»أنا مهمتي أن أكتب. السياسة لا أصلح لها، ولا تصلح لي. والمفكرون والكتاب يمكن أن يكون لهم دور مساند«. الطيب صالح للطيب صالح في قلوب السودانيين محبة خاصة، باعتباره درتهم اليتيمة في مجال الكتابة الإبداعية في العالم العربي، فهو »القشة« التي يتمسكون بها للنجاة من الغرق في بحر »النسيان«. تحول ذلك الإحساس العميق »باليتم الإبداعي« إضافة الى جمالية نصوص الطيب صالح تحول الى افتتان نادر بنصوصه وسط المتعلمين. فكثير منهم يتبارون في عدد الصفحات التي يحفظونها عن ظهر قلب من تلك النصوص. وانقسم »المفتتنون«، حين دخل الطيب صالح مجال السياسة، بمهاجمته لنظام »الإنقاذ« في مقاله الأسبوعي »نحو أفق بعيد« في مجلة »المجلة« السعودية. تبارى المؤيدون للمقال مرة أخرى في ما يحفظونه من جمله، واشتهر ذلك المقال في أوساط المعارضين السياسيين، ونسخت منه ووزعت آلاف النسخ، وتبنى الخطاب السياسي المعارض الجملة الشهيرة »من أين أتى هؤلاء؟؟«. وتبارى من جهة أخرى المفتتنون المعارضون للمقال في مهاجمة الطيب صالح. ومُنع تدريس »موسم الهجرة الى الشمال« بحجة أنها غير لائقة أخلاقيا وتزعزع »القيم السودانية«. وتابع المفتتنون جميعاً رأي الطيب صالح في ذلك. فقد اعتبر منع روايته منعاً وإحراقاً للكتب ضمن أعمال لا معنى لها تؤكد صورة في أذهان الناس في العالم بأن هذه النظم هي نظم هشة ليست واثقة من نفسها. واكتسبت آراؤه وكتاباته الصحافية أهمية كبرى باعتبار وزنه الإبداعي، وثقافته العميقة وتواضعه الجم. وحتى أحاديثه الشفوية نالت تلك الأهمية للسلاسة والوضوح اللذين أصبغت عليهما خبرته الاذاعية طابعا بلاغيا جذابا وأخاذا. وانطلاقا من تلك المحبة الخاصة، والأهمية الفائقة لأحاديثه، والدور المساند للكتّاب في مجال السياسة، سنناقش آراءه حول الهجنة الثقافية التي وردت في الحوار الذي أجرته معه مجلة »الوسط« في عدديها بتاريخ 7 و14 أيلول/ سبتمبر 1998م. يتشكّل في مستوى من مستويات الحوار، فهم »عميق« عن إشكالية الهجنة الثقافية السودانية. فالطيب صالح يؤكد وجود تلك الإشكالية. فهو يرى ان للجنوبيين حقوقاً سياسية لا تنكر، وفي المقابل يدين »ما يردده بعض إخواننا الجنوبيين من رفض لعروبتنا«. ثم يؤكد ان الهجنة الثقافية ليست عائقا لتكوين أمة.. يقول في ذلك »من الممكن لمجموعات مختلفة الهوية على المستوى الفردي ان تشكل أمة«. ويرى ان ذلك يتم عبر مبدأ »المواطنة« ويضرب مثلاً لذلك التجربة السويسرية. الهجنة الثقافية إن ما يطرحه الطيب صالح ضمن ذلك الفهم، يمثل مشروع القوى الديموقراطية والعلمانية السودانية لحل إشكالية الهجنة الثقافية. وهو بذلك يتوافق مع كثير من آراء المفكرين المعاصرين. فإدوارد سعيد في مقدمته للترجمة العربية ل»الثقافة والامبريالية« يرى »ان فكرة التعددية الثقافية أو الهجنة التي تشكل الأساس الحقيقي للهوية اليوم لا تؤدي بالضرورة دوماً الى السيطرة والعداوة بل تؤدي الى المشاركة وتجاوز الحدود، والى التواريخ المشتركة والمتقاطعة« ص 10. لكننا في المقابل نلاحظ ان الحوار لا يحافظ على ذلك الاتساق النظري، بل يجنح الى فهم آخر ينفي وجود إشكالية هجنة ثقافية بالمطلق، فهو يقول ان »السودان عبارة عن خوض تقاطر عليه الناس من الشرق والشمال والغرب والجنوب. وهذا كله هضمناه بطريقة متحضرة؟؟« علامات الاستفهام من عندي الكاتب في نفس المنحى يقول »إخواننا الجنوبيون في محاولة تأكيد حقوقهم السياسية، ولديهم حقوق سياسية لا تنكر، يبالغون أحيانا في تصوير الشمال على أنه متسلط ومهيمن. أنا لا أرى ذلك أبدا. السودان من المجتمعات التي فيها خليط سلمي بين الأعراق«. وانطلاقا من ذلك الفهم الذي يفصل بين الحقوق السياسية والثقافية للجنوبيين، يعكس المسألة برمّتها، فيرى ان »هؤلاء الذين يؤكدون الجانب العربي فيهم، إنما يعملون ذلك كرد فعل للهجوم على العرب«. وللمزيد من التأكيد على انتفاء إشكالية الهجنة الثقافية أصلا، يعود الى فكرة »الأصل الإنساني الواحد« حين يتساءل: »وحتى العرب من أين أتوا؟ والأفارقة من أين أتوا؟ كل هؤلاء في النهاية يعودون الى أصل واحد«. ويصل التأكيد على انتقاء تلك الإشكالية قمته، حين يقول ان »مسألة الأعراق فكرة أوروبية«. هكذا نرى نفياً لإشكالية الهجنة الثقافية بالمطلق، وتبنياً لفكرة »التسامح العرقي« في السودان. وهي بالتأكيد فكرة مغلوطة. فلا التاريخ ولا نصوص الطيب صالح نفسه، تبرهن على ما قاله عن »الهضم المتحضر للأعراق المختلفة«، و»الخليط العرقي السلمي في السودان«، وحتى تصريحاته الصحافية لا تؤكد ذلك. ففي حوار مطول أجراه معه طلحة جبريل، ونشر مسلسلا في »الحياة« يؤرخ الطيب صالح نفسه لنهاية »التسامح السياسي« في السودان بظهور الأنظمة الشمولية.. وفي السودان لا يمكن الفصل بين السياسي والثقافي خاصة في التاريخ المعاصر. ولعل فكرة »التسامح العرقي«، هي محض حلم تحول الى حقيقة كرد فعل على آراء بعض الجنوبيين في الطيب صالح الذي يقول عن ذلك »إني متهم« من إخواننا الجنوبيين بأني متعالٍ عرقياً« وفي هذا الصدد نذكر التظاهرات التي نظمها الطلاب الجنوبيون في »جامعة الخرطوم« احتجاجا على عرض فيلم »عرس الزين« للمخرج الكويتي خالد الصديقي، باعتباره يسيء الى صورة الجنوبيين من خلال عرض مشاهد تصور »الخدم« في »واحة« »ود حامد«.. لقد تعامل الطيب صالح برد الفعل، فآثر في اضطراب أن يتبنى فكرة »التسامح العرقي المتحضر«. ورد الفعل ذاك، جعله يحصر نفسه في ثنائية الصراع العرقي الشمالي الجنوبي. وهي ثنائية تجاوزها التاريخ السوداني المعاصر، حيث دخلت مجموعات ثقافية أخرى فضاء ذلك الصراع، وعبر »العمل المسلح«، نذكر هنا »جبال النوبة« و»الانقسنا« و»البجا«. ورد الفعل ذاك جعله ينسى ما كتبه بالإنكليزية بعده فرنسيس دينق، وهو كاتب جنوبي مرموق، عن الرق وعلاقات الاسترقاق، بشكل واضح في كتابيه »طائر الشؤم« و»بذرة الخلاص«، ولأن الإشارة الى »العرقية« صادرة عن كاتب جنوبي، لم يتهمه الجنوبيون بالتعالي العرقي، بل قرّظ من أحد مترجميه الشماليين لجرأته!! ورد الفعل ذاك جعله ينسى ما كتبه أكاديميان شماليان مرموقان في الثمانينيات من هذا القرن عن عودة ظاهرة الرق الى السودان مرة أخرى، من خلال ما كتبه الدكتور سليمان بلدو والدكتور محمود عشاري في كتيبهما عن »مذبحة الضيعن« كما جعله ينسى المقال الشهير للدكتور حيدر ابراهيم علي »العرب والأفارقة الصور المتبادلة عبر التاريخ« في العدد الثالث لمجلة »كتابات سودانية« كما جعله ينسى الكتاب الأشهر عن المسألة العرقية السودانية للباحثة اليابانية الدكتورة يوشيكو كوريتا في كتابها المترجم »علي عبد اللطيف وثورة 1924م بحث في مصادر الثورة السودانية«، وقام بترجمته الأستاذ القاص مجدي النعيم، والتقارير التي بثتها منظمات حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة تؤكد عودة الرق وعلاقات الاسترقاق مرة أخرى الى بعض مناطق السودان. العرقية ولو تجاوز الطيب صالح رد الفعل ذاك، لكنا حظينا بإضاءات لماحة عن الإشكالية العرقية في نصوصه. فالطيب صالح كما يرى الناقد السوداني محمد خلف في دراسته »عرس الزين نموذجا للحوارية النصية« من الكتّاب الذين تضيء آراؤهم »الطريق إلى النص أو تومئ إليه«. تحفل نصوص الطيب صالح بإشارات مهمة الى الإشكالية العرقية في المجتمع السوداني، وهي مسألة سُكت عنها طويلا بحجة عدم إثارة النعرات العرقية والحفاظ على الوحدة الوطنية تارة، ولأسباب إيديولوجية وسياسية تارة أخرى، أو باقتراح مشاريع شعرية للتصالح المفترض بين الثقافات كما في مدرسة »الغابة والصحراء«. ولعل الأعمال الأخيرة السالفة الذكر والتي تناولت المسألة العرقية في السودان هي التي ستضيء أكثر نصوص الطيب صالح، وتؤكد جرأتها وأسبقيتها في تناول تلك المسألة المسكوت عنها طويلاً. إن الإشارات الواردة في نصوص الطيب صالح عن الإشكالية العرقية في السودان، لا تعني بالضرورة انحياز المؤلف إليها. ولعل مهاجمي الطيب صالح من المثقفين الجنوبيين خلطوا بين المؤلف و»رؤية العالم« كما تقترحها الرواية. وانطلاقا من المواقف السياسية المتعجلة، خلطوا السياسي بالثقافي، ولم يميزوا بين الرواية كمتخيل لواقع ما بشروطه الاجتماعية والتاريخية كما ترى يمنى العيد وبين الطموح السياسي الحالم بواقع مستقبلي مغاير، يصل إليه عبر تغييب الواقع التاريخي والفعلي، والقفز فوقه. كان »عرض النص السينمائي« لرواية »عرس الزين«، هو بداية اكتشاف الإشارات العرقية في نصوص الطيب صالح وقبل ذلك سكت النقاد السودانيون عمداً أو جهلاً عن التنبيه إليها. أما النقاد العرب فقد اشتغلوا على ثنائية »الشرق/ الغرب« أو »الشمال/ الجنوب«، كما تبدت في »موسم الهجرة الى الشمال« ولم يتم إلا نادرا تناول النصوص التي اتخذت من السودان فضاءً لها. مثال على ذلك تناول يمنى العيد لعودة مصطفى سعيد والراوي الى السودان في كتابيها »في معرفة النص« و»الراوي: الموقع والشكل«. ويرجع عدم التناول ذاك، الى اعتماد الطيب صالح العامية السودانية لغة للحوار وللسرد أحياناً. وما صعّب من فهم تلك العامية السودانية، ورود عشرات الأخطاء اللغوية التي تجعل مهمة الناقد شبه مستحيلة إذا ما رأى الرجوع الى معاجم العامية السودانية. ويضاف الى ما ذكرنا، جهل النقاد العرب بالتاريخ السوداني، وتاريخ الأنتلجنسيا في السودان، إذ ان نصوص الطيب صالح قد اتخذت من ذينك التاريخين أرضية صلبة لتأسيس بنيتها. ولم تكن مهمة الذين أرادوا اقتحام السودان كفضاء لنصوص الطيب صالح سهلة، فقد غاب عنهم ما ذكرنا من شروط، وارتكبوا أخطاء عديدة وشنيعة سنشير الى بعض منها حينما نتناول في دراسة لاحقة »العودة التراجيدية لمصطفى سعيد«. ولعل ذلك سيثير من جديد ثنائية الداخل/ الخارج والنص/ المرجع في مقاربة النص الأدبي. سنحاول في ما تبقى من المقالة ان نورد بعض النصوص التي وردت فيها الإشارة الى الإشكالية العرقية في نصوص الطيب صالح.. وسنبتدئ بالشخصية الأشهر (مصطفى سعيد). لمصطفى سعيد صلة حميمة بما اصطلح عليه بالزنوج المنبتين قبلياً: اNegroid but detribalized peopleب، وهم كما يرى المستعمرون البريطانيون »العبيد السابقون الذين ترجع أصولهم الى قبائل الجنوب أو جبال النوبة لكنهم استقروا في المجتمع السوداني الشمالي، وفقدوا بالتالي، أي صلة بقبائلهم الأصلية إذ لم يكن لهم في الشمال أي مكان في النظام الاجتماعي«. فوالدة مصطفى سعيد، فاطمة عبد الصادق، كانت من تلك الفئة. تقول إحدى شخصيات »موسم الهجرة الى الشمال« عنها: »ويقال إن أمه كانت رقيقاً من الجنوب من قبائل الزاندي أو الباريا، الله أعلم. الناس الذين ليس لهم أصل هم الذين تبوّأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز« ص 63، من الأعمال الكاملة. صحيح ان والد مصطفى سعيد كان عربياً من »العبابدة القبيلة التي تعيش بين مصر والسودان« ص 63، وكذلك كان مصطفى سعيد كما يقول في الرواية عربيا أفريقيا، إلا أن أباه توفي قبل ولادته، وانقطعت علاقة مصطفى سعيد بأسرة أبيه لأسباب لم تقلها الرواية، فانبتّ عن جذوره العربية وأصبح كأمه زنجيا منبتا قبليا بامتياز، لذلك قال »لم يكن لنا أهل« ص 29. ولانبتاته القبلي هذا، ولأسباب أخرى، لم يرجع مصطفى سعيد مباشرة بعد إنهاء دراسته، وقضى وقتا طويلا متسكعا بين البلدان.. إذ انه كما يقول الراوي بعد أن يخرج من السجن »يتشرد في أصقاع الأرض، من باريس الى كوبنهاغن الى دلهي الى بانكوك« ص 78 79. وحتى حينما عاد، لم يعد عودة طبيعية حسب الراوي ولم يختر قريته الجديدة بدلا من الخرطوم أو ضواحيها، بل عاد عودة عبثية الى قرية منسية الذكر عند منحنى النيل. يقول مصطفى سعيد عن ذلك إذا أخذنا روايته على محمل الجد »كنت في الخرطوم أعمل في التجارة، ثم لأسباب عديدة قررت أن أتحول للزراعة، كنت طوال حياتي أشتاق الاستقرار في هذا الجزء من القطر، لا أعلم السبب. وركبت الباخرة وأنا لا أعلم وجهتي ولمّا رست في هذا البلد أعجبتني هيئتها، وهجس هاجس في قلبي: هذا هو المكان« ص 20. ولأنه بلا أصل قبلي ولا تاريخ يقبله القرويون، لم يتزوج طواعية امرأة عادية، بل تزوج امرأة من أصل قبلي وضيع.. يقول الجد عن قبيلة زوجته »حسنة بنت محمود« معلقاً »تلك القبيلة لا يبالون لمن يزوجون بناتهم« ص 16. ترد في نصوص الطيب صالح إشارات كثيرة عن »الرق«. يقول »ود الريس، عن جارية خطفها من بيت العرس« كانت »فرخة« عديلة من جواري بحري« ص 84. و»فرخة« بالعامية السودانية تعني »أمة« أو »عبدة« أو »جارية«. وترى أيضا، أن موسى الأعرج، إحدى شخصيات »عريس الزين« »كان عبدا رقيقا لرجل موسر في البلد، ولما منحت الحكومة الرقيق حريتهم آثر موسى أن يبقى مع مولاه«، ص 202 203. وموسى هذا هو الذي طرده سيف الدين بحجة انه لم يعد رقيقا، وأنه ليس مسؤولاً عنه«، ص 229. وبدا الوضع السيّئ للرقيق وضيعا، عندما حلف والد سيف الدين »ليسجننه طوال حياته في الحقل كالعبد الرقيق« ص 229. وأحيانا لا تكتفي نصوص الطيب صالح بالوصف الأحادي فقط، بل تقدم عرضا بانوراميا، حين تتحدث عن وضع »الجواري« في »ود حامد«.. تقول الرواية »الجواري الخدم كما يقول أهل البلد كن رقيقا أعطي حريته، بعضهن هاجر من البلد وتزوجن بعيدا عن موطن رقهن. وبعضهن تزوجن الرقيق المعتقين في البلد وعشن حياة كريمة، بينهن وبين سادتهم السابقين ود وتواصل، وبعضهن لم تستهوهن حياة الاستقرار، فبقين على حافة الحياة في البلد، محطاً لطالب الهوى واللذة«. ص 229 230. نلاحظ أن الرواية على قتامة الصورة تعكس ظلالاً متدرجة عنها، لكن »بقي العرض السينمائي« في تعامله مع »النص المكتوب«، اختار الظل الأشد قتامة، مما أثار حنق الجنوبيين. لا تعكس نصوص الطيب صالح الوضع المتردي للرقيق بأبعاده المختلفة فقط، بل تعكس بعض مظاهر »التمايز العرقي«. ففي »عريس الزين« يتم التحدث عن »عرب القوز« الذين يرابطون كما تقول الرواية على طرق الأرض المزروعة، فعرب القوز »لا يتزاوجون مع السكان الأصليين، فهم يعتبرون أنفسهم »عربا خلصا«، وأهل البلد يعتبرونهم »بدواً أجلافاً« ص 197 198. إن الحديث هنا لا يدور عن الخليط العرقي السلمي، كما يرى الطيب صالح، بل عن صورتين متنافرتين يعكسهما كل من الطرفين على الآخر. الحديث هنا يختص »بالتمايز العرقي« ولذلك يتحدث محمد خلف في دراسته عن »خطاب الدرويش« عن »أن »عرب القوز« تم احتجازهم في ما وراء الخطوط المبيِّنة للنقاء العرقي«. ومن هنا نرى ان مسألة الأعراق ليست أوروبية فقط«، وإنما يمكن أن تكون سودانية أيضا. لسنا وحدنا في هذا العالم، الذين تؤرقهم وتزلزل أركان مجتمعهم إشكالية الهجنة الثقافية، فأغلب المجتمعات تعيش بشكل أو بآخر إشكالية الهجنة الثقافية، وأكبر بلدان العالم الآن أميركا تئن تحت وطأة هذه الإشكالية. يتحدث ادوارد سعيد في »الثقافة والامبريالية« عن الالتباس المزدوج »للهوية الأميركية«. المهم الآن بالنسبة الينا كسودانيين الاعتراف بوجود إشكالية للهجنة الثقافية. فعبر النقد الأليم، والاعتراف بالمرارات والخيبات، يمكن لنا على شارع الدموع والعذاب، ان نعبر الى فضاء »التسامح« و»الاحترام المتبادل«. ان النص الإبداعي كنصوص الطيب صالح يمكن أن يساهم في قيامنا بتلك الرحلة الأليمة. بالتأكيد هنالك فرق شاسع بين النص الذي يقفز فوق التاريخ والحقائق الدامغة ليشوّه صورة »الآخر« و»الواقع« معاً، وبين النص الذي يرينا من كل ذلك صورتنا القبيحة التي نحاول إخفاءها عبر أقنعة وحيل كثيرة. وأعتقد ان هذا ما نجحت نصوص الطيب صالح في إنجازه، وهذا ما سيجعلنا كسودانيين أكثر محبة له، وافتتاناً بنصوصه. أسامة الخواض