عندما دعيت بالتلفون الى المؤتمر لم اتميز، كالعادة، اسم المتكلم. سمعته على هواي وكالعادة ايضا ركبت له معادلاً سريعاً، شاعراً شاباً. فيما بعد تنبهت وأنا اراجع سمعي الى انه كان محمد المليحي الرسام المغربي المعروف وهو شاب تجاوز سن الشباب.الدعوة كانت غريبة، انها الى مؤتمر للطريقة الشاذلية. أنا الذي لا يعرف شيئا عن الطريقة الشاذلية ولا يملك استعداداً صوفياً. قلت هذا للمليحي الذي هون الامر قائلا انني مدعو كصحافي. كان عليّ اذن ان اتلصص على عالم لا اعرفه. انظر فقط وأراقب. لست مطالبا بأكثر من ان اختفي واسمع. ثم ان اللقاء في »طنجة« مدينة بوروز وجينيه وويليامز وشكري، انك لا تستطيع ان تكرر طنجة من وراء هؤلاء. هنا ايضا لن تحتاج الى ان تفكر. ستحاول فقط ان تنجو من الاسطورة. ليس عليك ان تضيف سطرا لما تم اختباره. سيقال لك في »مقهى باريس« هنا كان يجلس جان جينيه، وهنا ايضا كان يجلس محمد شكري، لن تملأ الكرسي الذي شغلاه، لن تجده على كل حال. في المطار وجدت شربل داغر وتأخر أحمد الزين، نحن الثلاثة مدعوّو محمد المليحي الذي كان في الوقت ذاته يفتتح معرضه في طنجة. ليس المليحي من أهل الطريق او الجذب. جمعته قرابة بمتولي المؤتمر فحسب. في مطار كازابلانكا التقينا بحسونة المصباحي الذي جاء لندوة عن محمد شكري، لم نبتعد عن طنجة المألوفة التي قرأناها قبل ان نعرفها. في الوقت ذاته كان صادق جلال العظم يحاضر في لقاء امازيغي في تظاهرة توجت بوسام ملكي لمارسيل خليفة الذي احيا أمسية فيها. لا اعرف اذا كانت هذه هي طنجة دائماً، لكن هذا المسار من الشاذلية الى الامازيغية مروراً بمحمد رشدي راوية طنجة الكوسموبوليتية ومارسيل خليفة الآتي من المشرق، قد يحمل هذا المسار عناوين كبرى في مغرب اليوم: التقاليد والتعدد والكوسموبوليتية والتطلع الى المشرق.قد يكون طبيعياً ان نبدأ من الفندق، انه احد ديون الرحلة. فندق المنزه الذي نزلت فيه ريتا هايوارث وروك هدسن هو، كما يقول صاحبه العراقي هدية حب كتاج محل. لقد بناه لورد انكليزي لحبيبته التي لم تطق البقاء ففرت واعيدت وفرت من جديد. لم يقدم اللورد لحبيبته قصراً ولا ضريحاً لقد قدم فندقاً، لكن الفندق مع ذلك تحفة، لا تخطو فيه متراً الا وتجد فيه لقية ما. انها فضاءات متنوعة في الاروقة والصالونات والباسيو والحديقة. فضاءات ولكل منها فنه. تقليد عريق لكن مع لمسة راهنة، ما يشبه ان يكون ترتيبا حاضراً لعناصر كلها ذات عمر. الرواق المزين، بابتكار، بحصر صنعت لاجله. بقطع سجاد. بتلبيس خشبي. الباسيو وسط نمنمة الغرف المعلقة المحيطة. الانس الصباحي المديد بعد الافطار، السخاء الحقيقي والتلبية والطعام المتفنن، الغرف نفسها التي هي ايضا تحف صغيرة من زخرفة وفن خشبي. هناك ايضا الخصوصية والظل فالبوابة العادية وسط سلسلة تمتد على طول السور تنفتح على كل هذا الداخل المتحفي. انه فندق لكنه ايضا مدخل الى المغرب اذ انه سيكون اول السبيل الى تلك الحفاوة المغربية. الى الضيافة التي هي طبع بقدر ما هي تقليد. انه ليس السخاء وحده بل التفنن والعناية اللتان نحسب معهما ان المائدة هي ايضا رسالة يد وقلب. في كل مكان بلغناه كانت الاوقات الطويلة التي امضيناها على المائدة لا تغدو مع الكثرة عامة او مبتذلة، سرعان ما تدخل في انس متطاول وفي خصوصية وتتحول الى ما يشبه المنادمة والسمر ولو انها، للمناسبة شبه الدينية، بلا خمر.دعوة واسعة ومركبة ومتعددة المعايير كالمناسبة نفسها. فالمناسبة تخص طريقة او شيعة او طائفة »الشاذلية«، لكنها ليست البتة اجتماعا طائفيا مع انها في الظاهر تحفظ التقاليد كلها. انها تتم برعاية ملكية والرعاية الملكية في المغرب ليست بدون حساب وليست مجرد اتيكيت. انها في صلب الحدث وتعني في الاقل ان الحدث على مستوى الدولة، كما تعني ولاء موجها ظهر في كل وقائع المنتدى الذي دار امام صورتين كبيرتين للحسن الثاني ومحمد السادس ولم تخل كلمة فيه من تقديم الولاء لجلالته امير المؤمنين أيده الله او حفظه الله. فالمؤتمر او المنتدى الشاذلي هو ايضا تجديد بيعة للملك امير المؤمنين. هذه الصفة التي يسمح باغفالها اختصارا جرى التشديد عليها هنا فهي تجعل من الملك قبلة روحية للطريقة والمؤتمرين. فضلا عن الولاء للملكية ثمة ولاء مقابل لسلالة اخرى هي سلالة مولاي عبد السلام المشيش مؤسس الشاذلية التي لم تحمل اسمه بل اسم تلميذه »الأوحد« ابو الحسن الشاذلي. فالمناسبة هي ايضا برئاسة عبد الهادي بركة نقيب الاشراف »العلميين« نسبة الى جبل العلم الذي اعتزل فيه ودفن مؤسس الطريقة فيه، اي انه نقيب المتحدرين من المؤسس الذي عاش في القرن السابع الهجري (الثالث عشى الميلادي). السلالة البيولوجية تتحول الى سلالة روحية وبيت المؤسس يتحول الى رئاسة دائمة لطريقته. لم يحضر احفاد المشيش في المغرب فحسب وانما دعي ايضا الى اللقاء احفاده في غيره ومنهم آل العلمي في فلسطين وهم عائلة تاريخية في القدس. هكذا وجدنا عبد الهادي بركة وابنه نبيل بالطربوش والقفطان المغربيين ومعهم الشيخ أحمد العبادي الذي قابلناه مع نبيل بركة عشية الافتتاح، وكلاهما كان يرتدي طقما وفارقنا الشيخ العبادي بعبارة A tout a l?heure، كان الشريفان بركة على رأس الاحتفال بحكم رابطة الدم والتسلسل الوراثي. قرأ عبد الهادي بركة في الافتتاح من ورقة مكتوبة وتعثر في تهجئة الكلمات الى حد كاريكاتوري، فيما قرأت زوجة أبيه لدى زيارة بيت العائلة في تطوان التي تصغره سنا بسلاسة وحسن منطق. لم يتكلم نبيل اما متكلم الاحتفال فكان بدون شك الشيخ العبادي فقد اوكل إليه ان يُعرف ويقدم ويعقب ولم يخف ان الرجل الاربعيني هو قائد المؤتمر الفعلي وعقله ولسانه، كان الشيخ العبادي يتكلم عربية خاصة بالاحتفال بقدر ما هي خاصة بالطريقة وبالمغرب. يزاوج بين ديباجات اصطلاحية وفخمة واثرية وبين لغة ضبابية براقة، فكانت ألفاظ الماجد والفاضل تتقاطع مع قاموس من ألفاظ »روحانية، نورانية، عطرة، قدسية، مباركة«. أمّن حضور مفتي الجمهورية المصرية تغطية سنية عامة ووضع المناسبة في اطار رسمي فهي لا تنخرط فقط في دين الدولة بل وفي دين الجماعة ايضا، لان الشيخ علي جمعة ملء دوره، فحيث كان الشيخ العبادي يزاوج بين لغة اثرية ولغة ضبابية ولا يستطيع ان يلامس اللحظة بدا الشيخ جمعة راهنا اكثر بكثير وطابقت لغته السلسة شبه الصحافية وتفننه شبه المسرحي حال الجمهور وتطلباته، وفي خطبتين طويلتين بدا الشيخ واثقا من ملكاته قادرا على التنقل بحرية وحرفة بين الموجات والوتائر والمستويات لا بد انه كان اقرب الى الجمهور من اللغة الشعائرية الغامضة لزميله العبادي. لكن ما بين الشيخ العبادي والشيخ جمعة هو ما بين الطريقة والسنة، الطريقة لا تملك ان تخرج من شعائريتها فيما السنة اقدر على ذلك.من هذه الناحية نبدو في صميم التقليد، لكن هذا ليس كل شيء ففي الخليط العالمي من المدعوين مزيج من اكاديميين ومستعربين ومهووسين دينيا ومهتدين جدد للإسلام واصدقاء للعائلة الشريفة العلمية واقارب بعيدين. جان ميشال الشاب الوسيم المهتدي الى الاسلام والذي رصّع كلمته الفرنسية التي قالها في الباص الذي يحملنا الى جبل العلم بكلمة »شكراً«. »ميشون« المستشرق السويسري المهتدي الى الاسلام والذي ترجم القرآن لنفسه اولا ونشر ترجمته على موقع للانترنت وحين سألته متى ينشرها في كتاب قال انه لا يزال ينقح في هوامشها ويستزيد منها. الرجل السبعيني الذي يرتدي ثوبا دراويشيا والذي سبق الى تناول اللحم بأصابعه من الطبق المشترك، كان هادئا ومناظرا سلساً، في دفاعه عن الحجاب في وجه فرنسي جلس معنا الى المائدة، وحين سألته عن ترجمة جاك بيرك للقرآن قال انها غير نافعة وانها عبارة عن كاريكاتور ادبي وزادها تنقيحها غموضا وتمحلا. ميشون الذي اسلم في مطلع شبابه ممارس منذ ذلك الحين صلاة وصوما. كان هناك اندونيسيون في جبة دينية، افارقه وايطاليون وأسبان، لكن لا تفهم ما هي صلة استاذ الفن والديبلوماسي المخرج السينمائي والصحافي والمذيع التلفزيوني والمنشط الثقافي بالمسألة كلها. ثم اننا ازاء لغة العبادي الاثرية لا نسمع سوى الفرنسية من أفواه العرب انفسهم، فالمغاربة والتوانسة المدعوون الى المؤتمر هم غالبا من نخبة فرنكفونية تؤثر الكلام بالفرنسية المطعمة بعبارات عربية.اسلام المتصوفةما من صلة بالطبع بين معرض محمد المليحي ومؤتمر الشاذلية الا في مخيلة من جاءته الدعوة الى المؤتمر الصوفي بصوت المليحي. اذا كان هناك من مفارقة بين التظاهرتين فإن التعارض ليس بينهما الا في الظاهر. يستحق معرض المليحي مقالة مفردة، بيد أن الانتقال من معرضه الايروتيكي الذي عمرت لوحاته بالنهود والارداف والمؤتمر الصوفي لا يتم في حال من الغربة او الوحشة. ما التمسناه في الواقع من المؤتمر الصوفي هو الفن، لم يكن التبشير بغيتنا، لكن التعبير بالموسيقى والرقص والغناء والرمز. قصر مولاي حفيظ كان بسقوفه المزخرفة بألوان حارة وجدرانه المزخرفة بألوان باردة، ومقرنصاته وفواصله المنقوشة وفنائه المستطيل المخضرضر مثلا للعمارة المغربية، واحداً من التجليات البعيدة لـ»حمراء« الاندلس. عبرنا الى القصر من زنقة »زقاق مسدود« شكيب ارسلان. لا بد ان اسم شكيب ارسلان في زنقة في طنجة المغربية، وهو المفكر والداعية الاسلامي اللبناني، يدل الى استمرار »الاسلام« الطوعي في الحياة المغربية. الحضور كان ايضا دليلا آخر، الجلباب المغربي والطربوش المغربي ومسحة الدراويش كانا على أفراد يتغتغون بلا حرج بالفرنسية، الدروشة هي ايضا موضة. كان واضحا ان المؤتمر الشاذلي يتسع ليكون تظاهرة صوفية بل واسلامية بل وتقليدا مغربيا، ويضيق ليغدو احياء لذكرى مؤسس الشاذلية مولاي عبد السلام مشيش. لم تحمل الطريقة اسم مؤسسها، وفي هذا المؤتمر برئاسة احفاده وورثته الروحيين والبيولوجيين هو نوع من اعادة اعتبار للرجل الذي تقول اسطورته انه كان رجلا اوحد متوحدا في جبل العلم بتلميذ واحد هو ابو الحسن الشاذلي. هذه »الاوحدية« هي كما تقول الاسطورة كانت بغية المشيش وشارته ودعاؤه الذي استجيب فبقي وحيداً حتى بعد وفاته وذهب اسم الطريقة الى تلميذه الوحيد. ما كان استجابة لدعاء الشيخ، اي بقاءه على تواريه واعتزاله، بدا لمريديه غبنا ارادوا تعويضه. رغم انتساب الطريقة بالاسم الى الشاذلي الا ان المؤتمرين ركبوا من الشيخ وتلميذه اسما غدا المشيشية الشاذلية، ثم ان الاسم في المؤتمر كان غالبا اسم المشيش والزيارة الى قبر المشيش والاحتفال برعاية احفاده وفي دورهم احيانا. لا تقف اسطورة الشيخ عند هذه الاوحدية اذ ان لها مقلبا آخر معارضا، فالشيخ المتوحد لم يبق على توحده حين اقتضت منه الظروف ان يخرج لمناوأة ابن ابي الطواجن »الساحر المتنبئ«. لقد خرج دفاعا عن الدين وسفك دمه في هذا الدفاع فمات شهيداً ومجاهداً. ابن خلدون في تاريخه سمي ابن ابي الطواجن ساحراً ومتنبئا. لكن السحر والتنبؤ كانا غالبا وصمة ضد المحتجين والمعارضين، فضلا عن كونهما واضحي الاختراع والتشهير. مؤرخ كان بين الحضور قال ان رواية ابن خلدون لا تقوم ولا يكفي ان تكون في تاريخه، فتاريخ ابن خلدون، كما هو معروف غير »مقدمته« المشهورة. تاريخه عام جمّاع بدون تمحيص او نقد، ورواية عن ابن ابي الطواجن من هذا القبيل. يقول المؤرخ ان ابن ابي الطواجن كان فقط قائدا عسكريا في خدمة سيده الخليفة المأمون الموحدي الذي استعان بملك قشتالة الاسباني لاستعادة ملكه وقدر على ذلك باثني عشر ألف جندي نصراني، ولا بد ان مولاي المشيش ثار ضد دخول الجيش النصراني الى دار الاسلام فلقي مصرعه على يد قائد المأمون.كان »الافتتاح« جامعا لمداخل شتى. عبد الهادي بركة كان مدخله العائلة فالقطب الاكبر جده، لذا، في الكلمة التي قرأها بصعوبة، عاد الى والده المرحوم واخيه المرحوم الذي سبقه الى نقابة الاشراق. رصع الحديث العائلي بعبارات استعصت عليه: هوامش الوجود، جسر الى الواقع. كان لا بد للمفتي المصري ان يضع المسألة في نصاب آخر هو الاسلام الرسمي، اسلام الدولة واسلام الازهر، ليس هذا الاسلام محايدا او متحفظا. انه في معركة ضد السلفية والارهاب الاصولي، لذا يبادر الشيخ علي جمعة الى الهجوم ضد من يأخذون الدين بالحرف ولا يدركون مراميه، فالاسلام لما كما يدل اسمه دين السلام سلام. »اقبل الآخر، اقبل التعددية، لا تتدخل في شؤون الخالق«. كان خطاب الشيخ جمعة بكل تفننه الازهري وتجويده خطاب تحريض وتبشير باسلام سلمي يتعايش مع السلطة والعصر والآخر الديني او السياسي. لم يكن هذا خطاب الشيخ جمعة الوحيد. في زيارتنا الى دار والد الشيخ عبد الهادي بركة خطب مجددا وأطال الخطبة اذ لا يخفي ان الذين دعوه اقاموا منه معلما وشارحا، وتوسلوا حضوره ورعايته ردا للتصوف الى السنة. ولم يكن التصوف رغم تسننه وتشيعه احيانا مطبوعاً بتسننه او تشيعه، فالتصوف هو التصوف اولا وهو الباطن والجذب والحب الالهي وليس لتسنن صاحبه وتشيعه دخل كبير في هذا ولا يعدل به صاحبه عن اركان التصوف واوتاده. غالبا ما اشتبه السنة كما اشتبه الشيعة بالتصوف فالباطن لا يأمنه السلطان ولا تأمنه المؤسسة أيا كان السلطان وأيا كانت المؤسسة. كان واضحا ان رد التصوف الى السنة نهائيا مدخل الى ادماجه في السلطة واخراجه ما امكن من جوانيته وقلبيته المعلقتين اللتين لا يمكن رصدهما ولا الرقابة عليهما ولا حصرهما. لم يكثر الكلام عن الجذب والشطح ولم يرق الى الاتحاد الالهي. فالتصوف الذي كان موقع تبشير طوال المؤتمر كان على قدر السلطان عاقلا معتدلا محافظا لا يصل الى التأله ولا الى الفناء والذهول والاتحاد بالذات الالهية. لكنه مع ذلك كان تصوفا مبادرا وايجابيا وهجوميا احيانا، فالشيخ الذي حمدل وبسمل وصلى على الرسول وآله صلاة طويلة مسترسلة قبل ان ينتقل الى الحديث بالفرنسية »لغته الاصلية« هو الآخر تكلم عن التعددية والاعتراف بالآخر. لم يكف المتكلمون عن التبشير بدين يرجئ الحكم الى الله ولا يكفر ولا يدين ولا يقتل ويرهب ولا يعادي الآخر الديني او الثقافي ولا يخرج عن ولاية السلطة وطاعة اولي الأمر. انه دين مسالم ضد اسلام ثوري، دين كلي ضد اسلام جزئي، دين مرن ضد اسلام حرفي، دين دولة ضد اسلام عصابات، دين قابل للأديان والثقافات ضد اسلام مغلق وعدائي.في النهاية نفهم ان رعاية اميلي للمؤمنين للمؤتمر ليست شكلية، ان المؤتمر نفسه في بلد كالمغرب للطرق الصوفية ما لها من قوة وتاريخ، وللاصولية الارهابية والعنيفة خطرها. ان المؤتمر نفسه قد يكون معارضة جدية وفعالة لهذه الاصولية الناشئة بل قد يكون مواجهة لتنظيمها السري والتآمري بقوة اسلامية منظمة. فالبيان الأخير يعد بعمل مؤسسي، يعد بصحافة وجامعة وحلقات تبشيرية، أي لم شمل هذا الشتات الصوفي وتفعيله وتنظيمه. ثم ان الخصم لم يكن خافيا، انه دائما الاسلام التفكيري الانقلابي العدواني المسلح المتعصب.الموسيقى والمشرقكان المؤتمر الذي دام ثلاثة ايام بلياليها طويلة عامرة، والذي حشد من كل انحاء العالم متحدثين وحضورا. والذي توزع على حلقات تناقش الشاذلية في مكانها من التصوف، والتصوف في مكانه من الاسلام ومكانه من العالم، والذي حمل اسما لافتا »من جبل العلم« حيث اقام المشيش »الى العالم«. كان المؤتمر رغم ذلك كله تبشيريا وتعليميا، واكاد اقول تحريضيا. بعض الكلمات كانت حفرا في التاريخ وفي الفكرة وهذه كانت تصل احيانا الى لقى فعلية، لكن أكثرها كان خطابيا شارحا.على كل حال لم اعول كثيرا على الحلقات الدراسية فهذه، واعترف، لم تكن قبلتي ولا قبلة شربل داغر وأحمد الزين وكثيرين هنا. كان التصوف بالنسبة لنا سماعا »أي انشادا« وموسيقى ورقصا ايضا. الصوفية في حسابنا بفنها بل تكاد ان تكون لنا فنا فحسب.من سبق له ان سمع »أجواق« الموسيقى والموشحات الأندلسية وانشاد الملحون الراوي للملحمة الشعبية، وموسيقى الغناوة ذات الاصل الافريقي، من يتاح له ان يسلم بهذا الكنز الموسيقي المتنوع يجد فيه جزءاً من طابع المغرب الذي يكاد واحدا من البلاد العربية القليلة التي تشبه نفسها اولا والتي لها حقا طابع. ربما لهذا نبحث عن »المغربي« في التكرار البطيء الباقي لجمل الموشح الموسيقية. عن »المغربي« في الإنشاد السيال والرتيب للملحون، عن »المغربي« في صخب طبول الغناوة. نبحث عن المغربي ونقلق حين نجد ان الموسيقى خرجت من هذا الطابع ووجهة الخروج هي دائما المشرق، انها مصر بالدرجة الاولى ولكن هناك ايضا العراق وسوريا ولبنان. اذكر حفل غناء، كان الشبان الفرنكفون يصاحبون المديح البنوي لكني بعد فترة اصخت الى غناء يحاكي صباح فخري السوري فجفلت. لا لأني لا احب صباح فخري فحسب بل لأن هذا الخروج اقلقني. مع ذلك هناك ذلك الافتنان الذي لا راد له بالمشرق. الفرقة الاولى الصوفية التي سمعناها دخلت بالجلابيب المغربية وتحلق افرادها في نصف وربع دائرة. لم يكن افرادها يحملون اي آلة موسيقية وكان عليهم ان يصنعوا الموسيقى بأصواتهم وقد فعلوا. دخلوا فوراً في ما يشبه التحية، غنوا كجوقة كلاما فصيحا وكلاما عاميا وفي الغالب كلاما عاميا فصيحا. لم يكن ممكنا فهم اللهجة ولم يكن ممكنا في الانشاد الجماعي تميّز الكلمات فكنا في الواقع لا نسمع كلمات بقدر ما نسمع ايقاعا. كانت الموسيقى هي التي تتناسج الكلمات المطموسة وتسحبها في خيط واحد. وبالطبع كانت عبارات من نوع »الله مولانا« هي التي تتجسّم وسط هذا الحبل الايقاعي وكأنها مرجع الكلام ومواقفه. الله »مولانا الله مولانا« يدور الكلام ويلف ويتوقف هنا ويبدأ ويعيد منه. كانت هذه هي الشارة الصوفية التي لا تخطئ. من الطبيعي ان يكون غناء الصوفية غناء جوقة، فهذا وحده يجعل الغناء شبيها بحلقات الذكر. انه نوع من الدوران بالصوت. نوع من الاندماج والتصاعد والجذب والانشاد حتى التلاشي والغياب. من الطبيعي ان نطلب من الغناء الصوفي ما نطلبه من الرقص الصوفي، دورانا ينتظم الافراد ويغيّبهم ويشملهم في حركة وايقاع واحدين، يشملهم في الدورة، انه الصعود، انه الذوبان، انها الحركة التامة والشكل الكامل. لكن يبدأ صوت فردي يصعد، انه صوت جميل وجميل للغاية، لكنه غناء لا يتفرق كثيرا عن الغناء العادي. صحيح ان »الله مولانا« لا يزال يتكرر حتى في الغناء الفردي. صحيح ان الموضوع هو المديح البنوي وهو دائما مزيج من الشوق والتغزل بالطلعة النبوية. صحيح ان الموسيقى لا تخرج من آلة ولكن من الحنجرة، من الجوف. مع ذلك شعرت ان الصوت الفردي يحاول ان يظهر فرديته. يريد ان يبلغ فنه وجماله. يريد ان يظهر طبقاته وحجمه وقراره. شعرت ان المغني يريد هكذا ان يغني وان يحاكي المغنين. ان جمال الصوت يصرفنا عن أي شي آخر، ان الغناء الآن هو قبلتنا وصوت المغني هو قبلتنا. في ذلك شيء ضايقني. لم يكن هذا ما أريده. كان صوت المغني كلما ازداد جمالا وحضورا ازددت عنه بعدا. لم يكن هذا ما طلبته، لا اعرف كيف افسر ذلك، لكني اقول ان »الروح« كان بعيداً. ان »الشيء« الصوفي كان شبه غائب، كان هنا قصد آخر وغاية أخرى ليست هذا الدوران الذي يغيِّب النفس. ثم اني شعرت هذه المرة ايضا ان »المشرق« ينفذ الى هذا الغناء، الشرق من جهة مصر خاصة، كان المغني المفرد يحاكي مواويل وتغني الطرب المصري الذي قد يكون كمالا في الزخرفة الصوتية، لكنه فن بلاطي وليس دينيا. كان المغنون لا يزالون ينشدون »الله مولانا .. الله مولانا« لكن الله لم يكن مولى هذا الفن ولا سره.هذا القلق ظل توجسا الا ان فرقة »الزقاق« جعلته اكثر من وسواس. كان الامر واقعا حقيقيا فقد وقف الزقاق وهو المطرب والملحن هذه المرة أمام الميكروفون وترك الفرقة وراءه. انه تخت شرقي عادي، كانت الفرقة هذه المرة بكامل آلاتها، القانون والطبلة وطبعاً الناي (الذي هو بحسب جلال الدين الرومي انسان الموسيقى الصوفية)، لكن هناك ايضا الفيولونسيل والغيتار. المطرب الملحن مايسترو الفرقة ايضا وهو يقف ليغني الحانا له في الغالب. انه يشبه عبد الحليم حافظ وهو دار بهذا الشبه لذا يقلد عبد الحليم في اغماضة عينيه وحركة يده، وتسمع مجددا »الله مولانا« لكن هذه المرة بأداء عبد الحليم حافظ. انها محاكاة صريحة، لكن الأمر لا يقف هنا. بعد قليل ستسمع اداء ناظم الغزالي وكذلك صباح فخري. وكذلك محمد رشدي ومحمد طه اي انك تسمع ايضا السنباطي والموجي وصباح فخري. المشرق، نعم المشرق مهيمن عاما. تشعر بأكثر من قلق، الطابع المغربي العزيز زائل بالكامل، لكن الجمهور ليس اقل افتتنانا بالمشرق وهو يردد مع المطرب ويسايره. حين انتهى الوقت مدد المنظمون للفرقة وسمعنا مجددا كل المشرق يغني. لكن الشيء الصوفي بالطبع كان مفقودا، حين انتهى الحفل علق شربل داغر بأن »الله« في هذه الأمسية كان محبوسا في كاباريه.فرقة واحدة هي فرقة الشرقاوي كانت غير آبهة بغير ما نشأت عليه. الجلابيب والعصابات على الرؤوس والاعمار اقل شبابا من اعمار الفرق الأخرى والدخول الى المسرح جارف وبدون مقدمات. وصلت الفرقة وهي تغني وكأنها بدأت الغناء في مكان آخر. انشدت بدون آلات، ولكن ايضا بدون تفنن وبدون غناء مفرد. غنت كجوقة وغنت وكأنها في الحلقة. التقليد وحده كان الاساس والانشاد لا يطمح الا الى ادائه، كما هو وكما تعلمه وكما جرى عليه. لكن الفرقة وهي تقف او تجلس كانت تتحرك كما لو كانت في دوران، كما لو كانت مندمجة في الذكر. لم تكن هناك أي مساحة لصوت مفرد ولا لأي افراد من أي نوع. لم تتميّز الاصوات كانت الجوقة بمجموعها. الصوت لا يظهر جماله ولكن جوانيته وشوقه ومعاناته، انها الحلقة والدوران والاستبطان، والجسد كما الصوت ماثلان لهذا الموقف. المخاطب موجود في الداخل، لكنه ايضا في الغيب والفرقة مشغولة بنفسها ولا تتخيل أي جمهور ولا تعتني بأن تطرب أحداً. قوة في الأداء تكاد تصل الى العنف، طرْق على الاعماق واستنهاض لطاقة داخلية وذهول. ظل النشيد بدون انقطاع يتصاعد ويتصل الى ان استنفد نفسه واستنفد قوته وساد الصمت. لم يفتن الجمهور بفرقة لم تنظر له وبدا انها كلياً في الحضرة. لكن الانشاد استمر قوياً ولم تخف وتائره وكما دخلت الفرقة في لحظة ذروة خرجت في لحظة ذروة ايضاً.الفرقة المنتظرة كانت فرقة قونية مهبط مولانا جلال الدين الرومي. كنا نسمع ونحن في انتظار الرقصة كان الناي انسان الفرقة، كما في نظر الرومي شجياً، لكن الفرقة حين جمعت آلاتها وخرجت تركتنا في الحال التي وجدتنا بها كان ما حصل لم يكن اكثر من بروفا ناقصة. دخل الراقصون كان دخولهم الصامت نوعا من رقصة للصمت، دخلوا بلباداتهم الطويلة وعباءاتهم السوداء وجلابيبهم البيضاء، كانت هذه كما فسر خطيب الفرقة رموزا للموت او المنازعة. انقسموا بشكل لولبي وعادوا فاصطفوا ومشى »الاستاذ« بينهم. من سمّيته »الاستاذ« لم يخلع عباءة فيما خلعوها وبقوا في جلابيبهم البيض. وحين بدأوا الدوران بقي واقفا على حدة يراقب ويسير بين الراقصين قبل ان ينتحي ويروح يدور حول نفسه. الدوران يتسارع وترتفع الجلابيب. »التنورة« لكن كل هذا، الحركة والسرعة وحضور »الاستاذ« يجري في صمت. كأنما فجأة تعلق كل صوت وغدا كل شيء بدونه. الاستاذ هو تلك القوة الخفية والراقصون هم الدائرة »،دائرة حول انفسهم ودائرة في حلقتهم ورغم الموسيقى فان الرقصة كانت تقريبا بلا اجساد، انها النظام الخفي، قوة الله السارية في الفلك الدوار.الحج إلى »جبل العلم«في الباص الى جبل »العلم قالت سيدة فلسطينية انها تريد ان تقرأ شعرا بالانكليزية عن فلسطين، تبعها واحد من أهل الطريق قائلا بفصاحة ملحوظة ان الحياة سفر وموعدنا الله، اما المغربية التي تكلمت بعربية كلما تعثرت شدّتها بعبارة فرنسية فخاطبت الفلسطينية قائلة انها زارت تل ابيب. في رحلة تيسرت برعاية الملك الحسن الثاني، وهناك زارت القدس العربية واليهودية، حيث وجدت في صيدلية مسلما ويهوديا ومسيحيا عاملين فيها. انها »صيدلية« ولوحت لأختها الفلسطينية »ببطاقة صيدليتها التي كتب على احدى صفحتيها اسم الله. تبعها مهتد فرنسي شاب خالطت حديثه كلمة »شكراً« بالعربية، كنا الآن قد اتممنا السعي وانتقلنا الى الحج. في جبل العلم عاش القطب الشهيد وفيها مقامه. وليس هذا الحديث في الباص سوى مكاشفة اخوانية بعد ايام المجاهدة حان وقت التطهر. وهذا الباص الذي يصعد بنا في الجبل ينقلنا ايضا في صعود روحي. مع ذلك لا اظن ان الفلسطينيين رضوا بحديث الصيدلية المغربية ولم يبد ان ايا من الاحاديث ارتقى ليكون صلاة او ما يشبه الصلاة. كان هناك، حتى في هذه اللحظة، شيء من الاستعراض ومن التظاهر ورغم عبارة المغربي الرائعة »موعدنا الله« فإن الطريق الى الله لم تخل من بعض العادية بل والابتذال.كنا من قبل صعدنا الى تطوان. مدينة بيضاء بسقوف خضراء. حين تشرف علينا ونتلمح تلك الساحة الرائعة لا نعرف ماذا انشق عنها، كأنها ولدت لتوها من الغيب. ولدت لتوها، هذه هي الكلمة، فهذه المدينة الآتية من التاريخ تبدأ وكأنها باستمرار في صباح العالم. ساحات رائعة ومسارب داخلية اشبه بالشرايين وقصور رائعة زاهية خلف الركام. ولا نعرف ماذا بعد، اذا كلما استرسلنا وجدنا حالنا في الضواحي الاضافية لحلم ما. كنا هنا لزيارة دار »الوالد« الراحل. موسى بركة ابي عبد الهادي. فعلى الطريق الى مقام القطب الوالد الاول هناك محطات اخرى من دين وتاريخ. توحد القطب الاول واعتزاله في جبل العلم يفيضان احفادا ومراتب وقصورا وأبهة. في حديقة »الوالد« سمعنا آخر زوجاته تتكلم بصوت رائق وقراءة سلسة. ربما هي المرأة الاولى التي تتكلم في هذا الاحتفال الذي انتبهنا الآن الى انه كان، تقريبا، مقصورا على الرجال. مع ذلك تفيأت اشجار الحديقة جلابيب رجال ونساء، سوافر واحيانا بالديكوليتيه. سمعنا آخر الزوجات الداكنة تخطب وانبهرنا لمجرد سماعها. كنا، بدون وعي، نحتاج ايضا الى »نقيبة« لهذا الحفل.نصعد في الباص والغابات الرائعة تنتشر حولنا واخيرا نصل فعلى علو 1400 متر يرقد القطب. كنا في باصين فقط، لكن الذين لحقونا في سيارات كانوا أكثر عددا، تحت المقام قرية مرتجلة او سوق عشوائي. دكاكين وباعة وقصّابون واغراض سياحية. كان هذا ركيكا وبائسا ومربكا لكل شيء. لا بد ان الجبل والغابة والمقام وحتى السماء القريبة تعرضت للزراية وتزعزعت حرمتها. كان هذا هو الاجتماع الأخير في المؤتمر لقراءة الاعلان التأسيسي والتنظيمي. تساءلت اذا كان التصوف قد خرج الى المعركة واذا كان حقاً دين المستقبل، تساءلت اذا كان اهلا لمواجهة دين اصطلاحي حرفي متعصب وعدواني هو الارهاب الاصولي. دين القلب والارجاء والمسامحة والاحتفاء بالآخر. هل هذا هو التصوف حقا ام انه هكذا كما تريده نخبة جاءت اليه من عصر لا يعرفه ولا قبل له به؟كان عليّ ان اصعد الى المقام تحت شمس ساطعة، ارتقيت الى حيث وجدت جمعا كثيرا. فتشت عن المقام وجدت رجمة حجرية بيضاء. نوعا من جدار سميك من حجارة مستفة. وقفت في الحر اسمع من الميكرو دعاء يتابعه المجتمعون ويكررونه. وسط الرجمة خرجت شجرة شبه منحوتة، حية لكن غير خضراء. وحيدة وممتدة فوق الرجمة، لم يكن القطب المتوحد ليتجلى في شيء أفضل، كان مولاي عبد السلام المشيش في هذه الشجرة، وحيدا ومشرفا وحيا في موته كما يحلم به اولئك الحجيج الذين اجتمعوا حوله.