هل نتعلم نحن اللبنانيين رقصة التانغو، ونحن نتسقط أخبار مسابقة بوينس أيرس الدولية بمشاركة أهم فرق العالم المتخصصة بالتانغو. تلك الرقصة التي تجعل العلاقة بين طرفين أكثر حميمية، رغم كل العنف الذي يضمره الراقصان؟لنتعلم التانغو، في المناسبة، لأننا نكثر من الكلام على العلاقة بالآخر، على التقارب والتقرب، بل الحوار الذي بتنا ننتظره كأننا ننتظر غودو. فلربما كان الرقص مفتاح القلوب، ولربما يمكن تقارب الأجساد، بلا أسلحة بيضاء ولا نارية، أن يشبك حقول العلاقة. ولا بأس إن كان الراقصان من منطقتين أو طائفتين أو مذهبين، فالتانغو، أيها السادة، لا ينتهي إلا على خير. أما المؤمنون الذين يخشون تماس الأجساد فلهم تانغو كريولو، ذاك الذي يعود بهم إلى القرن التاسع عشر، حيث يتحرك الراقصان (وهما رجلان في المرحلة الأولى لتلك الرقصة) الواحد قرب الآخر، من دون أن يتفاخذا أو تتداخل أطرافهما بالطبع.يبدو التانغو دواء، خصوصاً أن هذه الرقصة اشتملت في تاريخها على كل الطبقات، في خلال رحلتها من أشبيلية الأندلسية إلى الأرجنتين حيث استقرت رمزاً لتلك البلاد، وقد حملها السود قبل أن يتلقفها البيض، وكانت رقصة الشارع قبل أن تصبح رقصة الصالونات والأفراح ورقصة الشغف والعشق والفتيل الذي يشعل الألباب والأجساد.لنتعلم التانغو، ولا أقصد هنا الفحش في العلاقة أو انكشاف المستور أمام الآخر، كسبيل الوصول إلى قلبه، إنما أقصد ما تتضمنه الرقصة من استعداد للتواصل، ليس بما يعنيه هذا التواصل من اندفاع مميت نحو الآخر، أو ارتماء في أحضانه، أو على عتباته، إنما على الأقل كما هي الرقصة: خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء، الاقتراب من الآخر بحذر، الاقتراب بشهامة وجدية وتصميم، الاقتراب المتكرر الذي يثبت في النهاية. المهم أن يرسم اثنان خطوة الاقتراب، وإن كان الحذر ثالثهما، ففعل الاقتراب وإن كان خطوة مقابل اثنتين إلى الوراء، هو الإنجاز لا بد أن يسعى الجميع لتحقيقه.لم تعزف الموسيقى بعد، ولا شيء يفرّح القلوب حتى الآن، وما زلنا ننتظر الراقصين الذين لا يزالون في مواقعهم وخلف متاريس آرائهم ومواقفهم.وأهلاً برمضان، حاملاً معه نار أزمات العيش اليومي، في ظل انتحار المداخيل الهزيلة على صخرة الغلاء، التي لا يستعد لقهرها أحد من كل الساسة والزعماء اللبنانيين، ولأن لا أحد يستطيع أن يرفع صوته في وجه زعيمه المنشغل بـ»القضية المركزية«، ولأن لكل سياسي أو زعيم سياسي قضيته »المركزية« المختلفة عن »مركزية« الآخر... يمكن لرقصة التانغو أن تجمع اثنين، كلاًّ من مركزه أو »مركزيته«!وما دام رمضان شهر فرح لا حزن، وشهر اجتماع لا افتراق، وقد كثرت فيه موضة الحفلات الليلية وسهرات السحور حتى مطلع الفجر، رقصاً وفقشاً، ولو كان الأمر على طراز تراثي، بالطربوش وتنورة الدراويش، ومع سلاطين الطرب وسلطاناته، فإن التانغو، الرقصة التي تحتاج دائماً إلى شريك.. في الوطن، يمكن أن تكون وصفة للجميع ومجال احتراف يشارك البارعون بها في مسابقة العاصمة الأرجنتينية العام المقبل.