يقول الدكتور حسن مكي، احد كبار المنظرين السياسيين في الحكم الحالي في السودان، ان من بين الاسباب وراء قيام الحكم بتسريع وتيرة تحسين العلاقات مع الدول الغربية، وتعجيل الخطى نحو مصالحة مع القوى المعارضة، اقتراب موعد اجراء الاستفتاء، الذي كان تعهد به الحكم، بشأن مستقبل الجنوب قبل حوالى العامين. ومع ان الدكتور مكي، وغيره من السياسيين والمسؤولين في السودان، يرون ان امكانية التصويت على الانفصال مستبعدة، الا ان الوقائع على الأرض تظهر خلاف ذلك، خصوصا وان عقودا من الصراع المسلح والعداوات السياسية، جعلت الغالبية العظمى من سكان جنوب السودان، تعتقد الخلاص في الانفصال، بل وترى الامل في اقامة كيان مزدهر، بدعم من الدول الغربية، وبناء على الثروات الكبيرة التي تختزنها ارض الجنوب. ويبرر الحكم السوداني اطمئنانه الى عدم الانفصال، بأن الانفصال سيؤدي الى حروب داخلية بين القبائل، أشد عنفا ودموية من الحرب الدائرة حاليا، وهم امر قد يكون صحيحا، الا ان احدا في الجنوب، لا يفكر حاليا الا بالخلاص من الحرب الحالية وبالخلاص من هيمنة الشمال.. الأمر المقلق للغاية ان الحكم الذي قرر اجراء الاستفتاء لأهالي الجنوب على الانفصال او البقاء كجزء لا يتجزأ من الكيان السوداني، يبدو مجبرا على اجراء الاستفتاء في موعده بعد ثلاثة اعوام، وهي فترة غير كافية لإعادة الثقة حتى ولو توقفت الحرب ووضع الجنوب كل امكانياته في خدمة التطوير وازالة آثار الحرب في الجنوب. فإلغاء الاستفتاء يعني ضرب مصداقية الحكم محليا ودوليا، وتقويض علاقاته الخارجية مع الدول الغربية تحديدا، واضافة صعوبات اضافية هائلة امام فرص الحل لمأساة الحرب في الجنوب. وعلى الرغم من المبررات التي قدّمها ويقدمها الحكم، بشأن الظروف التي أحاطت قرار اجراء الاستفتاء، الا ان القرار يبقى تجاوزا لصلاحيات الحكم في السودان، خصوصا وان القرار يحمل في طياته امكانية حصول انفصال لجزء اساسي من أرض الجنوب، وهذا يحتاج الى تفويض شعبي، عبر استفتاء عام، والى تفويض دستوري، كان يفترض ان يحصل على اساس دستور تشارك في اقراره القوى السياسية والشعبية كلها، او غالبيتها على الأقل. وهما امران لم يتم توافرهما في القرار المتخذ. وبالتالي فإن الحكم السوداني اتخذ قرارا مصيريا، بناء على ظروف آنية، من الضغط السياسي والامني، واستنادا الى رغبته الاولى في الحفاظ على استمراريته، مهددا بذلك وحدة السودان، وبالتالي مصالح الامة العربية والاسلامية في افريقيا. فانفصال الجنوب، في حال حدوثه، قد يعني هزيمة حضارية وثقافية للعرب والاسلام في افريقيا، اكبر بكثير من كونه هزيمة سياسية، اذ ان ما يجري في جنوب السودان، هو اختبار فعلي ليس فقط لسياسات الحكومة السودانية، بل اساس لتجربة التفاعل والتواصل الثقافي والحضاري ما بين العرب والافارقة. وهو قد يعني إلغاء حقيقيا للتواصل والتفاعل المستمرين منذ مئات او ربما آلاف السنين، ويعني انحسارا جديا للثقافة العربية والاسلامية في انحاء القارة، مع ما يعني ذلك من انحسار في مختلف المجالات الحياتية الاخرى، وهزيمة تاريخية. وربما كان الحكم في السودان يأمل في الاعتماد في الاستفتاء على نفوذه بين الجنوبيين الذين نزحوا الى الشمال، وباتوا يأملون في البقاء في الشمال، الا ان هذا الاعتماد يبدو مهددا، ليس فقط لمشاعر العداء المتأصلة، وحالات التمييز العنصري المستفحلة، بل ايضا على اساس ان القوى المعادية لبقاء السودان موحدا، لا بد وان تنتهز الفرصة من الاستفتاء للدفع باتجاه اهدافها، والتشكيك بأي محاولة من الحكم للالتفاف على الظروف الحالية للجنوبيين. ويعيد هذا الى الاذهان ما تردد بقوة عندما تسلمت الجبهة الاسلامية الحكم في العام 1989، وعلى لسان العديد من كبار كادرات الجبهة بأن انتشار الاسلام والحفاظ على قانون الشريعة، أهم من الوحدة، وان الحرب في الجنوب مفيدة لأنها أدت الى هجرة مئات ألوف الجنوبيين ما سهّل تحولهم الى الاسلام.. وهو ما يتناغم مع كلام يتردد بين الحين والآخر، وبحسب تطور الحرب، بأن انفصال الجنوب اهون على السودان من استمرار تحمل اعباء الحرب.. غسان مكحّل