لم اكن بلغت السادسة عشر من العمر حينما علّمني شقيق يكبرني عدة سنوات درسا في اصول الحوار لا ازال اذكره جيدا بالرغم من مرور اكثر من نصف قرن. كان شقيقي مسؤولاً كبيراً في احد الاحزاب العقائدية مولجا بمهام الثقافة والاعلام. ونشب بينه وبين زعيم الحزب خلاف حاد حول قضايا فكرية وفلسفية وثقافية ومفاهيم في الفرد والمجتمع وفي الحرية وفي الانسان والجماعة. وترك شقيقي الحزب. وقامت حملة عاتية عليه في صحف الحزب ومنشوراته، شارك فيها، الى جانب قيادات الحزب جمع من العناصر التي لم تعتد الكتابة الموضوعية ولم تكن مؤهلة لخوض مواضيع أعلى من مستواها الفكري واعقد من ادراكها بثقافتها المحدودة جداً. وكان بعض هؤلاء من المراهقين ومن طلبة الصفوف الابتدائية، واذكر ان احد المشاركين في الردح كان سائق تاكسي شبه أميّ، ذكر في مقاله الطويل فلاسفة كبارا امثال بردياييف وكير كيغارد من اساطين الفكر الوجودي ممن كانت الغالبية الساحقة من المثقفين العرب، ولا تزال، تجهل حتى اسماءهم! وجد بعض اعضاء الحزب فرصة لظهور اسمائهم في الصحف بتذييل مقالات يصعب فهمها، وتوجه انتقادات الى المفكر الاول في الحزب في ذلك الحين ورئيس تحرير جريدته اليومية وثلاث من صحفه ونشراته الدورية. فهي فرصة نادرة لمبتدئ لان يذيع اسمه بين اقرانه عبر مناطحة قيّم الثقافة والفكر في الحزب!. لم يجب شقيقي على الحملة التي استمرت عدة اشهر، واكتفى بكتاب نشره وبمؤتمر صحافي اوضح فيه موقفه من القضايا الفكرية المثارة. فآثار هدوءه استغرابي. وسألته لماذا لا يرد على اولئك المنتقدين. فأجابني بشرح مطول في اصول النقاش بين اهل الثقافة والعقائد. اولها واهمها ان يكون المحاوران (او المحاورون) على مستوى واحد، او مستويين متقاربين على الاقل، من الفهم والادراك ومعرفة موضوع النقاش، ومن الاخلاص والشفافية والصدق في مقاربتهم للموضوع، ومن الالتزام بالاسلوب العلمي والتحلي بالشروط الموضوعية الضرورية في عمليتي ابدأ الرأي والرد على الرأي الآخر. واذكر انه كان يكرر في شرحة الطويل لي كاستاذ يحاضر بين طلابه (وكان هو استاذاً للفلسفة وكنت طالبا ثانويا) بأن الحوار من طرف واحد ليس حواراً، وان تمسك المرء بتقاليد النقاش والتزامه بأخلاقه من دون ان يفعل ذلك الطرف الآخر يفقد الحوار صفته الاساسية ويحوله الى ثرثرة او مهاترة تضيع وقت القارئ سدى. وعلى المحاور الامين لثقافته ان لا يسمح بأن يتحول الحوار الى سلّم يعتليه آخرون نحو الشهرة او فرصة يستغلونها لنشر افكار خارجة عن دائرة النقاش ولا علاقة لها بالموضوع الاساسي، ان امتناع صاحب الرأي عن دخول معمعة الردح لا يخدم المسألة المثيرة للنقاش فحسب بل يخدم العملية الثقافية بأكملها اذ هو يصون اصالة قنوات النقاش ويحمي براءة منابره. في العام 1948 نشرت اول مقالة لي في صحيفة عامة (جريدة كل شيء البيروتية). ومنذ ذلك الحين وأنا احرص على التقيد بالدرس الذي لقنني اياه شقيقي (المرحوم فايز صايغ). ولكن بقدر ما اعتمد تجنب الحوارات الفاشلة (انصاف الحوارات واشباهها)، احرص على اتاحة المجال وعلى السعي وراء سماع الرأي الآخر بل وطلبه والحث عليه. فمثلا، تضمنت الاعداد الاولى من كل من المجلات الثقافية الاربع التي كان لي شرف انشائها وتحريرها ما بين 1971 و1983 مقالات وبحوثا في مواضيع خلافية عهدت بكتابتها الى باحثين لا يشاطروني رأيي فيها. قصدت من ذلك، الى جانب تنمية روح الجدل العلمي والاعتراف بالرأي الآخر، تعويد كتّاب المجلة على تقبّل نقد الآخرين لهم. ثم حين اصدرت المجلدات الاربعة الاولى من الموسوعة الفلسطينية، وفوجئت بحملة قاسية جدا يشنها عالِم كبير عبر فيها عن نقده في كتاب مستقل طبعه عدة طبعات ووزعه في عشرات الآلاف من النسخ وفي سلسلة من المقالات والمقابلات، استبدلت اسلوب الرد على العالِم المنتقد بتسجيل ملاحظاته ودرسها مليا واخذ ما كان مصيبا منها بعين الاعتبار والافادة منه في الطبعة التالية من الموسوعة. واردفت ذلك بأن طلبت من الناقد ان يتولى »فحص« وتقويم القسم الثاني من الموسوعة قبيل نشره لنستفيد من ملاحظاته قبل انجاز العمل وتوزيعه. اذن ليست المسألة قبولا او رفضا مسبقا تجاه وجهة نظر بمقال يكتبه المرء. هناك ما هو اكثر من القبول والتقبل. هناك طلب له وإلحاح عليه. فنحن لا نكتب في مواضيع احادية الرأي. ولا نعالج موضوعات في الكيمياء والفيزياء والرياضيات لا تحمل تعددية واختلافا في التفكير والمقاربة. اننا نتطرق الى مسائل حية وحيوية لكل منها اكثر من صيغة للعرض او للفهم او للاستنتاج. وكل منها يقرأ قراءات مختلفة بل ومتناقضة احيانا. من هنا فإن اي رأي نعرضه في مقالاتنا لا يكمل إلا بما يتلقاه من ملاحظات وتعليقات، سلبية كانت او ايجابية. من هنا اعترف اني كثيرا ما استمتع واستفيد افادة كبيرة من مطالعة ردود على مقالاتي الدورية في »السفير«. واعترف اني اشعر بشيء من خيبة الامل حينما يمر يوم او اثنان على نشر مقال ولا اتلقى عشرات الملاحظات والتعليقات من عشرات القراء الذين يتابعون مقالاتي. واعترف ايضا بسعادتي واعتزازي الكبيرين بوجود خمس حلقات فكرية (وربما اكثر) في بعض المدن (حيفا ودمشق وامستردام وبروكسل وسان فرنسيسكو وربما في غيرها ايضا) يتولى افرادها مناقشة مقالي الاسبوعي والتعليق عليه. غير انه ليس كل رد هو بالفعل فتح لحوار او تمهيد له. هناك ردود تفقد تلك الصفة العلمية لمدخل الحوار. أنا ارفض ان يكون قلمي فرصة لبناء سلّم يرتقيه بعضهم للشهرة او للظهور (اذا كانوا من الراكضين وراء اثبات الوجود او الباحثين عن موقع) او للتعويض عن فشل وللتخلص من خيبة أمل. وارفض ان تكون مقالاتي جسرا يحاول البعض ان يعبروا عليه لمواجهة خصم لا علاقة لي ولا لمقالاتي به ولا بالخصومة التي بينهم. كما استغرب ان يفترض بعضهم فيّ عالِما نفسانياً لاحلل امراضهم وأوهامهم ولاحاول معالجتهم وابراءهم. ان الساحة الفلسطينية في لبنان ملأى بالانقسامات وبالخصومات، وليس لي بمعظمها علاقة حتى يحق للمتخاصمين اقحامي بها. هناك خصومات بين اجنحة الفصيل الواحد. وبين فصائل الحلف او التجمع الواحد. وبين الفصائل على جانبي الموالاة والمعارضة. وبين بعض الفصائل وبعض المستقلين. وبين العديد من المستقلين. وبين الهيئات المدنية وبين الفصائل وبعض المستقلين. وبين العديد من الهيئات المدنية، يكاد عدد هذه الخصومات (السليمة او الملغومة، والصحية او المرضية، والطبيعية او المفتعلة، والرياضية او الملتوية) يوازي عدد الفلسطينيين في لبنان (!!!)، لست مسؤولا عن هذا الوضع وان كنت احاول دوما ان اخفف من حدته وازيل بعض أسبابه واصوّب بعض مسالكه السيئة والمسيئة. وبالتالي فأنا ارفض اية محاولة للزج بي، من خلال تفسيرات ملتوية لما اكتب، في اي من هذه الصراعات الجانبية. صراعي وعدائي الوحيدان هما مع العدو الصهيوني، وخصومتي هي من كل عميل او متواطئ او متخاذل او متعاون مع هذا العدو. ولا يحدد المسافة بيني وبين اي فريق او فرد، فلسطيني او عربي، غير موقف ذلك الفريق او الفرد من العدو الصهيوني ومن الصراع معه. ارفض رفضا قاطعا ان يفرض عليّ ان اهاجم هذا الرأي او ذاك الموقف او هذا الانسان او ذاك الفريق لمجرد ان شخصا معينا نصب نفسه حكما وموجها ولبس قناع الناقد والناصح يريد ان يجرني الى معركته الجانبية الخاصة والفردية ضد رأي او موقف او انسان او فريق آخر. اعتبر ذلك محاولة ابتزاز رخيصة ومعيبة. وبالتالي فهي تخرج ما تزعم انه حوار من معناه الحقيقي وتحوّل الجدل الى مهاترة. ولست في مستوى المهاترات ولا من هواتها ولا من المؤمنين بها. ولا يتعدى ردي على هؤلاء الا ان اواصل تعقبي للصهيونيين ولعملائهم تاركا المعارك الجانبية لهواتها وللمستفيدين منها. انها معارك ثأر يحاول الفرد او الفريق الانتقام بواسطتها من اخصامه. والثأر مرض نفسي يتخذ أبعادا قانونية واجتماعية، ويتجسد في سلوك عصبي يخفي فشلا حقيقيا او عجزا قاهرا. الثأر ساحة قتال غريبة عني ولا علاقة لي بها، ومع هذا كان بعض الردود على مقالاتي التي ظهرت في الاشهر الماضية (وبالطبع أنا استثني النقاشات الهادفة والموضوعية والرصينة التي كتبها البعض فاستفدت منها واستمتعت بقراءتها، وكذلك جماهير القراء) يريد ان ينال من غيري بواسطتي وعبر مناقشة مقالاتي. وكان المأخذ عليّ، في معظم هذه الردود، اني لم اشارك في المعركة ضد رأي او فرد او فريق يعتبره الكاتب خصما له لسبب ما محق او غير محق. عليّ، مثلا، ان اهاجم هيئة مدنية ما لان حامل قلم (مثقفا او غير مثقف) غير راض عن تلك الهيئة. وحتى حينما كتبت عدة مرات انتقد بعض تصرفات تلك الهيئة لم يكن حامل القلم يكتفي بذلك، بل هو يريد ان اخوض حربه هو، حربه الصغيرة تلك المحشوة بالاغراض الفردية والوسائل والملتوية والارتباطات المريبة، فالامر اسود او ابيض ولا لون ثالث. اما أنا معه او ضده. وكأنه مدرسة فكرية او حركة سياسية او عقائدية او تيار فاعل وجارف، وينسى لانه مجرد حامل قلم. وهناك امثلة كثيرة. ينعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني ويعلن تمسكه بالميثاق الوطني. واؤيد فكرة عقد المؤتمر، واشارك فيه، وفي الوقت نفسه اسجل ما جرى فيه من اخطاء وتقصير وضعف. واعلن ملاحظاتي السلبية في مقالات وندوات ومحاضرات ومقابلات. لكن ذلك لا يكفي، يريدني اخصام المعارضة (اي الموالون صراحة او بالخفاء، مباشرة او غير مباشرة) ان اشتم المعارضة الفلسطينية، وان اساوي بينها وبين تلك الطغمة التي باعت الأرض والشعب وتنكرت للقضية والحقوق والنضال والشرف، وان احكم عليها من اول يوم بالفشل الذريع وان اساهم في قتلها. حتى اذا انتفض اعضاء في تنظيم على قيادتهم لانهم اعتبروا موقفا للقيادة خروجا على مبادئ التنظيم، كان يجب ان ازج في المعركة، ولم يكن يكفي ان اكون قد ساهمت في محاولات ضبط النفس ومنع تطور الخلاف والحيلولة دون استفحال الصدامات الفعلية وإراقة الدماء. وحتى الصراعات الدموية بين رجال العصابات والمافيات الفلسطينية هي ايضا تجد من يحاول ابتزاز قلمي للدخول في هذه الصراعات المشبوهة والتي تسقط عنها الشعارات العقائدية والاختلافات التنظيمية التي يحاولون التستر وراءها وتتحول الى حروب ازقة وتصفية حسابات ضيقة الرؤية ومصلحية. وكلما عنّ لجمع صغير من الشباب الفلسطيني ان يشكل هيئة اهلية ما كان عليّ ان امهد لهم الطريق وادافع عنهم واقاتل من اجلهم، دون ان يخطر لهم، او لمن يقف وراءهم (والذين يقفون وراءهم عادة هم الاساس) ان عليهم اولا ان يقنعوا الناس بمصداقيتهم واهليتهم وان يعلنوا اولا برامجهم وخططهم وان يكسبوا ثقة الجماهير ورضاها قبل ان يحاولوا فرض خوة على اصحاب الاقلام واستمالتهم بطرق ملتوية. انها عقد نفسية يعاني منها بعض المثقفين وانصاف المثقفين. ومن حق الانسان، حتى المريض نفسياً، ان يكون له رأيه الخاص. ومن حقه ان ينشره ويدافع عنه وينتقد من لا يقبل به. لكن ليس من حقه ان يتعامل وكأن رأيه هو الوحيد في الساحة، وان من حقه (وبامكانه) ان يفرضه على الآخرين فرضا، وخاصة اذا كان الآخرون لهم منابرهم ولهم قراؤهم ولهم جماهيرهم التي تثق بهم. وهكذا يفقد الحوار من هذا النوع صفته الاساسية ويتحول الى حوار للطرشان. ويتدنى ليصبح ابتزازاً لخوض معارك الزعران. ولا فرحة تعلو فرحة الصغير الذي يتوهم انه يناطح من هو اكبر منه إلا فرحة الوهم بأنه نال ممن هو اكبر منه وانتصر عليه. من هنا استنكفنا، وسنواصل استنكافنا عن الرد المباشر على بعض الردود. خاصة واننا نعلم (مثلما يعلم غيرنا) ان التهجم له ثمن مجز في حالات كثيرة: تسهيل عملية الصعود الى الشهرة، او اتاحة المنابر وفرص النجاح، او المنح الدراسية، او اصحاب الدكاكين ممن لهم حق التوقيع على دفاتر التشكات. او ليس رضى السلطان الاصيل في قصر الرئاسة في غزة (او عبر السلطان الصغير في بعض المخيمات) هو الانجاز الاعظم عند بعض اهلنا؟ تروي اسطورة بوذية يتوارث حكايتها الهنود جيلا بعد جيل ان كاهنا منشقا اغواه الشيطان حمل حجارة وراح يقذف بها تمثالا ضخما لبوذا في احدى الساحات. ولما اعياه التعب دون جدوى خارت قواه فرمى بنفسه على الأرض بجوار التمثال يحاول ان يستظل فيتقي حر الشمس اللاذعة. واستسلم للنوم، وصدف ان مر بالمكان راهب مخلص لبوذا. وهاله ان يرى الخدوش البسيطة على جوانب التمثال بينما ينام مقترفها آمنا ومرتاحا في ظل بوذا. فخاطب التمثال متسائلا ومستغربا: كيف تسمح يا سيدي بأن تعطي ظلك لناكر الجميل هذا؟ فتحرك التمثال، وتمتمت شفتا بوذا بهذه الكلمات: اننا آويناه وحميناه وتجاهلنا اساءته لاننا نعرف طبيعة البشر المريضة والضعيفة، متى ثاب الرجل الى رشده وادرك الخديعة التي اوقعه بها دعاة السوء وصحا من غفوته عرف الفرق بين الصغير والكبير وبين الوكيل والاصيل. وعرف ان بامكان الشمس ان تحرقه وتقهره وان لا ملاذ منها الا في ظل الحقيقة. لقد ارهقه رمي الحصى لكنها لم تنل من الحقيقة. أنيس صايغ