بصدور الأعمال الكاملة للشاعرة السورية سنية صالح يتاح للقارئ العربي ان يتعرف بشكل مباشر وجلي الى واحدة من أعذب التجارب الشعرية العربية وأكثرها فرادة وصدقية. والحقيقة ان اصدار هذه الأعمال بالذات هو بمثابة حدث ثقافي استثنائي، ليس فقط للأهمية التي تكتسبها سنية صالح في إطار قصيدة النثر العربية وانما بسبب الظلم الفادح الذي لحق بهذه الشاعرة وأبقى تجربتها في دائرة الظل دون مبرر يذكر. فهل يكفي ان تكون الشاعرة ميالة الى الخفر والتواضع والابتعاد عن النجومية والترويج الإعلامي لكي يتم اهمالها من قبل النقاد والباحثين؟ وهل يشكل زواجها من شاعر كبير كمحمد الماغوط سبباً مقنعاً لإشاحة النظر عن تجربتها الفريدة والمؤثرة باعتبار ان المجتمع الشرقي الذكوري لا بد له ان يراعي »قوامة« الرجل على المرأة حتى في جانبها الأدبي والإبداعي؟لا بدّ لي من الاعتراف بداية أنني، ورغم اطلاعي على بعض قصائد سنية صالح المتفرقة، لم أكن حتى صدور أعمالها الكاملة عن دار المدى على دراية حقيقية بقيمة تجربتها وبما تحمله في طياتها من عصب متوتر وثراء في اللغة والصورة والمخيلة، ما دفعني على المستوى الشخصي الى الشعور بالتقصير ازاء ذلك الصوت الشعري المفعم بالموهبة والاشتعال والذي تأخرنا جميعاً في الالتفات اليه. واعترف ايضاً بأنني لم أكتف بقراءة واحدة لأعمال سنية صالح بل قرأتها مرات ومرات دون أن أشعر بأنها فقدت شيئاً من نضارة القراءة الاولى، لا بل انها على العكس من ذلك كانت تزداد مع كل قراءة قدرة على المباغتة والإدهاش، وهو ما يميز الشعر الاصيل والحقيقي عن الزائف والمصطنع والهش. ربما كان بعد هذا الشعر عن »البهورة« والادعاء وميله، كصاحبته، إلى ملامسة الأشياء الأكثر خفوتاً وصلة بالحنان الأرضي هو ما يجعله قريباً إلى النفس ولصيقاً بالوجدان. »أمس أنني كمن يتكلم في الحلم« تقول سنية صالح في اول حديث لها بعد نيلها »جائزة النهار للشعر« عن قصيدتها »جسد السماء«. ومن يقرأ شعرها لا بد ان يكتشف ذلك. لكن الحلم الذي تتحدث عنه لا يصح الا بالنسبة لآلية الكتابة او لشفافية اللغة والروح، أما حين نحدق قليلاً في نصوصها فلا بد وان نستشعر ذلك الجريان الهائل لأنهار الألم وذلك الوخز المضني لشوك الحياة القاسي، والذي لا نستطيع احتماله الا لأنه يجيئنا مضمخاً بقوة اللغة وفرح التعبير.تقول خالدة سعيد، شقيقة سنية، في مقدمتها العميقة والكاشفة لأعمال الشاعرة بأن سنية صالح لم تكن قد قرأت في اواخر مراهقتها سوى بعض أعداد مجلة »شعر« التي أتبعتها بعد ذلك بقراءة قصيدة سان جون بيرس »ضيقة هي المراكب«، التي نقلها أدونيس الى العربية. واذا عرفنا بأن الشاعرة، كما ورد في مذكراتها، قد بدأت بكتابة الشعر وهي بعد على مقاعد الدراسة، فإن ذلك يعني ان الشعر عندها لم يكن وليد قرار طوعي او قراءات معمقة بل هو متصل بالموهبة الفطرية والحساسية العالية ازاء الأشياء. وهو ما حرصت بنفسها على توضيحه في مقدمتها اللافتة لمجموعتها »ذكر الورد«، حيث تشير الى ان اللغة الشعرية هي أصعب اللغات، لأنها ليست مما يمكن تعلمه وإتقانه إتقاناً علمياً او عملياً. و»على الرغم من ضرورة المعرفة والتعلم لتعهد ذلك الحافز الغامض فإن سر اللغة الشعرية يبقى دائماً خارج هذه الدائرة. فالحس الشعري يقوم على خرق ما تم اكتسابه وتعلمه خرقاً يعيد للغة طهارتها«. وهذا المفهوم المميز للشعر يتصادى مع ما قاله الناقد الفرنسي جان ليسكور الذي اعتبر أن ليس من شيء يساوي حضور المعرفة بالنسبة للشاعر سوى قدرته على نسيانها، بما يجعل الشعر توازناً حاذقاً بين التذكر والنسيان ويجعل القصيدة تمريناً دائماً على الحرية.بداية ناضجةلا اعرف اذا ما كانت سنية صالح قد مزقت الكثير من قصائدها المبكرة السابقة على ديوانها الأول »الجسد الضيق«، والذي يبدو وكأنها اختارت عنوانه متأثرة دون وعي منها بعنوان قصيدة سان جون بيرس المعروفة. لكن ما تمكن ملاحظته هو ان ديوانها ذاك لا يشبه الدواوين الأولى للشعراء، والتي غالباً ما تجيء متعثرة وغير ناضجة، بل انه ينم عن الكثير من العمق والمغايرة في الرؤى والصور والمقاربات التعبيرية. وهذه الملاحظة تنسحب بالقدر نفسه على محمد الماغوط الذي ينم ديوانه الأول »حزن بين الشاعرين الزوجين هو هذا الانتماء الفطري والمتفجر الى الشعر من جهة، وهذا الالتحام بجسد الكتابة ولحمها الحي من جهة أخرى. الا ان لكل منهما في الوقت ذاته طريقته في الافصاح، حيث تبدو قصيدة الماغوط أكثر شهوانية ووحشية وأشد اكتظاظاً بالصور المباغتة في حين تبدو قصيدة سنية أكثر صفاء وحدباً وحيث يتم استبدال الشهوانية الذكورية بنزوع أمومي واتحاد مطلق بأحشاء العالم وجوهر الكائنات.يقف الحب بأبعاده الكونية والعاطفية والروحية في قلب تجربة سنية صالح وأساسها. وهو، كما يبدو من القصائد، حب لا يقوم على المقايضة والحسابات المتعلقة بالربح والخسارة بل على العطاء والبذل والفيض التلقائي، خاصة وان لحظاته هي على ضراوتها وجمالها قصيرة الأمد: »فليجرِ حبك أنهاراً متوحشة/ ليخترق أحلامي/ الحلم يرتعش في طيات القلب/ فأية وداعة تنهبني حين أعبرك من الممرات الخفية/ أي طائر سيغرد أنشودته؟/ آه، زهرة الرمان سريعة الموت«. لكن نادراً ما تأتي حالة الحب وردية وخالصة الصفاء بل هي مهددة دائماً بسيف الغياب او بقسوة العالم او بفكرة الموت التي تنغص جمال زهرة الرمان، كما أشارت الشاعرة في المقطع السابق. والغريب ان فكرة الموت تلك تلمع دائما كنصل خفي حتى في القصائد المبكرة للشاعرة وقبل ان يفتك بجسمها مرض السرطان، كما يظهر في قصيدة »البحيرة« بشكل واضح: »أيها الطائر المحلق عبر الآفاق/ تذكَّر ان الرصاص في كل مكان/ تذكَّرني أنا المسافرة الأبدية/ طول حياتي أغدُّ السير/ وما تجاوزت حدود قبري«.الشعر والحياةمن السهل على القارئ ان يجد الروابط التي تجمع بين حياة سنية صالح وبين حياتها الشخصية. ففي قصائدها اشارات دائمة الى محطات حياتها القصيرة نسبيا، والتي لم تتجاوز العقود الخمسة، بدءا من الطفولة والصبا والحب المتوج بالزواج وانتهاء بالأمومة والمرض. لكن حضور هذه الاشارات لا يجيء مباشراً او مستنسخاً عن الواقع المعيش، كما انه لا يجيء معزولاً عن قضايا الوجود الكبرى بل يتحول الى ذريعة للبوح الداخلي وقذف الأسئلة الصعبة في وجه العالم. لكن اللافت في هذه التجربة انها تمرر كل ما تتلقفه من تحت قنطرة الأنوثة الحدباء حيث يتاح للغة ان تشف وللواقع ان يتأنث. وحتى في بعض الوقفات ذات الملمح الوطني والقومي نرى بوضوح ابتعاد الشاعرة عن سياقات الشعر الوطني المعروفة. ففي قصيدة »أغنية للجزائر« لا نعثر على ما يشبه شعر السياب او البياتي او سائر الشعراء الذين اتجهوا الى الانشاد العالي او التفجع البكائي بل على لغة أقل ضجيجاً وأكثر التصاقاً بجوهر المعنى »النهار يستيقظ في أســرَّة الأطفــال/ مبعثر الخصل/ يحمل خفَّه ويسير/ يلطخ بالفضة الدروب/ وأنا أسير بلا ليل/ وطني ورائي/ والرياح قافلتي الكئيبة«.عبر محاولتها الدؤوبة لتأنيث العالم تستعين سنية صالح بالتاريخ، كما في قصيدتها عن زنوبيا، وبالأسطورة والخرافة والدين وكل ما يمكنها من إزالة الفواصل بين التواريخ والأمكنة، مازجة دون تعسف الحقيقي مع المتخيل والواقعي مع السحري والشخصي مع الجمعي. وهي في تعبيرها عن ذاتها الفردية تبحث دائماً عن الطوطم الأنثوي للخلق الذي يعود بالسلالة الى أقصى الوراء ثم يمضي بها الى تخوم المستقبل. هكذا تتكرر صورة الأم مراراً في قصائد الشاعرة ويتكرر معها الحنين الى طفولة ضائعة بين الهناءات والمرارات، ثم ما تلبث هذه الصورة ان تنتقل إلى ابنتي الشاعرة، شام وسلافة، اللتين تظهران مجتمعتين او كلا على حدة في الكثير من الأماكن. وفي قصيدة »مليون امرأة هي أمك« تقدم لنا سنية صالح نماذج عالية وفريدة في معنى الأمومة لم يسبق ان عرفناها في الشعر العالمي إلا من خلال النماذج المشابهة للشاعرة التشيلية غابرييلا مسترال، وبخاصة في قول سنية مخاطبة ابنتها: »يا غابتي الشقراء/ شدّي جزعك الى جزعي/ أدخلي عظامك في نفق عظامي/ ثم اسحبي ما تبقى من جسدك واعبري/ ستكون أمامك ممرات طويلة ضيقة/ والحقيقة تكمن في أشدها ضيقاً«.لا بد من الاشارة أخيراً الى ان القصائد التي تتضمنها مجموعة الشاعرة الأخيرة »ذكر الورد«، والتي كتبت أثناء استشراء المرض في السنة السابقة لرحيلها، هي من أكثر قصائد الشعر العربي صدقاً وتفجُّراً وتعبيراً عن الألم. فالتجربة هنا كانت قد بلغت قمة نضجها التأملي والمعرفي وذروة أشكالها التعبيرية التي تتوارى هندستها خلف فيض غير مسبوق من الهذيانات. انها شاعرية الألم التي سبق ان أعطت أكلها مع الياس أبو شبكة كما مع بدر شاكر السياب وأمل دنقل في معاناتهما المروعة مع المرض. وكما أطلق الشعراء الثلاثة نداءاتهم الموجـعة في وجه الموت هتفت سنية صالح بدورها: »لا تخــرجني من وكري عنوة« أيها الشتاء/ فقبل أن أنحني لك/ تكون قد طعنتني/ ولن يبقى في داخلي إلا ممــر طويل للنفايات/ يعبره العالم الخارجي/ لذا أسـوق باطــني بعصاي/ وأعود إلى نقطة لا تطالها الجهات«.