغتصبه معتد من أيديهم اغتصابا. ان العرب يتمسكون بعودة الفلسطينيين الى فلسطين لا ليكون حظهم في الحياة أنعم، فالعرب يدركون ان بلادهم الشاسعة الكثيرة الخيرات لا تضيق بمليون عربي. ولكنهم يريدونهم ان يعودوا لأن الأرض أرضهم والوطن وطنهم ولأن بقاءهم حيث نزحوا ينطوي على معنى من معاني الاقرار بحق المغتصب وفي الأرض المغتصبة. وإذا ظن المتآمرون من اسرائيليين وأميركيين وبريطانيين وسواهم ان توطين الفلسطينيين اللاجئين يُلغي حق العرب في الأراضي المحتلة، فإنهم لعلى خطأ عظيم. فسواء عاد اللاجئون الى ديارهم ام لم يعودوا، وسواء بقي المليون فلسطيني من اللاجئين أم فنوا عن بكرة أبيهم، فإن حق العرب في أرض فلسطين كلها يبقى كاملا ناصعا. ذلك ان فلسطين قطعة من الوطن العربي، وهي ملك لكل عربي، من مضى ومن يحيا ومن سيكون، وليست ملكا لأولئك الذين أجلتهم القوة عن أديمها وحدهم. ولا يملك عربي حق التنازل عن حفنة من ترابها«. (بيان حزب النداء القومي، 17 أيلول 1955).من الواضح أن هذا العمل سعى الى أن يكون سجلا مرجعيا لحياة هذا الرجل الاستثنائي من لبنان وكفاحه، فنجح في هذا المسعى الى حد بعيد مستغرقا أكثر من 1300 صفحة من النصوص والوثائق. لكن ذلك يترك المجال مغريا بأن يصار الى تأليف عمل للقارئ العادي لا يزيد على 200 صفحة، تبدأ بمقدمة المؤلف دون تغيير، وتنتقي مما يليها نخبة من الوقائع والذكريات اللافتة. وإني لأختم بالواقعة التي تلفت النظر، خصوصا في مثل هذا الزمان الرديء، وهي شهادة المؤلف الكريم أنه، بصفته صديقا ومحاميا للفقيد الذي تولى ترتيبات ما بعد الوفاة، لم يجد في ما تركه هذا الرجل، الذي تقلد أعلى المناصب ومراكز النفوذ، مالاً أو عقارا يستحق أن يستخرج بشأنه وثيقة »حصر الإرث«! لكن الإرث الحقيقي لتقي الدين الصلح هو بالذات ما لا تستطيع أي وثيقة حصره.([) نائب رئيس مجلس الوزراء الأردني سابقا

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة