ليس غريباً أن يمنح الرئيس الدكتور سليم الحص جائزة »جمال عبد الناصر التقديرية« في احتفال يقام اليوم في ذكرى تأميم قناة السويس وبمبادرة من مركز دراسات الوحدة العربية.فمن أفضل منه لنيل هذه الجائزة هو من بقيت مواقفه القومية والعربية على مدى أعوام ثابتة لا تعرف المواربة، على الرغم ما شهد من نكبات ونكسات حربية وخيبات سياسية وتحوّلات لدى دول بأمها وابيها.حافظ الرئيس الحص على خطّ سياسي واضح وثابت مذ بدأ حياته السياسية عام 1976 ودافع عن مبادئه الأخلاقية وقيمه الإنسانية بلا تردّد، رافضا توقيع مرسوم إعدام لأن القتل حرام، ومستنكفا عن الموافقة على خلع ضابط بالقوة العسكرية حقناً للدماء.أرشيف سليم الحص السياسي هو خير شاهد على ثبات مواقفه في مفاصل رئيسية. أما لبنانياً فقد ترأس الرجل 5 حكومات، أولاها في بدايات الحرب العصيبة وآخرها في نهاياتها الدموية، فكيف لشخصية هادئة متزنة تتذوق الأدب وتهوى الموسيقى ولها ابتسامة الأطفال أن تتخطّى هذه المطبات كلّها؟لا يعرف جيل اليوم سليم الحص إلا بمواقف تصدر عن »منبر الوحدة الوطنية«. فهو اعتزل العمل السياسي عام 2000 ليكتفي بالعمل الوطني غير الطامح الى مركز سياسي بعد أن خسر مقعده النيابي في بيروت.لكن للحص بصماته وإنجازاته في الشأن العام فهو مؤسس »بنك الإسكان«، و»مؤسسة ضمان الاستثمار« و»مجلس الإنماء والإعمار« واسهم في وضع القوانين التنظيمية لعدد من المؤسسات منها »المصرف الوطني للإنماء الصناعي والسياحي«.»معجب كبير« بجمال عبد الناصر، هكذا يقول على الرغم أنه لم يلتق الزعيم العربي يوماً.»مثّل لي صوت الحق العربي، وجسّد في شخصه الجرأة والإقدام والتحدي«.في منتصف العمر أي في الـ41 عاش سليم الحص نكسة 5 حزيران ،1967 بعدها رشق كثر عبد الناصر بسهام النقد القاسي، بعض معجبيه خابت آمالهم، وبعضهم تمسّك به أكثر، ومنهم الحص: »بقيت على إعجابي ذاته به، على الرغم من أن عبد الناصر كان يعرف حجمه ويدرك أن قوته لا توازي قوة إسرائيل العسكرية المتحالفة مع قوى أكبر في مقدمها الولايات المتحدة الأميركية، مع ذلك وقف موقف المتحدي لها. أصبت بالخيبة كما أصيب كل مواطن عربي وشعرت بالظلم كما شعر كلّ مواطن عربي إثر تلك النكسة، لكنني ازددت تعلّقاً بعبد النّاصر«.ثمّة من يعتبر أن الزعيم المصري زرع أحلاماً غير واقعية لدى الشعوب العربية أوصلتها الى خيبات وهزائم قوية، يعلّق: »لكنّه عاد وأحيا آمال العرب بمستقبلهم وبمصيرهم. كان العرب مستسلمين لقدرهم في مواجهة العدوان الصهيوني، فجاء من يحيي آمالهم بالصمود والتحدي والانتصار في يوم من الأيام«.ينال الدّكتور الحص جائزة عبد الناصر في توقيت يشهد تخاذلاً عربياً عن المجابهة، حتى سوريا التي كانت الطرف العربي الأخير الصامد في جبهة الممانعة تدخل اليوم في محادثات غير مباشرة مع إسرائيل، هل يعني ذلك بأن زمن عبد الناصر انتهى؟يجيب الدّكتور الحص: »هذا وقت هزيمة وتراجع بلا أدنى شك، لكن في الوقت عينه زمن الأمل المتجدّد«، يشير الى ظاهرتين: ظاهرة المقاومة الفلسطينية واللبنانية. يضيف: »ما يتحدثون عنه اليوم ليس سلاماً بل تسوية وأنا أفرّق بين المفهومين. أنا أعتبر أن السلام هو تسوية وإنما برضى الشعوب وبالتالي ينتج عنها نهاية للصراع مع تطبيع للعلاقات«.÷ هل يجب أن يبقى لبنان بمنأى عن السلام ولو وقعت سوريا؟ـ »نعم، ولكنني أستبعد ذلك«.يردف قائلا: »أي اتفاق لا يعني سلاماً بل تسوية فحسب، لأن الشعب لا يزال غير راض عن صيغة التسوية، والشعب يعبر عن نفسه بطرق عدّة منها المقاومة«.ويشير الحص: »على أي حال فإن سوريا تجري هذه المحادثات وهي تعلم سلفاً أنها لن تثمر لسببين: أولاً لأنه من المفترض أن يكون الموقّع على الاتفاق مع سوريا قوياً داخل إسرائيل هذا في الوقت الذي يبدو فيه إيهود أولمرت في أضعف حالاته، وهو يتعرض لملاحقات جزائية تتعلق بالفساد. ثانيا، إن استطلاعات الرأي في إسرائيل تدل على أن أكثر من ثلثي الرأي العام هنالك لا يحبّذ التنازل عن الجولان لسوريا لذا فإن الأخيرة لن توقع على اتفاق مع إسرائيل من دون الحصول على الجولان في المقابل«.بداية قاسيةولد الدّكتور سليم الحص عام 1929. مات والده أحمد، وهو صيدلي، بعد 7 أشهر على ولادته، فنشأ في كنف الوالدة وداد الحص، التي اعتبرها دوماً مثالاً للتضحية أمامه وإخوته علماً بأنه صغير العائلة لديه شقيقة متوفاة هي أسمى، وسلوى التي تعيش معه، زينب وأنيس توفي شاباً.يستذكر الطفولة بهذه الكلمات: »عانت والدتي كثيراً. عرفنا شظف العيش، كان مدخولنا محدودا جدا، ترك لنا والدي منزلا من طابقين في محلة زقاق البلاط وفيه محلان للإيجار، كنا نعيش من بدل الإيجار البسيط. تحملت والدتي عبء أقساط مدارسنا نحن الخمسة، وأذكر يوما أنها أعطتني قرشاً هو خرجيتي لأشتري بسكوتا وراحة، وفيما أنا خارج الى مدرستي (المقاصد للبنات) حيث تتعلم شقيقاتي، سمعتها تحكي مع شقيقتها قائلة لها لم يعد معي ولا قرش. فأعدت القرش لها فضحكت رافضة استرجاعه«.يتابع سرده: »لما ضاق الوضع أكثر بدأت والدتي بسحب البنات من المدارس، لم تعد قادرة على دفع الأقساط المدرسية، بقيت أنا وأخي الذي ما لبث أن ترك الدراسة وراح يعمل عند صهري وصار يساعدنا في المصروف. بقيت وحيداً في المدرسة، لكني لم أثقل على والدتي إطلاقاً إذ درست في المقاصد حيث الأقساط معقولة.في الحرب العالمية الثانية أثرى زوج خالتي إذ عمل مع الإنكليز، وكنا نمضي الصيف في حمانا، حيث استأجر لنا منزلاً في جواره، في ذلك الصيف وكان الإنكليز متواجدين في لبنان والجو بدأ يتغير من فرنسي الى إنكليزي طلبت من والدتي بحضور إبنة خالتي صوفيا الحص الانتقال الى »الآي سي«. فقالت أمي »الآي سي« تتطلب كنزا فكيف لي أن أتحمّل وزر أقساطها؟ سمعت إبنة خالتي وتبرّعت بأن تتولّى الدّفع.هكذا انتقلت من المقاصد الى الآي سي. أمضيت عامين في المرحلة الابتدائية وعاما في المرحلة الثانوية، وكنت من المتفوقين على عكس ما كنت في المقاصد، لأن إبنة خالتي تدفع عني، فقفزت من الصف السادس الى الثامن، وفي أول سنة ثانوي أعلنت إبنة خالتي عجزها عن المتابعة في دفع الأقساط، وكان قبل حين توفى خالي كمال الحص أي والد صهري وكان ثرياً، عند وفاته قامت والدته أي جدتي التي أصابها نصيب من الإرث بدفع أقساطي في الثانوية وعندما وصلت الى الفريشمن قصّرت جدتي مادياً، فدخلت كلية التجارة في الجامعة الأميركية في بيروت حيث قابلت رئيس الكلية الشيخ سعيد حمادة الذي قدّم لي عملاً في الجامعة«.دخل سليم الحص الجامعة عام ،1948 وكان عام النكبة. إهتمّ بمتابعة السياسة، لكنه لم يكن ناشطاً سياسياً، »كنت مكبّاً على دراستي أتابع التظاهرات والمشاكل التي ترافقها من دون المشاركة الفعلية فيها. عزمت على التخصص في الأدب العربي حين بلغت مرحلة الجامعة، رفضت أمي معتبرة أن أقصى ما يمكنني الوصول إليه هو أستاذ مدرسة. وأضافت قائلة: نحن ننتظرك، لكي تتخرّج وتنشلنا من وضعنا، فإذا بتريد فكّر بشي تاني يعطيك مكسباً أكبر.سألت صديقيّ الأعزين سميح البابا وأحمد الرفاعي وكانا جارين لي، فقالا لي إنهما سيتخصصان في إدارة الأعمال فعملت مثلهما«.قدّم له رئيس الدائرة في الجامعة المذكورة عملا حيث عمل 10 ساعات في الأسبوع وقبض ليرة وربعا على الساعة ساعدته على تولي دفع أقساطه الجامعية، ولمّا كان من الطلاب المتفوقين حظي بمنح دراسية.بعد نيله بكالوريوس التجارة بتفوق عام 1952 توظف في شركة »تابلاين« إحدى شركات أنابيب النفط الكبرى براتب قدره 320 ليرة شهرياً حيث عمل عامين في مركزها في الحمرا، ثم تلقى عرضاً من غرفة التجارة والصناعة في بيروت من أستاذه ابراهيم دجاني رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة في البلاد العربية، »قدّم لي وظيفة بـ400 ليرة فتركت التابلاين لأصبح موظفا معنيا بالردّ على المراسلات الأجنبية بالعربي والإنكليزي«. هناك كانت صبية اسمها ليلى فرعون تتولى طباعة رسائله وترجماته، »نمت علاقة مودّة بيننا وتزوّجنا مدنياً، حيث سكنت في البداية في منزلها«.لم يقف اختلاف الدين عائقاً بينهما »باستثناء عقدة صغيرة لدى الوالدة سرعان ما حلّت، الإسلام يسمح بالزواج من أهل الكتاب، لكن العكس لا يصح أي أن المسلمة لا يجوز أن تتزوّج من غير المسلم«، يشرح سليم الحص. في آخر حياتها تراكمت عليها الأمراض من الربو كما زوجها وتفاقم معها وأضعف قلبها ثم جاء مرض خبيث آخر، وقبل بضعة أشهر من وفاتها عام ،1990 طلبت زوجها، وقالت إنها تريد اعتناق الإسلام لكي تدفن في جواره.يضيف »كانت شريكة حياتي بكل ما للكلمة من معنى، عندما أخلو إليها كنت أتحدث بكل همومي وشجوني، وكانت تشاركني فيها وتدلي بوجهة نظرها، كان ثمة تلاصق بيننا«.الصدفة هي التي أدخلته إلى المعترك السياسي. بعد عودته من الكويت حيث عمل بين عامي 1964 و1966 خبيراً مالياً لدى الصندوق الكويتي للتنمية العربية، دخل البنك المركزي رئيساً للجنة الرقابة على المصارف، وكان في الوقت عينه أستاذاً في الجامعة الأميركية، وذلك قبل شهر واحد من تسلّم الرئيس الياس سركيس حاكمية مصرف لبنان. ساهم الحص في وضع نظام قانون الإصلاح المصرفي و إنشاء لجنة الرقابة على المصارف للمرة الأولى في تاريخ لبنان. وقد دفعت في هذا الاتجاه جمعية مصارف لبنان وسمّت الحكومة الحص أوّل رئيس للجنة. تكثفت اللقاءات بين الحص وسركيس بفعل البحث اليومي في شؤون مصرفية ونمت علاقة ثقة ومودّة بين الرجلين وصار الحص في موقع المشورة لسركيس الى أن رشح الأخير نفسه لرئاسة الجمهورية ضد سليمان فرنجية وسقط ثم عاد ونجح بعد 6 أعوام.بدء العمل السياسيكان سركيس في بداية عهده يرغب بتأليف حكومة فاعليات تجمع كل المتقاتلين معتقداً أن ذلك يحل المشكلة. كلّف في تشكيل هذه الحكومة المرحوم تقي الدين الصلح، لكنّ الأخير لم يتمكّن من جمع الأضداد، »أثناء هذه المرحلة سألني الرئيس سركيس أية حقيبة وزارية أرغب فيها؟ فقلت لا أريد حقيبة بل لدي مخطط إنمائي وإعماري«، كانت المرة الأولى التي يطرح فيها الدكتور الحص فكرة إنشاء مجلس الإنماء والإعمار، وطالب بتولي حقيبة وزير دولة لشؤون الإنماء. لمّا تعذّر على الرئيس تقي الصلح تشكيل الحكومة. كلفه الرئيس سركيس تأليف حكومة تكنوقراط.هكذا دخل المعترك السياسي بقرار من الرئيس الياس سركيس.ترأس الحص 5 حكومات في أصعب الظروف، لكنّ الحكومتين الأولى والأخيرة حملتا الكثير من الصعاب والمشكلات.»كانت الحكومة الأولى في أواخر عام 1976 صعبة جدّاً وكانت حكومة تكنوقراط دامت 5 أعوام. حاول الرئيس سركيس التوفيق بين المتقاتلين، لكنّ اليأس لم يصب هؤلاء بل أصابه هو فطلبني ذات يوم من العام 1978 وأعلمني أنه يرغب بالاستقالة.طلبت منه التريّث فرفض وبادر الى الطلب مني الاستقالة قبله، قائلا إن ثمة عرفاً منذ عهد بشارة الخوري بأن يكلف الرئيس بعد الاستقالة مارونياً لرئاسة الحكومة ريثما ينتخب رئيس جديد.أجبته بقولي: يا فخامة الرئيس إن ذلك ليس عرفاً، بل هي سابقة إن تكرّرت تصبح عرفاً، ورفضت وحصل بيننا نقاش ولم أقبل معه. فعمد الى جمع مجلس الوزراء، وأدلى بوجهة نظره وشرح حيثيات استقالته والتفت إليّ قائلا أدعوك الى الاستقالة لتعيين شخص مسيحي ماروني رئيساً للدولة، فكررت وجهة نظري ورفضت الاستقالة«.اضطرّ سركيس الى البقاء في الحكم.»بعد بضعة أشهر، عاد الى فكرة تشكيل حكومة فاعليات، فقلت له إنني أستقيل وعيّن من تريده، فقدّمت استقالتي فأجرى مشاورات مع النواب لتعيين رئيس جديد للحكومة، وكان شبه إجماع بين النواب على تسميتي فأعاد تكليفي، استقلت وحاولت جاهداً أن أجمع المتقاتلين في حكومة فلم أفلح، وبقيت أحاول أكثر من شهر، ثم اعتذرت بعد أن عجزت. لذا عدت عن استقالتي وشكلت حكومة تكنوقراط دامت حتى سنة 1979«.في العام 1979 طلب سركيس من الحص تأليف حكومة سياسيين وليس فاعليات، فاستقال لتعيده مشاورات الرئيس مع النواب مكلفاً تشكيل حكومة سياسيين وهذا الذي حدث، لكنها لم تستمر أكثر من عام واحد، لأن الحص رفض قطعاً تأييد سركيس لترشيح قائد القوات اللبنانية بشير الجميل لرئاسة الجمهورية.هكذا افترق الحص عن سركيس بعد 4 أعوام من العمل سوياً.آخر حكومةآخر حكومة ترأسها في عهد أمين الجميل لم تقل صعوبة عن الأولى، كانت قطيعة بين الرئيس الجميل ورئيس الحكومة رشيد كرامي. وعند اغتيال كرامي في العام 1978 كان الحص وزيراً في الحكومة منذ ،1984 علماً أنه منذ عام 1986 لم تعد الحكومة تجتمع وانقطع الاتصال بين رئيس الجمهورية والحكومة وبدأت بدعة المراسيم الجوّالة. »عقد اللقاء الإسلامي الموسّع في دار الفتوى وحصل التداول في ما يجب أن يعمل على اعتبار أن رئيس الجمهورية هو طرف في النزاع، ولا يجوز أن يترك لوحده ولو ساعة واحدة، لأنه شريك في الحكومة وطلب من الرئيس حسين الحسيني وكان رئيساً لمجلس النواب أن يتحدث مع الرئيس أمين الجميل ليصدر مرسوماً بتسميتي أنا خلفاً لكرامي فتوجه الى الهاتف متحدثاً معه وصدر مرسوم تسميتي بعد ساعة.في اليوم التالي للمشاركة في مأتم الرئيس رشيد كرامي في طرابلس كنا نجلس في غرفة جانبية في منزل الرئيس الراحل، فإذا بوزير الخارجية السورية آنذاك عبد الحليم خدام يدخل علينا فجأة وكان في ذروة الغيظ، وتوجّه بالكلام الى سماحة المفتي حسن خالد مع أن سماحته لم يكن في الاجتماع الذي قرر تسميتي خلفاً للرئيس المغدور متسائلاً: لماذا هذا التسرّع، فدماء الرجل لم تجفّ عن الأرض بعد؟ وكل ما هنالك أننا لم نستشره في ذلك.يومها أجبته بقولي، وكنت جالساً بجانب المفتي الراحل، يا ابا جمال إن الرئيس أمين الجميل هو طرف في النزاع ولا يجوز أن يترك ساعة واحدة من دون شريك، وبالتالي كان هذا القرار. اقتنع خدام وغيّر الموضوع متوجها هذه المرّة بالكلام إلي قائلا: عندما تزورني في المرة القادمة ذكّرني لكي أروي لك من الذي حاول اغتيالك عام 1984 وكيف؟«.كان الرئيس الحص قد نجا من محاولة اغتيال في أيلول عام 1984 (صبيحة عيد الأضحى من ذلك العام) عند توجهه الى المنزل المؤقت للمفتي حسن خالد في الروشة، وجرت المحاولة بواسطة سيارة مفخخة فجّرت لاسلكياً أسفرت عن إصابته برضوض طفيفة في حين قتل 4 أشخاص وجرح 28 آخرون.»بحسب رواية عبد الحليم خدّام، وأنا دوّنتها، وأبلغتها للمحقق العدلي آنذاك سعيد ميرزا أن إيلي حبيقة ومعه جميل نعمه ومدير الاستخبارات في الجيش سيمون قسيس، اجتمعوا عند واحد صار وطنياً، لن أقول لك اسمه، وخططوا لعملية اغتيالي.ولما أصريت على معرفة اسم الشخص الذي صار وطنيا ماطل خدّام لزهاء نصف ساعة قبل أن يقول: ميشال المرّ.أرسلت هذه الرواية إلى سعيد ميرزا فاستدعى حبيقة الذي صار وزيراً بعد الطائف، وسأله عما يعرف عن الموضوع فطلب حبيقة دراسة الأمر، غاب يومين وعاد وأبلغ المحقق العدلي رفضه التعاون في هذا الموضوع. وتوقفت التحقيقات عند هذا الحدّ.ثم قصدني ميشال المر بعد شهرين نافياً أن يكون الاجتماع الذي حصل في منزله قد تطرّق الى التخطيط لأي عملية اغتيال للحص والتآمر على حياته«.بعد انتهاء العملية العسكرية في 13 تشرين الأول عام 1990 والتي أطاحت بالعماد ميشال عون اتصل رئيس الحكومة سليم الحص بالرئيس السوري حافظ الاسد شاكراً له باسمه وباسم الحكومة اللبنانية »المؤازرة الفعالة التي قدّمتها الشقيقة سوريا إلى لبنان في ما تحقق من إنجاز كبير«، لكنّ السوريين أنفسهم عادوا وأطاحوا بالحص سياسياً في انتخابات عام 2000.كيف يقرأ الرئيس الحص موقفه من عون بعد مرور 18 عاماً، هو الذي وصفه في حديث صحافي بأنه »الأنظف كفاً بين السياسيين اللبنانيين لكنه الأقل حظا بينهم« (الديار 15/10/2007).يجيب: »لا أعتبر عون مذنباً، كلّف بتولي الحكومة وكان تكليفه غير شرعي، هذه الحكومة ولدت ميتة بحسب اجتهادات القانونيين، لأنها شكلت من 6 فاستقال منها فوراً ثلاثة من أعضائها أي نصفها«.لم تكن لديه يوماً أي ضغينة ضدّ عون وعندما طرح موضوع العملية العسكرية في مجلس الوزراء للإطاحة بعون اعترض الرئيس الحص بقوة طالبا التفكير بطريقة أخرى، »لأن وضع جيشين نظاميين في مواجهة يسبّب وقوع الكثير من الضحايا«. تحفظ ولم يصوّت على القرار بعدما عـرض على التصويت. انتخب الحص نائباً عن محافظة بيروت في 30 آب عام 1992 على رأس لائحة »الإنقاذ والتغيير« ونال 30990 صوتاً وأعيد انتخابه نائباً في دورة 1996 ونال 64259 صوتاً من هنا كانت المفاجأة أن يسقط في انتخابات عام 2000 ولا ينال أكثر من 12987 صوتاً بسبب دعم السوريين للرئيس الراحل رفيق الحريري الذي قبل إدخال نواب رشحهم الســوريون إلى لائحته في ما رفض الحــص، كذلك رفض أيضاً »قانون غازي كنعان« الانتخابي.قبل ذلك وبعده كان اللبنانيون عموماً، وأهل بيروت خصوصاً، قد كرموه بلقب »ضمير لبنان«. وقد أكد سليم الحص بمواقفه جميعاً انه يستحق هذا التوصيف. فهو عنوان النزاهة ونظــافة الكف وحرية الرأي، حتى ليمــكن اعتباره »فريداً« أو طائــراً يغرد خارج سربه، علماً انه لم يقبل ان يكون، في نظر نفسه على الأقل، واحداً منهم.