As Safir Logo
المصدر:

»حافة النسيان« لأحمد علي الزين: سجن الذاكرة

المؤلف: حسين هيثم التاريخ: 2008-08-26 رقم العدد:11083

ثلاثيّة عبد الجليل غزال ج 1»حافّة النسيان«. رواية صدرت حديثاً عن دار المدى للكاتب والإعلاميّ اللبنانيّ أحمد علي الزين. تقع الرواية في 210 صفحات من القطع الوسط. هي الرواية الرابعة له بعد «الطيّون، خربة النوّاح، معبر الندم«. يتصدّى الكاتب في هذه الرواية لمعالجة موضوع السجن، ولكن من زاوية مختلفة، أرادها جديدة، ووفق لعبة روائيّة متقنة، حيث خيوط السرد تتشعّب في الأزمنة والأمكنة، بينما يبقى السجن الفضاء الذي يجمع شتات الأفكار والأرواح، وحطام الأجساد، ويلفظها إلى عالم النسيان، ذواكرَ تتأبّى على النسيان وتستعصي عليه، لأنّها يجب أن تبقى شواهد إدانة لواقعٍ نال من الكلّ على السواء، من الضحايا والجلاّدين بالمثل.. كأنّ الكاتب في استهلاله عندما يقول على لسان راويه: »ورأيتُ نفسي..« يستأنف حديثاً سابقاً بقي معلّقاً، أو يكمل موضوعاً غير مكتملٍ، حيث تشي هذه الافتتاحيّة إلى أنّ هناك ظمأً لدى السارد لبدء سرده، من دون أن يعترضه معترض، أو كأنّه قد مجّ نفَساً من سيجارته، وتجرّع جرعة ماء، ثمّ يقرّر أن يبدأ بما لن ينتهي منه في هذا الكتاب، فعنده من الوجع الكثير، ومن الوقت القليل، فلا بدّ من البدء قبل أن يغافله الوقت، لا سيّما أنّه قد غُدر وغوفِل عندما تمّ إلقاء القبض عليه، وسِيق من سجن إلى آخر.. يتناصّ الكاتب في روايته مع روايات كثيرة كُتبت عن السجن، فظلال عبد الرحمن منيف حاضرة بقوّة، وخصوصاً في روايتي (شرق المتوسّط، والآن هنا)، وكذلك تلك الروح المنكسرة الكئيبة التي التصقت ببطله في رواية (حين عبرنا الجسر)، رغم أنّها لا تعالج واقع السجون، حيث الكلب يبقى الصديق الأوفى، حين يغدر الإنسان، أو يظلم.. لكن هنا اللغة الشاعريّة/ الصوفيّة هي التي تميّز الكاتب، هذه التي تغدو في مقاطع كثيرة متغزَّلاً بها كأنّها المحبوبة، مُستعاناً ببديعها وبلاغتها، لتنقذ شخصيّاته من واقع الرواية أو رواية الواقع الأليم الذي أُلقيت إليه.. وما بدايته بقول للنفري: »إذا ضاقت بك الدنيا، فسرَّ..»، إلاّ ولع بالمتصوّفة ولغتهم وتمرّدهم، وحتّى جنونهم المنشود، واستعادة لحكمتهم التي تقول: إذا ضاقت على المرء انفرجت.. أو التبشير الدينيّ المُفائل: »إنّ مع العسر يسراً».. الحافة عبد الجليل الغزّال هو الشخص الوحيد الذي يفلت بالمصادفة من قصف سجن صحراويّ دُمِّر نهائيّاً، وفي ما بعد يكتشف أنّ هناك كائناً آخر حيّاً وهو كلب السجّان، الذي يغدو كلب السجين، كما يغدو أليفه وأنيسه في وحشته وحدته في تلك الصحراء المترامية الأطراف، التي تمتدّ أمامه بجلالها العدميّ (ص9)، وتختلط عنده الجهات التي تُمحى لحظتها، أو تصاب هي أيضاً مثله ببلاء التيه.. رجل أصابته لعنة العرج في السجن بعدما طعنه السجّان طعنة غادرة في عموده الفقريّ نهشت عظامه وشلّت رجله اليسرى تماماً، ألقت به فريسة للعرج والموت البطيء غير الرحيم في جحيم السجن اللانهائيّ، ذلك لأنّه أبى أن يتناوب على هتك زوجة أحد المساجين أمامه. تبقى ذكريات السجن تلاحقه، يتذكّر انتقاله من سجن إلى آخر، ومبادلة السجناء على الحدود بين الدول، وكأنّ تلك الأنظمة، رغم خلافاتها المزمنة في كلّ شيء وعلى كلّ شيء، إلاّ أنّها تتّفق في ما بينها على ما يضمن لها ديمومتها ويحافظ على مكتسباتها، ويستأصل شأفة التمرّد في أرواح مواطنيها، لتبقى متحكّمة تسطو بالقوّة، تبطش من دون احتساب، تقهر الكلّ ولا أحد ينهرها، أو يتجرّأ على ذلك، وحين تنهار يسرع مَن كانوا أبواقها على هجائها، حيث يكون للطغاة الجناة، كما يقول جبران، السجن والموت للجانين إن صغروا/ والفخر والمجد والإثراء إن كبروا.. يجد الغزّال نفسه حرّاً، وحيداً، أكثر ممّا ينبغي، معدوم الخيارات، أو مخيَّراً، من دون أن يخيّره أحد، بين البقاء ميتاً، أو المشي ميتاً، فيختار المشي نحو اللا جهة، كونه افتقد بوصلة النجاة، وبقي هدفه أن يتحدّى الموت بالتذكّر، يتصدّى للآلام المبرّحة، بالذكريات التي لا تقل تبريحاً وتأذية عمّا يعانيه من ظلم لا يزايله.. يعود إلى داخل السجن بعدما أصبح خارجه، يعيد بناء السجن في خياله، بعدما انهار وتهدَّم جرّاء القصف والدمار الذي استهدفه، من دون أن يشرح سبب ذلك، لا مَن استهدفه، ولا لماذا تمّ ذلك. قد تكون الإجابة في أجزاء قادمة! السجن يرتحل معه في داخله، ينسجن بعتمته وكآبته ومأسويّته، يصبح سجين حكايا المساجين والسجناء على السواء، هؤلاء الذين تساووا عنده بعد موتهم جميعاً، ومن ذلك ما شعر به نحو جلاّده من شفقة وتسامحٍ، عندما وجده ضحيّة، يتيماً، هشّاً، فاقداً جبروته وطغيانه. يسرد ما يسرده وهو على حافّة النسيان، التي هي شبيهة إلى حدّ ما بالهاوية، أو لربّما هي ذلك تماماً، أو هي الموت أو الانهيار أو الضياع، لذلك وقبل السقوط، أو استنفاد فرص النجاة، لا بدّ من إنهاء سرد المآسي التي حلّت، وتذكّرها قبل أن تتوه عنه، أو يتوه عنها، وقبل أن تنتكس ذاكرته التي قد يطالها النسيان ويقصفها، فتكون عرضة للنهب تذروها رياح الحافّة، التي تدلّ على قعر دون قرار، فنقرأه، ونستمع إليه، ثمّ نتذكّر معه، وهو يثبت تلك القصص ـ الغصص، منها، قصّة مصطفى شبلي، الملحد الذي تحوّل إلى ناسك، وبلال الدمشقيّ، والغول، والحِميماتيّ، وغيرها كثير، لتكون وثائق إدانة أمام محكمة الضمير، أو التاريخ، ليعرِّف الجميع بما يجري في سجون الأوطان، وفي الأوطان التي غدت بهمّة حكّامها سجوناً، تحيل إلى العدم، وتلقي بنزلائها إلى النسيان ليبقوا نهشاً للعتمة والعراء، وتحاول أن تمحو كلّ أثر قد يدلّ عليهم. حيث التأرجح بين التذكّر والنسيان، فالنسيان وعر ومؤلم، يسدل الستارة على ما جرى، يمحوه، والتذكّر أيضاً لا يخلو ممّا يوصف به نقيضه، ومن هنا فالكاتب يسير على حوافّ وعرة ومسنّنة، يتّقي شرّ النسيان بالوقوف على حافّته، متماسّاً معه غير منساق له.. للأسى بقية كما تظهر شخصيّاته في جوانب منها، كأنّها امتدادات، من زاوية محدّدة، لسابقاتٍ لها في رواياته السابقة، فحسن آدم أستاذ الكيمياء الذي يولَع بربّة المريول الكحليّ ليلى، في »رواية الطيّون«، هو أحد أوجه دياب الغنّام في »خربة النواح« و»معبر الندم«، أو علي دياب الغنّام الذي يتوارث الاسم والتشرّد والتصعلك والشعر، يتناوبه مع أجيال تسبقه، وكلّ شخصيّة تتوقعن من خلال التطابق مع حالات كثيرة مشابهة في الواقع الذي يخلف الكثير من الأسى، بين خربة النواح ومعبر الندم وحافّة النسيان، وكلّها تسلك معابر الألم. إذ أنّ الانتقال من فصل إلى آخر، أو من حكاية إلى أخرى، كأنّه نوع من الضلوع فيما يشبه المؤامرة الأدبيّة. هناك دائماً راوٍ هو ظلٌّ للروائيّ، يحلّ محلّه أحياناً لكنّه لا يلبث أن يعيد إليه مكانته، ويعيده إلى الواجهة، ليوجّهه وفق السمت الذي يرتئيه له. يستخدم أحمد الزين عبر شخصيّاته الروائيّة ما في جعبته من أسلحة، فالتهكّم خير سلاح وأمضى سلاحٍ في آنٍ، ضدّ الاستبداد والإذلال الذي يتعرّض له عبد الجليل ومن معه، أو من يذكرهم. كما أنّه يطعّم روايته بكثير من المواويل التي تغني الرواية، حيث يستعين بمخزونه البلديّ منها، ويجيّر لكلّ شخصيّة ما يناسبها، ومن ذلك ما كان يردّده سائق الشاحنة التي حملته في يومٍ ما: »لامشي لكم بالليل يا عنيّد/ يا يابا/ هيّا على هيّا/ وإن تعبت الرجلين يا عنيّد/ يا يابا/ لامشي ع. أيديّا..«(ص12). وكذلك ما يذكره على لسان الجدّة الأرمنيّة التي تقدَّم بصورة نمطيّة، أي صورة الضحيّة اللائذة إلى حِمى أحدهم، والمنقّذة لتصبح في ما بعد الزوجة، ومن مواويلها الفراقيّة: »في وجع بقلبي في حزن من سنين.. مين سرقك من حضني يا ضنى مين..«(ص47). ينهي البطل المقهور شجونه، والعَبرة والحسرة لا تفارقان كلماته، حيث للأسى بقيّة، تنتهي بدايتها مع ما يبدأ به رحلته نحو التيه، عندما يقول مختتماً: »وزاولت عرجي..«.. يبقي معها المرارة في الأفئدة، يحرّك الركود الذي يستنقع ولا يجد من سيبحث له عن حلٍّ ما. ولا يحدّد لها نهاية، لأنّها ما تزال تعاش ويُعانَى منها كثيراً. فإلى أين يقوده التذكّر أو النسيان..؟! هذا ما سنقرأه في الجزأين القادمين من ثلاثيّة الزين.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة