أرض السواد جديد عبد الرحمن منيف. رواية من ثلاثة أجزاء بطلها داود باشا الذي استولى علي السلطة في العراق بغية اقامة حكم قوي ومسرحها العراق بطبيعته وتنوعه وشعوبه وثقافاته ومدنيته وباديته، هنا مقتطف من الجزء الأول. من الدروس التي تعلمها داود، وهو في سراي سليمان باشا الكبير: »اجعل كل إنسان محتاجا إليك، ومعتمدا عليك؛ وأنت لا تحتاج ولا تعتمد على أحد بشكل كلي أو بصورة دائمة«. والنصيحة الأخرى التي يتذكرها داود: »قوة أي فرد مستمدة منك وحدك، فإذا تخليت عن هذا الفرد يصبح لا شيء، ويجب أن يحس الجميع بذلك«. أما كيف استطاع سليمان أن يكسب ولاء رجاله، فلأنه اتبع قاعدة ذهبية، كما سماها ذات يوم، وهو ينقل لأصهاره بعض تجارب الحياة، قال وهو ينقّل نظراته بينهم: على الحاكم أن يعامل رجاله بثقة، فلا يلجأ إلى القسوة إلا إذا كان الذنب كبيرا. كما يجب أن يبعد الخوف عن الذين حوله، لأن الخائف يبحث عمن يحميه، وقد يذهب الخائف أبعد مما تصور، وحيث لا تريد! كان سليمان الكبير قليل الكلام، وكان يفعل الأشياء أكثر مما يتحدث عنها، لكنه يريد من الذين حوله، خاصة أقرباءه، أن يستوعبوا هذه الدروس، وهذا ما جعله قويا الى آخر يوم من حياته. وداود الذي كان يراقب دون تعب، وكان يعيد الدروس على نفسه لئلا ينساها، كثيرا ما لجأ إلى التاريخ يقرأه، ويستعيد عبره، لأن المهمة التي نذر نفسه لها: إما أن تظفر أو أن تخيب، ولا يحتمل الأمر حلاً وسطاً. لم يكن ينام في بعض الليالي. كان يفكر ويخطط ويحلم، وكان يفرح ويحزن، فالعبء كبير، والأعداء كثر، والناس حوله يفهمونه ولا يفهمونه. وحتى الذين يتظاهرون بالفهم فإن البلادة تسيطر على أبدانهم وأرواحهم، فتجعلها ثقيلة الى درجة لا يعرف كيف يحركها أو كيف يغيرها، لتصبح أقدر على التجاوب معه. ولأن العبء كبير، كانت تراوده أحلام لا تخلو من غرابة في بعض الليالي: ماذا لو كان العراق في مكان آخر من هذا العالم، ألم يكن حكمه أيسر؟ وماذا لو كان فيه بشر من طبيعة أخرى، ألم يكن ذلك أسهل؟ هكذا كان يحلم ويتمنى. ويبالغ في بعض الأحيان، ليصل الى مدى حين يعود منه يعود بفرح يشوبه بعض الحزن. إذ يتمنى لو أن الشمس في بغداد أرحم وأقل توهجا؛ لو أن الأرض لا تتملّح بهذه السرعة أو بهذا المقدار؛ لو أن الأنهار تفيض في غير هذه الأوقات من السنة، إذ بدل أن تحمل مياه الفيضان الخير والبركة للزروع التي نمت، تحمل إليها اللعنة والدمار، وتجرف معها كل ما بنته يد الإنسان؛ لو أن البدو أبعد، ولا يعرفون الطرق المؤدية الى المدن؛ لو أن التاريخ أخف حملاً، ولا يبهظ الذين يحملونه إلى هذه الدرجة؛ لو أن الذين يعيشون فوق هذه الأرض أقل مذاهب وأعراقا وألوانا... لو أن ذلك حصل، لما استطاعت اسطنبول أن تبقى وأن تسيطر، أن ترسم وتحكم؛ ولما استطاع غيرها أن يفكر بالغزو، أو أن يطمع بأرض أو ماء، أو أن يفرض ما يريد! وحين يعود من رحلة الأماني، ويتلفت حواليه، ويحس بالقوة، يقول: »إنها إرادة الله، وتلك هي مشيئته« هكذا يختم داود باشا الرحلة والمناجاة، وينصرف بعزيمة أقوى ليفكر ويخطط، ما يستطيعه الآن وما يحتمل التأجيل الى الغد أو الى الأيام التي ستأتي. ورغم أن داود يحب الشعراء، ولهم عنده منزلة تفوق غيرهم بكثير، إلا أنه لا يحب طريقتهم في التفكير أو التصرف. فقد خُلق لكي يبني بلدا وينشئ دولة، لا ان يسيطر عليه بيت من الشعر، لا يعرف متى يقتلعه النسيان من ذاكرة البشر. لا يكتفي بذلك، فقط خُلق داود لا لكي يقول أبياتا من الشعر، وإنما ليقال فيه الشعر؛ خلق لا ليكتب التاريخ، وإنما ليصنعه، وبعد ذلك يأتي المؤرخون ليقولوا: هذا ما صنعه داود، ويبدأون بالكتابة والتعداد الى أن يتعبوا! أن يصنع الإنسان دولة، خاصة في هذا المكان، ومن هؤلاء البشر، أمر لا يستطيعه إلا الأفذاذ النادرون. وفجأة لمع بذهنه اسم الاسكندر الكبير، فكر لو يسمي واحدا من أولاده القادمين بهذا الاسم. ابتسم، لكنه ما لبث ان حزن حين تذكر كيف أن الاسكندر مات قبل أن يكمل مشروعه، ثم كيف توزع خلفاؤه ملكه الى ان تبدد. حين يجد داود نفسه يحلم لا يسترسل طويلاً في الحلم، إذ يكره الذين يكتفون بالأحلام. يعتبرهم مرضى، ولا بد من معالجتهم، كي يشفوا من هذا الداء الخطير، خاصة أن ليالي بغداد تنشر هذا الداء وتجعله راسخا أكثر من أي مكان آخر في هذا العالم! ما يكاد يتسلل من الحلم، ويلتفت الى ما يجب عمله، وبعد أن يكون قد فكر طويلاً وخطط، يجد أن عليه الكثير ليفعله، خاصة في هذه المرحلة. قد يتعب في البداية، لكنه التعب الذي يريحه في مراحل لاحقة، إذ يعتبر ان وضع الناس والأشياء في الأماكن المناسبة سوف ييسر عليه الأمور، تماما مثل التعب الذي يتطلبه شق قناة للماء، فما تكاد تلك القناة تشق حتى تتدفق فيها المياه بيسر، ويظل الأمر كذلك ما دام الإنسان يراقب ويتابع، دون أن يضطر لجلب الماء كل مرة من الأمكنة البعيدة...! وخلافا لغيره من المنتصرين، لم يلجأ داود الى تبديلات كبيرة أو سريعة. ترك الكثيرين في وظائفهم وأماكنهم، لكنه أشعر الجميع بأن عهدا جديدا قد بدأ، وأخذ، في نفس الوقت، ينشئ جهازا موازيا يعتمد عليه أكثر فأكثر، خاصة في المواقع العسكرية. لا يريد أن يعادي الكثيرين، خاصة في هذه المرحلة، قال، وهو يستقبل كبار الموظفين: عفا الله عما مضى؛ نحن أولاد اليوم، ونحن في عهد جديد... نظر إلى العيون التي تتابعه، وهو يمسح الوجوه أمامه، وكان بينها عدد من رجال الدين: وأرواح الناس وأموالهم أمانة في أعناقنا، وكما سيحاسبنا الله على هذه الأمانة، فإن السلطان، في دار السعادة، ائتمننا وكلفنا وطلب منا أن نؤدي الأمانات إلى أصحابها، فمن فعل فقد أرضى الله ورسوله وأولي الأمر، ومن نكل فإن حسابه في الدنيا والآخرة، اللهم إني بلغت، وعسى أن تنفع الذكرى. لم يهدد، لم يسمّ أحدا، لكنه كان حازما، وكان واضحا، حين وجه رسائله. والذين وُجهت إليهم لم يخطئوا في فهمها، لذلك بالغوا في إظهار الولاء، وفي تأنيب أتباعهم حين يذكّرونهم بالمصاعب، أو حين يبالغون في إبراز بعض الأخطاء، وبعض العيوب التي أخذت تقع هنا وهناك، يوماً بعد يوم. أما حين أخذت تتوارد الى السراي أخبار امتناع بعض القبائل عن أداء ما يترتب عليها من ضرائب ورسوم، فقد قال داود باشا للآغا، وكانا يجلسان في الشرفة الجنوبية المطلة على النهر: لازم نخلي البدو يخافون من الحكومة خوفة حية.. بس تنذكر الحكومة. ولما هز الآغا رأسه موافقا، تابع داود: وهذا ما يصير إلا بعد ما يجيهم أول صواب.. والثاني، حتى يقولوا: إن الله حق، إن الحكومة تقدر على كل شيء. ومثل عادته اكتفى الآغا بهزات من رأسه، دلالة الموافقة، لأنه لا يعرف ماذا يريد منه الباشا. خيم الصمت. كان الليل مديدا، ومياه النهر تومض بالتماعات خفيفة بين فترة وأخرى، حين يمر أحد مراكب الصيد، وكانت تسمع من البعيد أصوات غناء أو نباح كلاب متكسرة أو متطاولة، وكان يظهر جزء من المركب الراسي أمام الباليوز، وكان لا يُعرف ماذا يجري بداخله، وتتردد بعض الأحيان أصوات تنادي أو تشتم، لكنها متداخلة لا تفهم، وتترنح قبل ان تصل! والباشا الذي يعتبر هذه الشرفة أحد حصونه القوية، حيث يشعر بالثقة وهو يطل على النهر من ناحية، وتبدو له السراي مكتملة، متألقة من الناحية الثانية، ثم تلك المساحة الرحبة التي تفصله عن الآخرين، بحيث ينتفي أي قيد على الكلام والتفكير معاً، ما يدفعه الى الاسترسال، وبعض الأحيان البوح بما يدور في ذهنه. وتبدو هذه الليلة هكذا. بعد فترة صمت طويلة، قال الباشا: البدو أبداً ما يؤتمنون، يا آغا... وتغيّر صوته: إذا شعروا بالقوة... إذا أرخيت لهم الحبل. إذا أمحلت الدنيا، أو حتى في سنوات الخير؛ إذا ضحكت بوجوههم، وإذا عبست؛ إذا نسيتهم أو تذكرتهم؛ دائما عندهم الحجة للتمرد والعصيان، وهذه آفة هذي الولاية، ولاية العراق، وهذا سبب ضعفها! هز الآغا رأسه، لكن بموافقة أكبر هذه المرة، وقد بدت تتضح الصورة. أضاف الباشا بنبرة جديدة: إذا لم يتأدب البدو ويخضعوا خضوعا كاملا، فسوف يستمر وجع الراس، وتزداد المشاكل. ثم كأنه يحدّث نفسه: ومثل ما قالوا: ماكو من البدو إلا الإفلاس ووجع الراس! انفعل الآغا فجأة، وكأنه تذكر شيئا: البدو، يا أفندينا، الله بيم بلا ويرسون، ما يجون إلا بالعصا! تمام، يا آغا، ولازم نؤدبهم حتى نخلص من سوالفهم، لأنهم لا يعرفون الحلال والحرام، وعندهم: الحلال ما حل باليد... تنفس الباشا ملء رئتيه، وهو يفكر بأمور كثيرة، وتبدو هذه الأمور متداخلة، متشابكة، لكنه شعر بأن من الضروري، في مرحلة معينة، أن تتلخص بفكرة، بموضوع محدد، والبدو، في هذه الفترة، هم الموضوع، وهم الخصم، لذلك يجب أن يركز كل جهده عليهم، هذا ما يجب أن يفعله رجاله، وفي كل مكان، لكي تتجمع طاقات الناس وقناعاتهم في هذه البؤرة. قال الباشا، وهو ينظر في نصف الظلمة الى وجه الآغا، وكان يناجي نفسه: »بعض الناس إذا كثرت عليهم الأسئلة أو تراكمت يضيعون، إنهم يفهمون شيئا واحدا في وقت واحد«. فبعد أن أفلت قاسم الشاوي، وذهب الى حافة جهنم، كما يصف الوالي الأهوار، شعر داود باشا بالغيظ، إذ كان يريد القبض على هذا العاصي، وبعد أن يعذبه ويشفي غليله منه، يحز رأسه كما تحز قطعة الجبن، ويبعث بهذا الرأس ليس باتجاه الغرب فالشمال، كما هي العادة، حيث ترسل الرؤوس الى اسطنبول، بل كان ينوي إرساله باتجاه الجنوب، الى حمود بن تامر والقبائل القاطنة هناك، كي يقول لهم كيف يتصرف داود مع العصاة، لأنه يعرف ان أفضل طريقة لمعاملة هؤلاء البدو، والتي يفهمونها بسرعة، ان يروا بأعينهم كيف يعاقب المتمردون. قد تغلي دماؤهم أول الأمر، ولا بد أن يهوّسوا، ثم تتعالى صياحاتهم مع ذلك الغناء الأعمى، وربما يطلقون رصاصات في الهواء، لكن ما أن ينظروا مرة ثانية الى العيون المطفأة في ذلك الرأس المحزوز، حتى تسري في أجسادهم رعشة الخوف، وعند ذلك يتقدم المسنون، وترتفع أصواتهم التي كانت الى الأمس لا تسمع، لكي يحذروا ويذكّروا الشباب الذين لا يعرفون، أو ربما لا يقدِّرون، من هو داود، وماذا يمكن أن يفعل. إذا بردت الدماء تماما في العروق، ونظروا من جديد الى الشفاه في الرأس المقصوص كيف ازرقّت، فعندئذ لا بد من أن يصابوا بالهلع، وسوف يستجيبون لكل ما يريده الوالي وما يأمر به. ولن يكتفوا بالطاعة، بل سوف يرسلون الهدايا أيضا. وبعدها سيفكرون مرات ومرات قبل أن يقدموا على أي عمل جديد. داود وهو يفكر بهذه الطريقة في التعامل مع البدو، فلأنه اختبرهم من قبل، أعطاهم فرصة وأخرى. عفا عن كثيرين، لكن أبلغهم ثم أنذرهم بأنهم إن لجأوا الى العصيان فسوف يضرب بلا رحمة، وسيأخذ البريء بجريرة المخطئ، وعندها يدب في صفوفهم الرعب، بحيث إن الأم إن أرادت إخافة أطفالها، وحملهم على السكوت أو النوم، فليس أمامها إلا أن تقول: جاء داود ورجاله. لكن قاسم أفلت منه. صار بعيدا، وهذا ما سيجعله يتوهم أن النصر سهل مثلما هو الهرب من حراس أغبياء يملأ النعاس عيونهم، كما سيدفع الى التحريض كل من يمكنه الوصول إليه، وعند ذلك تبدأ المتاعب. كانت لدى داود أفكار كثيرة، ومنذ وقت مبكر، حول الطريقة الفعالة لمعاملة البدو، لكن الولاة الذين سبقوه ما أن يسمعوا اقتراحاته حتى يهزوا رؤوسهم بموافقة خجولة، ثم يهبطوا الى الصمت، وكان هناك دائما من يتبرع باقتراح إرجاء مثل هذا الحل، انتظارا لوقت ملائم، والوقت الملائم لا يأتي! وتذكر داود باشا كيف هيأ لسعيد ظروفا مواتية الى أقصى حد، حين ألحق بالبدو هزائم قاسية، وفي عدة مواقع، الى درجة جعلتهم يوافقون على كل شيء. كان يمكن آنذاك مواصلة العملية إلى نهايتها: بالتوطين والجندية والضرائب، لكن سعيد اكتفى بغرامات رمزية، ثم عفا عنهم، الأمر الذي جعلهم يعودون الى سيرتهم الأولى. الآن... بدأت تتهيأ الفرصة المناسبة. سوف يتمكن في وقت غير بعيد من ملاحقة قاسم، ولما يقبض عليه، سيجعله أمثولة. وإلى أن يحين مثل هذا الوقت لجأ داود الى استنفار خصوم قاسم. يا عبد الله.. المشيخة منذ اليوم لك، لكن احذر الذين يريدونها، وليكن الله في عونك من الحساد والطامعين. قد كان داود على قناعةب أن العشيرة لن تنتهي إلا إذا صارت عشائر. وكلما كثر عدد العشائر داخل العشيرة الواحدة أصبحت أكثر استعدادا للتمزق والاضمحلال. كما أن الزعيم الذي يختاره بنفسه، لا الذي تختاره العشيرة، سيكون الخنجر الذي ينغرز في صدور الزعماء الآخرين، ويقتلهم. كما يبقى ذلك الشيخ ضعيفا وبحاجة الى دعم الحكومة، وبهذه الطريقة يمكن السيطرة عليه، والسيطرة على العشيرة كلها، أو القسم الأكبر منها. وحين يتنازع الشيوخ تنفتح دروب داخل العشائر يمكن سلوكها لكي تتم السيطرة على الجميع. وإذا كان من شأن الغيظ، ثم الغضب، أن يحد أي منهما أو كلاهما من قدرة الفرد على الرؤية ثم التصرف، فإن الوالي يجب أن يعرف كيف يلجم غضبه، ثم أن يخفيه، بحيث لا يلحظ ذلك حتى أقرب الناس إليه، وعند ذاك، أو بعده، يقرر كيف يواجه المشكلة ومتى، لأن هزيمة الوالي تختلف عن هزيمة أي إنسان آخر. إنها تحصل مرة واحدة، ودفعة واحدة، وتكون القاضية، بينما بالنسبة لباقي الناس، فإن السقوط، وإمكانية النهوض مرة أخرى، جزء من حياتهم اليومية. بل أكثر من ذلك أنهم لا يعرفون إلا هذا السير المترنح، هذا السقوط المتوالي، وأيضاً الهزائم التي لا تتوقف، لكن إحساسهم المتبلد يجعلهم لا يقدرون، إذ فوراً ينهضون كي يواصلوا سيرهم الرجراج المتعثر، ليسقطوا ذات اليسار وذات اليمين، تماما مثل سنابل القمح بعد أن تنضج وتضربها الرياح. ولئلا يخطئ في التوقيت استدعى المفتي، خالد التميمي، وسأله: ماذا تقول، يا مولانا، فيمن خرج على الملة، ودعا الى الفتنة؟ كافر ودمه مباح! وماذا تشور على الوالي أن يفعل؟ أن يدعو المسلمين الى قتاله، لأن ذلك هو الجهاد في سبيل الله. قال سبحانه وتعالى، وهو أصدق القائلين: »إنما الأعراب أشد كفرا...«. ولئلا يحمل شيخه الأمور على أنها انتقام، تابع الباشا، وقد انخفض صوته وتغيّر: وتعرف يا شيخنا، لقد عفونا عن الذين أساؤوا إلينا، وحتى الذين حملوا السلاح في وجوهنا، لأننا لا نريد أن توصف ولايتنا بالدم والانتقام... وتغير الصوت، أصبح أكثر حزماً: والرسول، عليه الصلاة والسلام، حين فتح مكة قال، حتى للذين حاربوه من قبل: من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن. ونحن قلنا: عفا الله عما مضى، لكن الذين فسّروا سعة الصدر ضعفاً، والتسامح جبنا، وحقن دماء المسلمين عجزا، وعاودوا سيرتهم الأولى: يقطعون الطريق، ويروّعون الآمنين، ويستبيحون دماء المسلمين وأموالهم، فلا بد من مواجهتهم بالحزم والشدة، ولا أخالكم إلا معنا، أليس كذلك يا شيخنا؟ زفر الشيخ خالد التميمي، وهز رأسه عدة مرات، إذ يعرف ان الباشا يريد فتواه، وهو لن يتأخر في إعطائها، لكن لا يعرف عمن يجري الحديث، ومن هم الذين يعنيهم الباشا، قال، وقد حمّل صوته مقدارا كبيرا من الحزن: لا يستقيم حال هذه الأمة، يا باشا، إلا بأن يعمر الإيمان الصدور، وأن تصان أموال المسلمين وأعراضهم، وأن يُحكم بالعدل، وأن يُعطى كل ذي حق حقه... ولكي لا يفهم كلامه خطأ أضاف، وهو يحاول أن يبتلع ريقه، فاضطرب صوته: من خرج عن رأي الجماعة فقد زاغ ودخل الشيطان الى قلبه، ولا بد من تقويم اعوجاجه، لأنه إذا تُرك فهذه هي الفتنة. وليثبت الباشا تسامحه، واستعداده للعفو، قال بطريقة لا تخلو من كرم: وتعرفون يا شيخنا أننا مستعدون لأن نعفو حتى عن قاسم الشاوي، رغم أنه لا يزال يحمل السلاح في وجوه المسلمين، أما أخبار الدليم فقد زادت عن كل حد، وتجاوزت كل ما يمكن أن يُسكت عنه، ودماء المسلمين أمانة بأعناقنا، وأنتم لا تقبلون ان تراق الدماء وتستباح الأموال والأعراض. وأفتى خالد التميمي بضرورة أن ينهد الباشا لمحاربة العصاة وأهل الفتنة. والباشا الذي كان قد سيّر رئيس الانكشارية عليوي آغا قبل أيام الى غرب بغداد على رأس جيش كبير ليؤدب العشائر التي امتنعت عن أداء الضريبة، وتذرع شيوخها بانقطاع المطر، وطالبوا بالإعفاء، وحين رفض طلبهم طالبوا بالتأجيل، وحين رفض طلب التأجيل، قالوا ندفع شيئا ونترك لسنين الخير الشيء الباقي، ولكن المتسلم رفض كل ما اقترحوه، وما زال يلح ويهدد ويشدد في المطالبة والتضييق، فقالوا له: لن ندفع وليكن ما يكون. وكانت هذه مناسبة كافية لأن يجرد الباشا الحملة، وأن يوكل أمر قيادتها الى سيد عليوي، رئيس الانكشارية. لا يريد أن يظهر بعيون الناس وكأن دافعه الانتقام من خصومه، ابن الشاوي وأمثاله، لأن الانتقام، بعد الدرس الذي تلقاه نتيجة قتله لسعيد، أشعر الناس بأنه لا يختلف عن غيره من الولاة، وأنه استسلم لعواطفه وأحقاده، ويفترض بالوالي أن يكون أباً يعرف كيف يسامح ويعفو، لا أن يعمي الحقد قلبه وعينيه فيندفع الى الانتقام. سيغض النظر، مؤقتاً، عن بعض خصومه الى ان يحين الوقت المناسب. كان داود باشا يقول لنفسه، وبعض الأحيان بصوت عالٍ، حين يكون وحيدا: »يجب أن لا ينسى الوالي شيئا، لكن عليه أن يتذكر في الوقت المناسب، لأن من يخطئ في التوقيت كمن يبحث عن حتفه!«. ثم إن مواجهة الخصم الذي يشكل خطرا راهنا يحس به الجميع أفضل ألف مرة من مواجهة خصوم لا يراهم الناس ولا يحسون بهم. وهناك دوافع أكثر أهمية، وإن لم يصرح بها لأقرب الناس، ويتجنب التفكير بها الآن. فالشاوي الذي عرف الى أين يهرب، ويريد أن يستدرجه الى هناك، كي يستنزف قواه، ويغرقه في الوحول، سيأتي وقته. فحين يأتي وقت طريق النهر، ويحس الناس أنهم سيموتون إذا ظل العصاة يمنعون المؤن التي تأتي من البصرة، سوف يتفرغ له، ولا بد من ان تكون الانتصارات التي حصلت في أماكن أخرى قد وصلته، وعند ذاك سيتعامل معه بالطريقة المناسبة، الطريقة التي يفهمها جيدا. ومثلما أخذ بركة الشيخ خالد التميمي، فقد أخبر عددا من الشعراء، وقال لاثنين يؤثرهما على غيرهما من الشعراء، قال للأخرس والصفوي: زوبع والجميلة، وحتى شمر، وغيرها من القبائل، تذكر أو لا تذكر بمقدار الشعر الذي قيل فيها، ومن قاله... ابتسم ابتسامة كبيرة، تطلع الى النهر الذي كان يُرى من النافذة، وتابع: من كان ليذكر كافور لولا المتنبي؟ ومن هو المعتصم لولا أبو تمام؟ وكاد يسترسل أكثر، فقد عنّت بباله أمثلة أخرى، وهاجته أبيات من الشعر كان يروق له الاستشهاد بها في بعض الأحيان، لكن المناسبة الآن مختلفة، وما يريده يتجاوز المطارحة أو المنادمات. قال محرضا: في حالات معينة الشاعر هو الذي يعطي للموقعة الحربية أهميتها، يجعل الناس يتذكرونها ويتحدثون عنها بعد مرور مئات السنين، حتى لو زال مكانها، أو لا أحد يعرف موقعها، لأن الشعر يبقى وكل شيء غيره يزول! وحين رأى الاضطراب في وجهي الأخرس والصفوي، وكأنهما دخلا في تلك الحالة التي تسبق المخاض الذي يؤدي الى الشعر، قال وخرج صوته عميقا: بعض الشعر يسبق المعارك، وبعض الشعر يتبعه... وكاد يقول إنه ينوي أن يؤلف كتابا يضمنه قصائد خلّدت أبطالاً وأماكن، وأن تلك القصائد أصبحت تاريخا وذاكرة للناس، لكنه وجد الحالة التي تملّكت الشاعرين بدأت تفعل فعلها، ثم إن الأمر، الآن، يتجاوز رغبات ونوايا من هذا النوع، إذ إنه مقبل على حرب يجب أن ينتصر فيها انتصارا ساحقا، لكي تصل أصداء هذا الانتصار الى الناس بسرعة وقوة، وأن يستوعب خصومه بالذات هذه الأصداء، وأن يحسوا بهذا الانتصار، وكل ما عداه مؤجل، أو لا يعني له شيئا هاما الآن. تابع محرضا: إذا قال كل منكما شعرا، فإن هذا الشعر سيصل قبل ان تصل الجيوش والمدافع، ولا بد من أن يفعل أكثر مما يفعل الفرسان. وحتى الفرسان إذا امتلأت رؤوسهم بذلك الشعر سيكونون أقوى وأكثر شجاعة، لأن الملائكة تحارب معهم، تقف الى جانبهم. وانفعل الشاعران، وقد أحسا أن الباشا يقول شعرا، وهذا الشعر لا يحتاج إلا لبعض الوقت والصبر كي تنتظم قوافيه وتستقيم أوزانه. وشعر كل منهما وكأنه يطير، يصل الى أقاصي الذاكرة ويعود مثقلاً بعبق التاريخ وبعنفوان الرؤى. قال الأخرس بطريقة لا تخلو من انفعال: الشاعر، يا باشا، يحتاج الى شيطان، ولا بد من خلوة! ضحك داود باشا، وقد امتلأ نشوة: الرسالة وصلت، وتلك الدودة التي تغمض عينيها في بعض الأحيان، ولا تظهر إلا إذا حرضها دافع قوي، بدأت تنغل في داخل هذا »الأخرس«، ولا بد ان يقول قولا جميلا. رد وهو يهز رأسه والنشوة لا تزال قوية مستبدة: يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، اذهب، فأنت طليق! كان الباشا لا يستطيع أن يخفي فرحه، في بعض لحظات انفعاله؛ فما يقوله يجد آذاناً صاغية، عقولاً تلتقط الغمام قبل أن يصبح غيما، ثم تلك الاستجابة وكأن الصدى أقوى من الصوت. وبطريقة لا تخلو من الارتباك الذي يمازجه الانفعال المتوتر المنفلت، تطلع الأخرس إليهما، وكأنه يراهما ولا يراهما، وخرج. قال الصفوي الذي حاول أن يكون أكثر اتزانا ومختلفا: وتعرف، يا باشا، لا بد للشاعر من أن يرى بعينيه وأن يسمع بأذنيه، وحالما تدق الطبول ويتقدم الفرسان وترتفع صيحات الحرب، سأكون مع الذين يسيرون، وسوف أكون الحادي والبادي... وقبل أن يكمل رد الباشا بانفعال لم يستطع أن يخفيه: بارك الله فيك... وبعد قليل، وهو ينظر إلى عينيه: هذا ما توقعته منك، وهذا ما أردته، وسوف أجعلك مع الآغا، تسمع كل شيء، وترى ما يحسن أن تراه دون أن تتعرض لأذى... وكاد يضيف، لكن الصفوي قاطعه بمودة: آخر ما أفكر فيه، يا باشا هو الأمان... وضحك ضحكة صغيرة ثم تابع: إنني أشم رائحة الجنة، وأقصى أماني المؤمن الشهادة في سبيل الله، وأن يكون مع الصديقين والشهداء. ترك الباشا بعض الوقت يمر كي يتشبع الجو بكلماته، ثم تابع بصوت رخيم: أقصى الأمنيات أن يموت الإنسان في سبيل الله، وأن يحشر مع الشهداء والصديقين، لأن الجنة... ولم يشأ أن يسترسل بنفس الطريقة أو حول الموضوع ذاته. تنحنح. صمت قليلاً، ثم أضاف: نحن بحاجة إليك في هذه المعركة، وفي معارك أخرى كثيرة، ولذلك نحرص على أن تبقى حيا مثلما نحرص على بؤبؤ العين، على سويداء القلب. رد الصفوي بطريقة لا تخلو من تفاخر: الموت، يا باشا، نهاية كل إنسان، وسعيد من يموت في سبيل الله، من يحشر مع الشهداء والصديقين...