كانت جنيناً، عمرها ستة أشهر في رحم والدتها. لها شخصية متميزة وحياة خاصة. مشاكسة تقوم بحركات بهلوانية. تتباهى على كل من يحاول مكالمتها. تسترخي عند إهدائها أغنية خاصة. لم تمل في تلك البيئة المعزولة. تصمد، تصبر وتكبر. التاسع عشر من تموز الأسود 2006. تتوجّس شراً. تسمع صراخاً. أصوات جديدة وصاخبة لم تتعرف اليها من قبل. تبدأ بالتململ. تحتج وتنزعج. تزيد من حركتها علّ والدتها تشرح لها ما يجري. لا تحصل على جواب. تمر ساعات والحركة ما زالت غير طبيعية. تتشبث بزاوية رحم الوالدة وتترقب. دقائق وتشعر بعودة السكينة. تتنفس الصعداء. تعود إلى حياتها متشوقة لانتهاء إقامتها في رحم الوالدة، ومعرفة مصدر الأصوات الغريبة التي اجتاحت أذنيها الصغيرتين. تفتقد صوتا عميقا كان يكلمها ليلاً. لم تعد تشعر بذاك الكف الثقيل مداعباً بطن والدتها التي أنجبتها بعد ثلاثة أشهر...»ولدت طفلتي يتيمة، شو بدي قلها لما تسألني عن بيها؟«. أبصرت هديل خالد النور يتيمة الأب فلم تتعرف الى صاحب هذا الكف الحنون الذي كان يطمئن على نبضات قلبها ويستعجلها المجيء لتكون الطفل السابع بين أطفاله. ولدت هديل خالد، ابنة داوود خالد الذي اغتالته صواريخ العدو أمام منزله في دبين ـ قضاء مرجعيون. لم تضف الطفلة نفراً الى العائلة المتكاملة للرجل الخمسيني الذي رحل وأخذ معه ابنته عبلة (10 سنوات) وطفله أحمد (سنة ونصف السنة). إنها عائلة صاحبة العينين الخضراوين اللتين تصدرتا الصحف في تموز 2006. هويدا، التي اصطادت إسرائيل عينها في تلك الليلة، واغتالت طفولتها، وطفولة علي وهدى وفاطمة، كما اغتالت أحلام الزوجة التي تعيل الآن أيتاماً بلا سابق إنذار...حاولت العائلة إحداث تعديل في شكل المنزل الخارجي، بعد إعادة ترميمه، كي تطغى على الصورة الباقية من الولد وهو يسقط قتيلا أمام الباب الخارجي. لم تنجح الفكرة، ما زالت تكرج دموع الحنين إلى »بابا داوود«.تختصر نظرات عيني الوالدة مأساة العائلة. هي أرملة ووالدة لخمسة أولاد، بعدما فقدت ولدين مع زوجها، إضافة إلى خسارة حياتها الزوجية. هي الآن وحيدة، وأعباء العائلة تتحكم في يومياتها. هي الأم والأب. تبحث عن إجابة مقنعة حين تتساءل بناتها عن سبب يتمهنّ. ولا تستطيع رفض طلب وحيدها، علي، أن تحمله على كتفها: »كان داوود يحمله على كتفه، ونحن نمشي وراءه مثل الجيش«.»... لكني لم أقتل والد إسرائيل!«رجل المنزل اليوم عمره ست سنوات. علي الذي يتكنّى، من الآن، بـ»أبي داوود«. تؤكد كلماته الواقع الذي تعيشه هذه العائلة. فالطفل يرسم مشاريعه لحماية أخواته البنات ووالدته. يستذكر رحيل والده ضاحكاً. لا يدرك معنى المأساة. يلوم والدته التي لم تطلب من والده وأخويه الدخول إلى المنزل قبل وقوع الحادث. يريد قيادة »الكميون« الذي كان والده يعمل عليه، »تجيب مصاري لماما«. يسأل والدته: »لماذا قتلت إسرائيل أبي؟ فأنا لم أقتل أباها؟«.تضمه أمه إلى صدرها. تصمت قليلاً لتقول لنا: »شفتوا؟ عندي رجال بالبيت أنا«. تتنهد، متجنبة البكاء. تحدّق بابنتها هويدا: »كانت سلامتها من الله، بس بعدني بخاف عليها«.استعادت هويدا سحر عينيها الخضراوين بعد سنتين من الإصابة. عادت لتلعب تحت حرارة الشمس التي حرمت منها العام الماضي، بعدما كانت عينها اليمنى، التي زرعت فيها عدسة اصطناعية في الولايات المتحدة الأميركية، مهددة بفقدان النظر. تسحب ابنة السنوات التسع نفسها من الكوابيس التي عاشتها. تعيق دموعها عمل أي صحافي يسألها عن الذكريات التي جمعتها مع والدها. »أفكر يومياً كيف سأتابع حياتي من دون والدي. أنام وأصحو على ذكريات كثيرة. فكم أتمنى لو احتفظت باللعبة التي اشتراها لي حين اصطحبنا في نزهة إلى سهل البقاع. وكم أتمنى لو سمعت كلامه حين طلب مني البقاء في المنزل ليذهب وأمي إلى منزل جدي. لو كنت أعرف أنه سيموت لما عاندته يوماً«.تجهش في البكاء. تقترب والدتها منها لتمسح دموعها. »خلص حبيبتي، شو بدنا نعمل، هيدا قدرنا«. تواسيها شقيقتها هديل بابتسامة، ثم تتابع حبوها على الأرض باحثة عما يسليها. تقع على صورة والدها. لا تعني لها شيئاً. تضحك الوالدة: »هديل تستغرب والدها، فهي تنادي عمها بابا«.غزالة والنعناع نسأل هويدا عن معيل المنزل، فتجيب »غزالة هي كل ما بقي لنا«. ومن هي غزالة؟ هي البقرة التي تؤمن لتلك العائلة قوتها اليومي. تثور هويدا للحظات، مشيرة إلى انزعاجها من أصدقائها في المدرسة حين يسألونها عن معيل المنزل، و»هم يدركون حالتي«.ولمسكبة النعناع أيضاً قصة. هويدا هي التي ساعدت والدها في زراعتها أمام المنزل. ورغم الدمار الذي أحدثته الصواريخ الإسرائيلية، بقي الزرع صامداً، تاركاً رائحة من الوالد في الأرجاء. تنادي الوالدة ابنتها الأخرى فاطمة، التي شهدت المأساة بعيون جاحظة. تطلب منها وضع ركوة القهوة على النار لإكرام الضيوف. نستغل الفرصة لنتعرف الى صورة الوالد في نظر فاطمة التي تتبنى فكرة العمل لمساعدة والدتها في مصروف المنزل. »لو كان والدي حياً لما كنت فكرت في العمل«. لن يرعب فاطمة شيء بعد اليوم. بنظرها، »أسوأ ما يمكن أن يحصل في الحياة حدث«. تفك أسر دمعة حسرتها منذ بدأ حديث الذكريات: »آخر مرة رأيته، كان أبي يمد أسلاك الكهرباء لإنارة المنزل. وحياة الله كان قلبي حاسسني ما رح ارجع شوفو«. تنصرف لإكمال تحضير القهوة، وتعطي دورها لشقيقتها الكبرى هدى كي تهرب من الموضوع.لا تحمل هدى في داخلها كلاماً كثيراً: »بعد موت بابا أدركت جيداً قيمة الأب في منزلنا. لكن قسوة الحياة علمتني كيف أتابع حياتي«. تمسك بكتابها وتعتذر عن متابعة الحديث معنا، »عندي بريفيه ولازم انجح تإهدي الشهادة لبابا«.