(تكاد نظرية الميمياء scitemem تكون مجهولة كلياً في العالم العربي، بالرغم من مئات الألوف، بل الملايين من المراجع المتوافرة على الإنترنت. في هذا المقال، أعرض لمجمل هذه النظرية، وذلك بأسلوب لا يخلو من الطرافة، محيلاً القارئ الذي يرغب في الاطلاع على مختلف التيارات والمراجع، الى كتاب الدكتورة منى عبود <الميمياء> الذي صدر حديثاً عن دار بيسان).<الربّ يُعطي والربّ يأخذ. ليكن اتّكالك على الربّ. أرسِل، في غضون أسبوع، عشر نسخ من هذه الرسالة إلى أصدقائك، وسوف تحلّ عليك النعمة. أمّا إذا امتنعت عن ذلك فسوف تنزل عليك النقمة. انطلقت هذه الرسالة من القدس، وجابت نصف الكرة الأرضيّة. هذه ليست دعابة. فلاّح لبناني من البقاع، يُدعى موسى وهبة، ربح مليون دولار في اللوتو، بعد عدّة أيّام من كتابة النسخ العشر. أمّا عادل فاخوري أستاذ الفلسفة من جامعة الرباط في المغرب فقد لاقى حتفه في حادث سيّارة جرّاء إهماله الرسالة. خذ المسألة على محمل الجدّ، وانسخ الرسالة، واستبشر بما يُخبئه لك الحظّ>.إذا تقيّد بعض من الذين يتلقّون الرسالة بمضمونها، فلا شكّ بأنّها سوف تنتشر كالوباء. انظر إلى الكم الهائل من النسخ التي تنتشر حول المعمورة لو التزم عشرة أفواج فقط بنسخ الرسالة:الفوج الأوّل: 1الفوج الثاني: 10الفوج الثالث: 100الفوج الرابع: 1000 .....الفوج العاشر: 1000000000إنّها تفوق المليار نسخة. هكذا بالترغيب والترهيب تتكاثر هذه الرسالة وغيرها من الرسالات في الأذهان كما يتكاثر الفيروس في الخلايا الحيّة.هذه الرسالة هي من الرسائل المعروفة باسم الرسائل المتسلسلة rettel niahc. وقد جرت كتابة مثل هذه الرسائل منذ القرون الوسطى، حيث عُرفت باسم الرسائل السماويّة feirbslemmih ، لأنها كانت تتضمّن آيات من التوراة والإنجيل، تكفل، للذين في حوزتهم، الوقاية من الموت والشقاء. بل يُمكن اعتبار كتاب الموتى، الذي كان يعِد بالبعث قدماء المصريّين الذين يُدفنون مع نسخة منه، من هذا الصنف. ولا يخفى عليك أيها القارئ المولع بالحاسوب، أنّه، مع ظهور البريد الإلكتروني والهاتف الخلوي، عرفت الرسائل المتسلسلة شيوعاً منقطع النظير، لا سيّما في العالم الإسلامي.كذلك فإنّ الجينات قد يطرأ عليها التعديل noitatum خلال التطوّر، كما قد يحصل تعديل على الرسائل المتسلسلة من قبل النسّاخ. إمّا عمداً، بالتنقيح أو بالزيادة والنقصان، وإمّا سهواً بوقوع أخطاء في عمليّة النسخ. وأيضاً على غرار بعض الأنماط الجينيّة التي تنشأ عن مقايضة بين جينات الوالدين، قد تنشأ بعض الرسائل المتسلسلة عن تبادل مقاطع من رسائل عدّة ، كما هي الحال مع الرسالة السابقة، التي لفّقتُها من عدة رسائل متسلسلة.على غرار الرسائل المتسلسلة، تنتشر الشائعات انتشار النار في الهشيم. وعلى سبيل المثال، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول سنة ,2001 شجّعت موجة الذعر التي اجتاحت أميركا على نشر شائعة، مفادها أن رجلا أو امرأة من أصل شرق أوسطي، أسرّ إلى مواطن أميركي، لقاء معروف أو خدمة أو مساعدة مالية أسداها إليه الأميركي، بأن يمتنع عن شرب الكوكا كولا أو البيبسي كولا أو غيرهما من المشروبات بعد الأوّل من حزيران من سنة 2002. وبالرغم من أنّه لم تظهر، بعد هذا التاريخ، أي عوارض تسمّم على شاربي الكوكا كولا أو البيبسي كولا، ولم يتمّ القبض على أيّ عربي أو شرق أوسطي متلبّساّ بالجريمة، ما زالت هذه الشائعة كالفيروس، تواصل انتشارها في روايات مختلفة ومتجدّدة، مرجئة دوما تاريخ التسمّم إلى وقت لاحق.من طريف الشائعات ما قام به جحا. فقد أطلق كذبة بين أهالي القرية بأنّ ثمّة عرساً يُقام في أحد بيوت الوجهاء. وسرعان ما انتشر الخبر في القرية، وتوافد الناس من كل حدب وصوب إلى العرس. فما كان من جحا، بعد أن رأى هذا الإقبال الكثيف على العرس، أن صدّق الخبر وانطلق معهم. كم من الدعاة الذين أطلقوا الخرافات والأساطير وروّجوا لها، عادوا وصدّقوها هم أنفسهم!هذه الحكاية عن جحا، هي أيضا، من حيث هي نكتة ناجحة، استطاعت أن تتكاثر في نسخ متنوّعة، وما زالت حتّى الآن مستمرّة في البيئة الثقافيّة.لو كان جحا أشدّ دهاءً، واكتفى بالإخبار بأن ثمّة تجمّعاً سوف يحصل في ساحة القرية، لأصبح قوله من التنبّؤ الذي يحقّق ذاته ycehporp gnillifluf-fles. إذ إنّ التنبؤ الذي يحقّق ذاته هو الذي مجرّد التصريح به يسبّب حصوله. وذلك لاعتقاد الأفراد الذين لهم تأثير على سير الأحداث، بصدقه. مثال ذلك ما حصل في لبنان من ارتفاع في سعر الدولار، حين لوّح الرئيس الأسبق كميل شمعون بورقة المئة ليرة وأعلن أن الدولار، الذي كان آنذاك بقيمة خمس ليرات، سوف يبلغ المئة. هذا التصريح دفع الناس إلى تحويل العملة اللبنانية إلى الدولار، ممّا أدّى إلى ارتفاع سعره. ومن قبيل هذا التنبؤ أيضاً، إعلان أحد الحكماء عن مجيء مخلّص ينقذ الأمّة. فصدور هذا التكهّن عن شخص يتمتّع بالحكمة والنفوذ والمصداقيّة، يدفع ببعض الأفراد، جيلاً بعد جيل، لأن يحاول القيام بدور المخلّص حتّى يتّفق لأحدهم النجاح. فيُقال عندئذٍ إنّ النبوّة قد تمّت.ومن الأقوال التي تتواتر بسرعة الشعارات الجدارية ittifarg. من الشعارات التي فرّختها الحرب الأهليّة في لبنان العبارة:... مرّ من هنافما من جدار في بناية، تعاقب عليها المتحاربون، إلا وتقع على شهادات من مختلف الجماعات والأفراد تنادي بفتوحاتهم:الصاعقة مرّت من هناالمرابطون مرّوا من هناأبو الجماحم مرّ من هناإلخ...هذا الفيروس الذهني العربي ليس سوى تحوير لجرثومة أميركيّة أطلقها مفتّش المسافن (موضع بناء السفن) كيلروي yorliK .J semaJ إبّان الحرب العالميّة الثانية. فبعد تفقّده للسفن قيد البناء وتثبتّه من إنجاز البرشمة (البرشام هو المسمار العريض) على أيدي العمّال، كان يوقّع على ألواح السفينة:ereh saw yorliKأي:كيلروي كان هنابالنسبة للجنود الأميركيين الذين أبحروا لاحقاً في هذه السفن، بدت العبارة وكأنّها لغز مغلَق. فراحوا، على سبيل المزاح، يكتبونها أينما حلّوا. وهكذا انتشرت في كل الأمكنة، حتّى في الأمكنة غير المتوّقع وجودها، مثل قمّة إفرست وتمثال الحريّة وقوس النصر في باريس. وتناقلتها الشعوب بأسماء مختلفة. إلى أن تفشّت أخيرا، بعد تعديل طفيف، في أذهان أشاوس الحرب اللبنانيّة.لا تنسوني:عادل مرّ من هناهذه الأمثلة ليست سوى جزء بسيط من المعلومات التي تخضع للتطوّر. فمعظم المنتوجات الثقافيّة تتبع آليّات مماثلة لتلك التي تتحكّم بتطوّر الجينات. يمكن مشاهدة التطوّر في نشوء اللغات وتقدّم العلوم وتحوّل الإيديولوجيات. وأدلّ مثال على التطوّر الإيديولوجي ما شاهده القرن العشرون من تعديلات طرأت على الماركسيّة في اللينينيّة والماويّة والتروتسكيّة والغرامشيّة إلخ. ولا شكّ بأنّ من أهمّ المحصّلات الحضاريّة التي تخضع للتطوّر هي العقائد والأديان. ونظراً لحساسيّة الموضوع، أكتفي هنا بوضع نصب عينيك، أيّها القارئ العقلانيّ، ثلاثة نصوص تُظهر لك كيفيّة تطوّر قصة الطوفان من الحضارة السومريّة مروراً بالحضارة البابليّة إلى التوراة. فتأمّل:1. النصّ السومري:قرّر مجمع الآلهة أن يفني البشر من على الأرض، أن يمحوهم تماماً بطوفان عظيم يغطّي وجه الأرض كلّها ... فقرّر إنكي الخروج عن إجماع الآلهة... وقرّر إنقاذ الإنسان. خطرت له فكرة عظيمة حين نظر إلى الأرض فرأى البشر جميعاً، واختار من بينهم ملكاً حكيماً اسمه زيوسدرا... وكان يحكم مدينة شروباك ... كان تقياًّ ورعاً، راعياً لمعبد الآلهة... فقرّر إنكي أن يوكل إليه مهمّة تنفيذ خطّته. في ذلك اليوم توجّه زيوسدرا إلى المعبد. وبعد أن قدّم الطقوس للآلهة، أدركه التعب، فنام في المعبد، ورأى حلماً لم يرَ له مثيلاً من قبل... لقد رأى إنكي يقف قرب جدار، وسمع الإله إنكي يناديه:<قف قرب الجدار على يساري واسمع: لقد قرّر الآلهة إرسال طوفان عظيم يقضي على البشر... اصنع سفينة ضخمة، واحمل بذرة من كلّ ذي حياة، حتّى لا تفنى الحياة من على الأرض. ويوم يأتي الطوفان أقفل سفينتك عليك وامخر عبابه>. نهض زيوسدرا من نومه، وأيقن ... أنّ عليه أن ينفّذ مشيئة الإله إنكي. فبنى سفينته الضخمة التي لم يعرف سرّها أحد.. وذات يوم هبت العاصفة كلّها دفعةً واحدة، ومعها انداحت سيول الطوفان فوق وجه الأرض، ولسبعة أيّام وسبع ليالٍ غمرت سيول الأمطار وجه الأرض، ودفعت العواصف المركبَ العملاق فوق المياه العظيمة ... ولسبعة أيّام احتجبت الشمس، وعكف أوتو خلف الغيوم السوداء يرقب دفق المياه وغضبها، المياه التي أفنت الحياة من الأرض وأغرقت فيها كل شيء. وفي اليوم الثامن، ظهر أوتو ناشراً ضوءه على الأرض، وفتح زيوسدرا كوّةً في المركب الكبير، تاركاً أشعّة البطل أوتو تدخل منه. فخرّ زيوسدرا أمام أوتو، ونحر ثوراّ، وقدّم ذبيحةً من الغنم ... بعد الطوفان، أينعت الأرض بالخضرة... ونمت الأشجار، وتكاثر البشر فملأوا بقاع الأرض.2. النص البابلي:قال اوتانابشتيم لجلجامش:<. فعمل نوح بحسب ما أمره به الله. ... وبعد سبعة أيّام كانت مياه الطوفان على الأرض ... وأغلق الربّ عليه.وكان الطوفان أربعين يوماً على الأرض، فكثرت المياه وحملَت السفينةَ فارتفعت عن الأرض ... وكثرت المياه جدا جدا على الأرض، فتغطّت جميع الجبال الشامخة التي تحت السماوات كلّها... فهلك كلّ ذي جسد يدبّ على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش، وجميع ما تعجّ به الأرض، والناس كافةً... وأمَرَّ الله ريحاً على الأرض فسكنت المياه. وانسدّت عيون الغمر وكوى السماء واحتبس المطر من السماء. وراحت المياه تتراجع عن الأرض، ونقصت... واستقرّت السفينة في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر منه، على جبال أراراط. وكانت المياه لا تزال تنقص إلى الشهر العاشر، وفي أوّل يوم منه ظهرت رؤوس الجبال.وكان في نهاية الأربعين يوماً أن فتح نوح نافذة السفينة التي صنعها، وأطلق الغراب، فخرج وراح يتردّد إلى أن جفّت المياه عن الأرض. ثمّ أطلق الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الأرض. فلم تجد الحمامة موطئاً لرِجلها، فرجعت إليه إلى السفينة... انتظَر سبعة أيّام أُخر وعاد فأطلق الحمامة من السفينة. فعادت إليه الحمامة وقت المساء وفي فمها ورقة زيتون خضراء. فعلم نوح أنّ المياه قلّت عن الأرض. وانتظر أيضاً سبعة أيّام أُخر ثمّ أطلق الحمامة فلم ترجع إليه ثانيةً. ... فرفع نوح غطاء السفينة ونظر فإذا وجه الأرض قد جفّ. ... فخرج نوح وبنوه وامرأته ونسوة بنيه معه، وجميع الوحوش والحيوانات الدّابة والطيور... وبنى نوح مذبحاً للربّ، وأخذ من البهائم الطاهرة ومن جميع الطيور الطاهرة فأصعَدَ محرَقات على المذبح. فتنسّم الربُّ رائحةَ الرضى... وبارك الله نوحاً وبنيه وقال لهم: انموا وأكثروا واملأوا الأرض.بالطبع لا ينحصر التطوّر في النصوص، فمعظم المعطيات الحضاريّة من عادات وطقوس وفنون وتكنولوجيا تتعدّل وتنتشر ولا يبقى منها سوى الأصلح.إذا رأينا في التناسخ، كما يرى العالم البيولوجي رتشارد دوكنز snikwaD، الميزة التي تختصّ بها الجينات، سوف يظهر لنا أنّ هذه الميزة لا تنحصر بها. فبالإضافة إلى الفيروس والبرامج التي تقوم على الخوارزميّات التطوّريّة، كثير من المعلومات الثقاقيّة هي من المتناسخات rotacilper. لذلك وجد دوكنز أنّ ثمّة حاجة ملحّة لتخصيص الوحدات الثقافية التي تتناسخ باسم يوحي بفكرة النقل noissimsnart الثقافي. لإبراز الشبه بين الجينة وهذا المتناسخ الجديد، اختار دوكنز اسماً من نفس وزن كلمة <جينة>، فأطلق على الوحدة الثقافية التي تنتقل عبر الأذهان اسم <الميمة> emem، اشتقاقا من كلمة emenm اليونانيّة التي تعني الذاكرة yromem. ولذلك يُعرف العلم الذي يبحث في الميمات باسم <الميمياء> scitemem.<ثمّة أمثلة للميمات في الموسيقى والأفكار وفواتح الكلام وموضة الأزياء، وطرق صنع أواني الفخّار أو بناء القناطر. وكما أنّ الجينات تنتشر في الحوض الجيني بالقفز من جسد إلى آخر بواسطة الحيامن diozotamreps والبويضات، كذلك تنتشر الميمات في الحوض الميمي، بالقفز من دماغ إلى آخر، بعمليّة يمكن وصفها بالتقليد noitatimi، بالمعنى العام> (دوكنز: eneg hsifleS ehT). لكن خلافاً للجينات التي ينحصر انتقالها في اتجاه واحد: من الوالدين إلى الأبناء، فالميمات، حالها كحال الفيروسات، يمكن أن تنتقل بين أيّ فردين. وبالتالي بينما يحتاج نقل الجينات إلى جيل كامل، تنتشر الميمات بسرعة قصوى وإلى عدد أكبر من الأفراد، خصوصاً بعد شيوع الإنترنت. علاوةً على ذلك، يبدو أنّه أسهل على الميمات أن تتقبّل التعاديل، لكون الدماغ أكثر مرونة من الدنا، وفي اتّصال بعدد أكبر من الميمات المختلفة. لذلك، ليس من المستغرَب أن لا يكون الجينوم البشري، خلال العشرة آلاف سنة الماضية، قد طرأ عليه أيّ تعديل يُذكر، بينما الحضارة البشريّة شهدت نموّا هائلا. إذا كان تطوّر زعانف الأسماك إلى قوائم الزواحف استغرق أكثر من مئتي مليون سنة، وتطوّر القوائم الأماميّة إلى أجنحة الطيور استغرق المدة ذاتها، فتحويل عجلات السيّارات إلى أحذية، في العالم الثالث، لم يحتج سوى إلى بضع سنوات:ليس من الضروري قصر الميمات على البشر، كما يفعل بعض الميميائيّين. فبعض الحيوانات كالقردة والدلافين والطيور تتناقل ما بينها بعض العادات والمهارات المكتسبة.من الأمثلة المتعارفة هي عادةُ غسل الطعام عند السعادين. ففي سنة ,1952 ألقى بعض الباحثين، في جزيرة كوشيما اليابانيّة، البطاطا الحلوة على الشاطئ إلى السعادين. ومع أنّ السعادين كانت تستمتع بأكل البطاطا، لكنها كانت تنزعج من الرمل العالق عليها. إلى أن وقع أحد السعادين على طريقة للتخلّص من الرمل، وذلك بغسل البطاطا في البحر. فما إن لاحظ بعض السعادين هذا الأمر حتّى أخذ بتقليده. وهكذا انتشر هذا السلوك تدريجيّاً بين جميع سعادين الجزيرة. ومن التوارث غير الجيني بين الطيور، انتقال الأغاني بين الزِيغان الرماديّة (الزاغ، وجمعه الزيغان، هو ضرب من الغربان الصغيرة) في جزر نيو زيلاند dnalaeZ weN . فمن بين قائمة الأغاني التسع المنتشرة في هذه الجزر، كان كلّ فريق من ذكور الطيور المتجاورة ينفرد بأغنية أو أكثر. وكان الذكور من أبناء هذه الطيور يكتسبون بالتقليد أغنية الفريق الذي ينتمي إليه آباؤهم، تماماً مثلما يحصل في اكتساب اللهجات عند البشر. والعجيب في مجتمع الزيغان هذا أنّه حدث تطوّر ميمي على الأغاني. إذ نجمت أنماط جديدة من الأغاني عن تغيير في بعض النغمات (النوطات)، ومزج مقاطع مختلفة من قائمة الأغاني الموجودة. وفي بعض الحالات وُرّثت هذه الأنماط إلى رعيل جديد. أليس هذا تطوّرا ميميّا بالانتخاب؟ بالطبع يبقى الإنسان هو الكائن الميميائي بامتياز. فالدماغ، الذي هوحاملٌ elcihev للميمات، هو الأكثر نموّاً عند الإنسان منه عند سائر الحيوانات. فقط، النوع البشري، كما يشدّد دوكنز، <يُظهر حقيقةً ما يمكن أن يفعله التطوّر الثقافي. فضروب الأزياء والأنظمة، والطقوس والعادات، والفنّ والهندسة، والإلكترونيّات والتكنولوجيا، تتطوّر في التاريخ بشكلٍ يُشبه تطوراً جينياً متسارعاً>.من البديهي أنّ الكائنات العضويّة تتفاعل مع بعضها. فقد يقوم بين البعض منها تعاون noitarepooc، وقد ينشب بين البعض الآخر تنافس noititepmoc. من عجيب الأمثلة على التعاون العلاقة القائمة بين التماسيح وطيور التَوْرم المصريّ. فهذه الطيور تدخل في أشداق التماسيح وتأكل العَلَق وسائر الطفيليّات دون أن تتعرّض لها التماسيح بأذى، وبذلك تكون قد أمّنت لنفسها الغذاء وخلّصت التماسيح من الطفيليّات. ومن أمثلة التنافس الصراع على المكان الأريض yrotirret (المكان الذي كثر عشبه وازدهى وحسن في العين) وعلى الإناث بين ذكور بعض أنواع الحيوانات، وكذلك المزاحمة بين النبات على ضوء الشمس والماء والتربة، بحيث إنّ بعض الأشجار، كشجر الجوز الأسود، يفرز مواد سامّة من جذوره، لمنع نموّ الأعشاب في جواره. وكلّ من التعاون والتنافس قد يؤدّي إلى تطوّر متساوق noituloveoc. فالتطوّر المتساوق إنّما يحصل بين الأنواع أو الفرقاء، عندما يؤدّي تطوّر نوع أو فريق إلى تطوّر النوع أو الفريق الآخر، وبالعكس. أي عندما يؤثّر تطوّر أحدهما على تطوّر الآخر، وبالعكس. أمّا مجرّد تلاؤم أو تكيّف noitatpadaoc بين نوعين أو فريقين، تطوَّرَ كلّ واحد منهما بمعزل عن الآخر، أي دون تأثير تطوُّر أحدهما على تطوُّر الآخر، فلا يمكن اعتباره من التطوّر المتساوق. من الحالات العديدة على التطوّر التعاوني بالتساوق ما يحصل بين بعض أنواع الزهور وبعض أنواع الحشرات. فالزهور تستخدم الحشرات لنقل لقاحها، كي تستطيع أن تتناسل، والحشرات تستغلّ الزهور بانتزاع الرحيق منها. ومن جميل الأمثلة على ذلك، التساوق في التطوّر الذي حصل في مدغشقر بين ضرب من زهور الأوركيد (السحلبيّات) dihcro يُعرف باسم eladepiuqses muceargnA والفراشة الملقّبة بِـ atcidearp inagrom napohtnaX. فكلّما تزايد طول الأنبوب الذي تحتفظ زهرة الأوركيد في أسفله بالرحيق، تزايد طول المِرشفة التي تمتصّ بها الفراشة الرحيق، حتّى أصبح، على مرّ الدهور، طول الأنبوب ثلاثين سنتيمتراً وطول المرشفة خمسة وعشرين سنتيمتراً:والمُدهش في الأمر أنّه عندما عُثر على هذا الضرب من الأوركيد، لم تكن الفراشة المذكورة معروفة، ولم تُكتشف إلاً بعد سنوات عدة. لكن داروين كان قد تنبّأ بوجودها قبل سنوات من اكتشافها، ولذلك وُصفت بالـ atcidearp أي المُتَنبّأ بها. هذا التنبّؤ العلمي يشبه تماماً ما قام به عالم الرياضيّات الفرنسي لو فريه reirreV eL، حين تنبّأ، انطلاقاً من اضطرابات في مسار كوكب أورانوس، بوجود كوكب جديد، اكتُشف لاحقاً، وعُرف باسم نبتون. ولا شكّ بأن مثل هذه التنبؤات العلميّة التي تتحقّق تزيد من تأييد النظريّات.خلافاً للتطوّر التعاوني بالتساوق، قد يحوِّل التطوّر التساوقي التنافسي الأنواع والفرقاء إلى ألدّ الأعداء. فالخطر الداهم للضواري rotaderp يدفع بالفرائس yerp لتطوير قوائم أسرع وقشور أصلب وتمويه أفضل. ممّا يُطلق العنان للضواري لأن تطوِّر بدورها قوائم أسرع وأنياباً أقوى وبصراً أحدّ. وهكذا ينجرف المفترس والفريسة في سباق محموم أشبه بسباق التسلّح. ما نشهده من تطوّر تنافسي بين الحيوانات كما بين الثعلب والأرنب والفهد والغزال...إلخ، يحصل أيضاً بين الباثوجينات أي الجراثيم المؤذية وعوائلها. فعندما تتوصّل الخلايا B إلى تطوير أنتي ـ أجسام تتعرّف على الفيروس وتقضي عليه، لا يستسلم الفيروس عادةً، بل يروح يتطوّر حتّى لا يقع في قبضة الأنتي ـ أجسام، وتطوّر الفيروس هذا يستدعي بدوره تطوّر الأنتي ـ أجسام. وهكذا دواليك في تسابق مستمرّ.كما بين الجماعات والأفراد، ثمّة تعاون وتنافس بين الجينات داخل الفرد. فالأليلات elella أي البديلات الجينية، كالتي تُبدي ألوان العيون، تتنافس في ما بينها. والجينات التي تُبرمج لأجهزة مختلفة تتعاون مع بعضها. فصلابة الأنياب وحدّتها مثلاً تتلاءم وقوّة المعدة والأمعاء.مهما كان الصعيد الذي يحصل عليه التعاون أو التنافس، إن كان صعيد النوع أو الجماعة أو الفرد، فالمصلحة أوّلاً وأخيراً تعود إلى الجينات. إذ من طبع الجينات أنّها أنانيّة hsifles، بمعنى أنّ الجينات لا تعمل إلاّ من أجل نفسها، لا من أجل الحامل أو الناقل لها elcihev، أي الفرد الذي يتفاعل مع البيئة. همّها الوحيد أن تتناسخ، فكلّ ما تبتغيه أن تنتقل إلى الجيل التالي. أمّا الفرد الحامل لها، فهو مجرّد وسيلة لأن تتكاثر. وبتعبير شائع: ليست الدجاجة سوى وسيلة للبيضة لأن تصنع بيضة أخرى.قد يبدو أنّ هذا الطرح، الذي أطلقه دوكنز، يتعارض مع ما نشهده من ظواهر الإيثار أو الغيريّة msiurtla عند بعض الكائنات الحيّة، حيث يتصرّف الفرد وكأنّه يتخلّى عن منفعته الخاصّة لمصلحة الغير. ومن عجيب هذا السلوك ما تقوم به فئة من الأميبات abeoma (حيوان يتكوّن من خليّة واحدة، ويمتاز بشبه أرجل وبقشرة رقيقة) تُعرف بالأَكرَزِيّات selaisarca. هذه العضويّات الأُحاديّة الخليّة تعيش منفردةً في التربة وتغتذي بالبكتيريّات. لكن ما إن ينفق الغذاء حتّى تلتصق ببعضها لتؤلّف جسما متعدّد الخلايا يتحوّل من شكلٍ إلى آخر إلى أن يرتفع أخيراً على شكل فطر مؤلّف من ساق يعلوه كيس بَوْغيّ (البَوْغ erops بذور الأميبات). والهدف من ذلك إتاحة الفرصة للبوغ لأن يحمله الهواء إلى مكان يتوفّر فيه الغذاء. فبينما الأميبات التّي تشكّل الساق تموت، تنعم الأميبات، التي تتغلّف بالكيس، بالبقاء.أليس هذا السلوك من قبل الأبيمات التي تختار أن تُكوّن الساق هو من الأعمال النبيلة التي تستدعي التضحية بالذات من أجل إنقاذ الأبيمات الأخرى الموجودة في الكيس؟ فقط في الظاهر. إذ إن الانتخاب لا يهدف إلى الحفاظ على الفريق أو الجماعة noitceles puorg، ولا إلى الحفاظ على الفرد، بل إلى الحفاظ على الجينة. فخلايا الساق التي ترتضي الموت لا تخسر جيناتها، إذ إنّ كل أميبة من الأميبات التي تشكّل الفطر، غالباً ما تحمل الجينوم نفسه. وبالتالي، فأميبات الساق التي تضحّي بنفسها، إنّما تفعل ذلك للبقاء على جيناتها. وهكذا تكشف هذه الغيريّة الظاهرة عن أنانيّة الجينة.مثل الجينات،كذلك الميمات هي أيضاً أنانيّة، ولا تأبه للأدمغة التي تحتويها. فما الدماغ سوى وسيلة الميمة لأن تصنع ميمة أخرى. فكلّ العباقرة الذين يحملون أفكاراً ورؤى عظيمة هم إلى زوال، لكنّ أفكارهم ورؤاهم تبقى في الحوض الميمي. لا تغترّ، أيّها القارئ المثقّف، بالخلود، فأنا وأنت لسنا سوى أدوات. وكما يقول دنّت: ما المثقّف ralohcs سوى وسيلة للمكتبة لأن تصنع مكتبة أُخرى:إنّ الأنانيّة هي التي تدفع بالميمة لأن تتعاون مع الميمات التي تعزّز بقاءها، وتتنافس مع الميمات التي تتنافى معها. فكما أنّ بعض الجينات تجد في الاجتماع معاً دعماً للتناسخ، كذلك قد تنضمّ بعض الميمات إلى بعضها، لتؤلّف مركبّات ميميّة xelpemem، تعزّز مقدرة كل ميمة على التناسخ. من الأمثلة البسيطة على هذا التركيب، اجتماع ميمة <إنسخني> مع ميمة الترغيب أو ميمة الترهيب، في بعض الرسائل المتسلسلة. ولا شكّ بأنّ هذا التكامل بين الميمات يتجلّى بأبهى مظاهره في المركّبات الميميّة الشاملة، كالأديان والعقائد والإيديولوجيّات. ففي الأديان السماويّة، تتضافر كثير من الميمات مثل: اللـه، الخير، الشر، الخلود، الجنّة، النار، الهداية إلخ...، على مساندة بعضها، ممّا يحقّق لها قوّة انتشار واسعة.مثلما يحدّد التنافس بين الجينات التطوّر البيولوجي، يحدّد التنافس بين الميمات الأذهان والحضارات. وغالباً ما يؤدّي التنافس بين الميمات إلى تطوّر متساوق، وبالتالي إلى تقدّم الحضارات. فالتنافس في التكنولوجيا والعلوم والفنون والاقتصاد ...إلخ، هو الذي أوصل البشريّة إلى هذا الازدهار الحضاري الذي نشهده في القرن الواحد والعشرين. لكن أحياناً قد يقود التنافس بين الحضارات المُغلقة والمتشدّدة إلى صراع عنيف ينتهي بهيمنة الحضارة الأقوى.بما أنّ حامل الجينات هو نفسه حامل الميمات، أي الكائن العضوي، فمن البديهي أن يقوم تعاون بين بعض الجينات وبعض الميمات. إذ ما يزيد من قوّة الحامل يعود بالنفع على المتناسخات التي ينطوي عليها، وبالتالي من المتوقّع أن يتمّ انتخاب الجينات والميمات التي تتعاون على تعزيز بقاء وتكاثر الحامل. وفي الواقع، أدّى التعاون بين الجينات والميمات إلى تطوّر متساوق. فأسلافنا الأوّلون الذين حظوا بدماغ أكبر بقليل من دماغ سواهم، أمكنهم الاستفادة من بعض الميمات كاستعمال أدوات الصيد وطبخ الطعام والاكتساء والتواصل بلغة بدائيّة إلخ... ممّا أهّلهم لجذب عدد أكبر من الأزواج وبالتالي الحصول على نسل أوفر. وهذا الوكن ehcin الثقافي البدائي، المتنامي مع النسل الجديد، دفع بدوره إلى انتخاب الأفراد الذين يمتازون عن غيرهم بدماغ أكبر. وهكذا دواليك، إلى أن أدّى هذا التطوّر المتساوق إلى نموّ دماغ الإنسان إلى حجمه الضخم والرقيّ بالحضارة إلى مستوى شديد التعقيد.لكن، مع ذلك، قد يحدث أن تتعارض أنانيّة الميمة مع أنانيّة الجينة. وأوضح مثال على ذلك الرهبنة في الديانة المسيحيّة. فالتبتّل يمنع الرهبان من توريث جيناتهم. فلو كان التبتّل ناجماً عن جينة، لآل إلى زوال، لأنّه يحول دون توريث جينته. لكن التبتّل ينتشر لكونه ميمة تخوّل حاملها التفرّغ لنشر الدعوة، وبالتالي نقل هذه الميمة وسائر الميمات التبشيريّة المتلائمة معها إلى أوسع عدد من الأفراد. وقد يؤدّي التنافس العنيف بين الميمة والجينة إلى جعل الأبطال والشهداء والمجاهدين يضحّون بأرواحهم، في سبيل دين أو عقيدة أو إيديولوجيّة، وذلك بغية توريث هذه الميمات وترسيخها، على الرغم من خسارة بعضٍ من حامليها. لا غَرْوَ من أن ترى، أيّها القارئ، في سلوك أولئك الأبطال منتهى البذل والعطاء، وأنت الذي نشأ على العرفان بالجميل، إنّما الميميائيّون لا يرون في ذلك سوى محض الأنانيّة. فالميمة، مثل الجينة، لا تبحث إلا عن تحقيق انتشارها.إلى أيّ مدى، يا ترى، يمكن دفع المماثلة بين الجينياء والميمياء؟ هل هناك في الميمياء ما يقابل التمييز الأساسي في الجينياء بين النمط الجيني epytoneg، أي مجموع الجينات الخاصة بكائن عضويّ ما، والنمط الفيني epytonehp أي السمات الظاهرة التي تعود لهذا الفرد كلون العين وشكل الأنف... إلخ؟ فالنمط الفيني هو الذي يتفاعل مع البيئة، ويوفّر للجينات إمكان الانتقال وتحقيق التناسخ. يرى البعض أنّ ما يقابل النمط الجيني epytoneg في الميمياء، والذي يُعرف لذلك باسم النمط الميمي epytomem، هو مجموعة التصوّرات الذهنية العائدة إلى فرد ما. وبالتالي فالنمط الفيمي epytomehp، المقابل للنمط الفيني epytonehp ، يمكن رؤيته في كل نوع من السلوك تتجلّى فيه هذه التصوّرات، أو أيضاً ما ينتج عن هذا السلوك. فاللغات وأنساق العلامات عامةً، هي التي تُتيح للتصوّرات أن تنتقل من ذهن إلى آخر وتتناسخ. وكذلك المصنوعات، فالدولاب مثلاً هو وسيلة فعّالة لانتشار فكرة الدولاب في الأذهان. لكن، حتّى عند تبنّي هذه الثنائيّة في الأنماط، يبقى فارق مهمّ بين التطوّر الجيني والتطوّر الميمي. فبينما، في التطوّر الجيني، أيّ تعديل يقع على النمط الفيني أي على السِمات الظاهرة لا يؤثّر في الجينات، وبالتالي لا ينتقل إلى الأجيال اللاحقة، تنتقل التعاديل التي تجري على الأنماط الفيميّة من ذهن إلى ذهن آخر. فالتطوّر الذي يحصر التوريث بالتعديل الجيني فقط يُسمّى التطوّر الدارويني، نسبةً إلى العالم الشهير داروين. أمّا التطوّر القائم على توريث التعديل الذي يقع فقط على السِمات الظاهرة أي على النمط الفيني فيُعرَف باسم التعديل اللاماركي، نسبةً إلى العالم الفرنسي لامارك kcramaL. فقبل داروين كان لامارك يظنّ خطأً أنّ السمات التي يكتسبها الكائن الحيّ إبّان حياته يورثها لأبنائه. فبنظره تتمتّع الزرافة بعنق طويل لأن الأجيال السابقة من الزرافات جاهدت في مطّ عنقها لتطال أوراق الأشجار العالية، وهكذا توارثت الزرافات التزايد المكتسب في طول العنق على مرّ الأجيال. وكذلك يعتقد لامارك أنّ الملاكم مثلاً، الذي يكتسب عضلات قويّة بالتمارين الرياضيّة، سوف يورث هذه السِمة إلى أبنائه. لكن، ما رأيك، أيها القارئ، لو أنّ فردا بُترت يده، فهل تظنّ أنّه سيولِد ابناً مبتور اليد؟ طبعاً لا. إن كانت نظريّة لامارك لا تصحّ على التطوّر الجيني، فعلى الأقلّ يبدو أنّها قد تنطبق على التطوّر الثقافي. فالتنقيحات التي يُجريها الأفراد على النصوص، والتحسينات التي يقومون بها على المصنوعات تنتقل من فرد إلى آخر وتتناسخ. من كلّ ذلك نخلص إلى أنّ التطوّر الميميّ، أي الثقافي، قد يجمع بين التطوّر الداروينيّ والتطوّر اللاماركيّ. ففي التطوّر الميميّ يمكن إجراء تحسينات على النمط الفيميّ في مراحل مختلفة من الخوارزميّة التطوّريّة، قبل الانتخاب أو بعده، أو بعد المقايضة أو أيضاً بعد التعديل. لكن عادةً يجري التحسين بعد التعديل. وعليه يمكن وصف الخوارزميّة الميميّة mhtirogla citemem بشبه الكودة الآتية:التي يختصرها هذا المخطّط الإسرائيّ:يجب التنبّه إلى أنّ التحسين هو عمليّة مغايرة للتعديل. فبينما التعديل هو عمليّة عشوائيّة عمياء تقع على الميمات، فالتحسين عمليّة مقصودة تعتمد على المعرفة ويتمّ إجراؤها على النمط الفيمي.ومن هنا يتضح أنّ الخوارزميّة الميميّة هي خوارزمية هجينة dirbyh تجمع بين الخوارزميّة التطوّرية والمعرفة.في الفنّ التطوّري، تطبيق الخوارزميّة الميميّة يُتيح للفنّان أن يجري التغييرات التي يراها مناسبة على الأنماط الفينيّة للرسوم التي تنشأ عن التطوّر. فقد يحوّل مثلاً الرسم:إلى: أو إلى أي رسم آخر يحلو لعينيه. وهذه التغييرات يتم توريثها إلى الأجيال اللاحقة من الرسوم. لانّ الخوارزميّة الميميّة تقبل التوريث اللاماركي.ليست كل ميمة تستقرّ وتنمو في الذهن، فكم من الميمات تمرّ مرور الكرام:<يا أهل العراق، إنّ الشيطان قد استبطنكم، فخالط اللّحمَ والدم، والعَصَبَ والمسامع، والأطرافَ والأعضاءَ والشَّغاف. ثمّ أفضى إلى الأمخاخ والأصماخ. ثمّ ارتفعَ فعشّش. ثمّ باض وفرّخ. فحشاكم نِفاقاً وشِقاقاً، وأشعركم خِلافاً. واتّخذتموه دليلاً تتّبعونه، وقائداً تُطيعونه...>. بهذه العبارات البليغة، استطاع الحجّاج بن يوسف، في إحدى خطبه الشهيرة، أن يماثل بين الدورة الحياتيَّة للجرثومة والدورة الحياتيّة للميمة. فكما أنّ الفيروس يمرّ بعدة مراحل بدءاً من إيجاد خليّة ينزل ضيفاً عليها، إلى أن تسنح له الفرصة لإتلاف دنا الخليّة ومن ثمّ استغلال آليّتها في استنساخ ذاته حتّى يستنفد كل المواد، كذلك الميمة تحتاج إلى مراحل مشابهة تؤدّي إلى تكاثرها. فهي أوّلاً تحتاج إلى مضيف tsoh تعتال عليه، أي أنّها تحتاج لذهن قابل لاستيعابها. فإن تحقّق لها ذلك، كان لا بدّ لها أن تعشّش في الذاكرة، أعني أن تمكث مدة تُتيح لها الانتشار الأوسع. إذ كلّما طال مكوث الميمة في الذاكرة، توفّرت لها الفرص في الوصول إلى أذهان الآخرين. لكن، من أجل تبليغ الآخرين، وبالتالي من أجل التكاثر ، كان على الميمة الحاصلة في الذهن، أن تفرّخ على غرار البيضة، أي أن تتمظهر بهيئات فيزيائيّة، كالكتابة والقول والرسم والسلوك. فهذه الأمور والأفعال القابلة للمشاهدة، هي المخوَّلة لأن تبيض ميمات مماثلة.من الواضح أنّ التكاثر لا يتسنّى لكل الميمات. فكما أن الكائنات الحيّة تتصارع في ما بينها على بيئة محدودة الموارد، ولا يبقى منها إلا الأصلح tsettif، كذلك تتصارع الميمات، أو بالأحرى تجليّاتها، على بيئة ذهنيّة محدودة الذاكرة، ولا يستمر منها في الوجود إلاّ الأصلح. فكم من الحضارات انقرضت مثلما انقرض كثير من الأنواع الحيّة! وكم من فكرة لم تتجاوز رأس صاحبها، مثل كثير من الكائنات الحيّة التي لم تُفلِح في نسخ ذاتها!لكن ما هو الأصلح؟إذا كان الصدق hturt شرطاً أساسيّاً لبقاء القضايا الخبريّة، ومنها المسائل والنظريّات العلميّة، إلاّ أنّه لا يشكّل معياراً للصلوحيّة بالنسبة لكثير من الميمات، بل إن بعض الحقائق العلميّة لا تلقى أدنى انتشار، لعدم أهميّتها أو منفعتها. بينما كثيرة هي الأساطير والمعتقدات الواسعة الانتشار، بالرغم من أنّها لا تعتمد على الأدلّة، بل على الإيمان. فالإيمان، كما اتفق على تعريفه كلّ النظار، إن في الفكر الإسلامي أو الفكر الغربي، هو:الاعتقاد الصادق من غير دليل،خلافاً للعلم الذي هو:الاعتقاد الصادق لدليل.ولما كان التباين واقعاً بين الأديان، ناهيك عن التباين بين المِلَل والنِحَل، حقّ لإنسان غير مؤمن أو من خارج دين ما، أن يتساءل عن سبب انتشار هذا الدين، الذي هو بنظره لا يفتقر فقط إلى دليل، بل هو كاذب. جواب دوكنز عن انتشار ميمة الدين هو الآتي: <إنّ قيمة البقاء lavivrus بالنسبة لميمة <اللّـه> في الحوض الميمي، تنجم عن فتونها السيكولوجي الكبير. فهي تُقدّم جواباً مقبولاً ...، عن الأسئلة المُغلَقة والمُقلِقة عن الوجود. وهي توحي بأن الظلم في هذا العالم يُمكن تصحيحه في العالم الآخر. وهي تمدّ لنا يد العون والمؤازرة... هذه هي بعض الأسباب التي تجعل من فكرة <اللّـه> سهلة النسخ على الأجيال المتعاقبة من أدمغة الأفراد. فاللّـه يوجد، ولو على صورة ميمة ذات قيمة بقاء عالية، أو على صورة قوّة قادرة على العدوى، في البيئة التي توفّرها الثقافة البشريّة>.إذا كان الصدق لا يشكّل معياراً ضروريّاً حتّى في انتشار المعتقدات التي من شأنها أن تقبل الصدق والكذب، فمن البديهي أن لا دخل له في الميمات التي ليس من شأنها تقبّل ذلك، مثل القيم الأخلاقيّة والشرعيّة والجماليّة ...إلخ.ليس هناك من معيار واحد لكلّ نوع من أنواع الميمات، بل لا بدّ من تضافر عدّة معايير.من هذه المعايير:المنفعة ytilitu: فكل ما يعود بالنفع على الفرد سرعان ما يتقبّله. فالميمة، مثلاً، التي تنمّي ثروته، تحث الكثيرين على تقليدها.الاتّساق ecnerehoc: لا ريب أنّ الميمات التي تتلاءم مع معارف الفرد ورغباته تلقى ترحيباً واسعاً من ذهنه.التوافق ytimrofnoc: فالميمات التي تتوافق مع معتقدات الجماعة ومفاهيمها تحظى بالانتشار. وما لا يتوافق منها تحرّمه الرقابة وتعاقب حامليه.السلطة ytirohtua: من الواضح أنّ الميمات التي تصدر عن شخص يتمتّع بنفوذ ديني أو سياسي أو علمي أو اقتصادي أو فنّي ...إلخ يجري تبنّيها من قبل الأتباع أو المهتمّين بأحد الحقول. من هذا القبيل شيوع التقليد للمراجع العليا عند الشيعة. التجديد ytlevon: إذ من طبع الجديد أن يُلفت النظر ويملأ الفراغ. لكن أحياناً يتعارض هذا المعيار مع معيار التوافق. فنظريّة دوران الأرض حول الشمس احتاجت لوقت طويل حتّى اعترفت بها الكنيسة.الهداية msitylesorp: وهي متحقّقة في الميمات التي تحرّض على نشر نفسها. مثل الرسائل المتسلسلة التي تطلب ممّن يتلقونها أن ينسخوها، ومثل الأديان التي تدعو المؤمنين إلى نشر الدعوة.وعليه، فالميمة الأصلح، التي يقع عليها الانتخاب، هي التي تحوز، مقارنةً بالميمات من الصنف نفسه، أكبر مجموع من النقاط، بالنسبة لكل المعايير.لعلّك، أيّها القارئ المستشرف للمستقبل، تودّ أن تسألني إن كان بالإمكان التوصّل إلى استتلاء gnicneuqes أي تقطيع الميمات، كما هو حاصل في الجينات، وتقييم صلوحيّة هذه الميمات بحيث يمكن التحكّم بنشر الأفكار وتسويقها؟ وبقول آخر: هل بالإمكان تأسيس هندسة ميمية gnireenigne citemem على غرار الهندسة الجينيّة؟ ـ هذا ما تطمح إليه الميمياء.المناعة الميميّةمن عجيب الموافقات، أنّ التمييز القائم في المناعة البيولوجيّة، بين مناعة فطريّة ومناعة مكتسَبة، هو عينه الذي سبق للمعتزلة أن أخذوا به في مجال العقل.فصنّفوا العقل إلى عقل غريزيّ وعقل مكتسَب. فكما أنّ البلاعم التي تشكّل جهاز المناعة الفطريّة تتعرّف تلقائيّاً على بعض الباثوجينات، أي الجراثيم المؤذية، كذلك العقل الغريزيّ يتعرّف مباشرةً على بعض القبائح مثل الظلم والكذب والقتل إلخ... وكما أنّ الخلايا ، التي هي عماد جهاز المناعة المكتسبة، تحتاج إلى التطوّر لكي تطابق الباثوجينات، أي لكي تتعرّف عليها، كذلك العقل المكتسَب يحتاج إلى النظر والاستدلال ليدرك قُبْح بعض الأمور، مثل تلك التي يقرّر قبحها الشرع كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير إلخ. وما يصحّ عندهم على القيم الأخلاقيّة ينسحب أيضاً على القيم الصدقيّة. فالعقل الغريزي يدرك بديهيّاً صدق بعض القضايا، مثل الكل أعظم من الجزء، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية إلخ... أما العقل المكتسب فيحتاج إلى التجربة والإستدلال للتمييز بين صدق وكذب سائر القضايا. والعقل عند المعتزلة هو <جملة من العلوم المخصوصة... يُصبح بها الإنسان قادراً على التمييز بين الحسن والقبيح، واكتساب معارف وعلوم أخرى بالنظر والاستدلال>. أي بلغة الميمياء، فعقل الفرد، أو بوجه أعمّ، ذهنه، هو مجموع الميمات التي تشكّل النمط الميمي الخاصّ به.من الطبيعي أن يكون عند الفرد مناعة ضدّ كل ميمة أو مركّب ميمي يتنافى والنمط الميمي العائد إليه، أي ضدّ كلّ ميمة تُخلّ بالصّحة الذهنيّة، وتكون بمثابة فيروس للذهن. وعلى وجه التحديد هناك تناف بين ميمة ما م ونمط ميمي ن، إن فقط صدق أحدهما وكذب الآخر. أي حين تكون القضيّة المنفصلة الحقيقيّة <ن w م> صحيحة. ومن الواضح أن هذا التنافي القائم بين النمط الميمي والميمات الفيروسيّة هو عينه الذي عرّفنا به التكامل بين الأنتي ـ فيروس والفيروس في المناعة الاصطناعيّة.مثلما تنفرد الأجسام بمناعة خاصة بها، كذلك تختلف الأذهان في مقاومة الميمات الدخيلة. فالذهن المحافظ يرفض تلقائيّا كلّ الميمات الجديدة، والفكر العلمي يقبل بالنظريّات الجديدة إذا كانت متماسكة ومطابقة للواقع، والراديكالي لا يعتنق سوى رؤية واحدة لا يحيد عنها، والعدميّ tsilihin ينبذ الجديد والقديم معاً، والحداثيّ يعتنق كلّ فكرة جذّابة حتّى ولو كانت متهافتة. ولا شكّ بأنّ الميمات المافوقيّة emematem، مثل الإيمان والوفاء، تزيد من قوّة الذهن في مقاومة الميمات الفيروسيّة.كما هو الواقع مع الفيروسات البيولوجيّة والفيروسات الحاسوبيّة، ليس من السهل دوما اكتشاف الميمات التي تتنافى مع معتقدات الفرد. فمن المعروف منذ فرويد أنّ الأفكار التي يأنفها الأنا الأعلى ؟hcireb وتلقى هوىً من الهو sE، قد تتسلّل إلى الذهن متنكّرة بشتّى الصور المجازيّة، مما يتطلّب كل آليّة التحليل النفسي للعثور عليها. هذا التحايل على الرقابة الذي كشف عنه فرويد داخل ذات الفرد، هو حاصل على مستوى المجتمع، سواء درى فرويد بذلك أو لم يدر. فالمحظورات في القانون المدني لا يطالها القانون إذا تستّرت بصور مجازية. ففي أوروبا حيث يمنع القانون الإعلان عن التبغ، تحتال شركة سجاير سيلكات tuC kliS على القانون بتعليق قطعة مقطّعة من الحرير ما إن يشاهدها الإنكليزي حتّى يتبادر إلى ذهنه الكلمات الدالة عليها: klis حرير، tuc مقطّع. وفي فرنسا ثمّة رسوم على الجدار لضوء منفلش يذكّر بعلبة المالبورو. وفي كل البلدان التي تمنع استعمال اسم تجاري مسجّل دون شراء الحقوق، يكفي لشركة ما أن تغيّر حرفاً بآخر يماثله من حيث الصوت حتّى تتملّص من هذا الواجب. فشركة الدهان بيقاسو ossakiP استحوذت مجّاناً على اسم الرسام الشهير بيكاسو ossaciP، وذلك فقط بتبديل حرف c بحرف لا يختلف عنه لفظاً. وما يصحّ على المجاز ينطبق أيضاً على المضمرات التداوليّة، فبالرغم من أنّ قول روبي ybuR <لم أكن أتخيّل يوماً أنّ أوزوالد dlawsO يمكن أن يقتل كينيدي> يفترض سلفاً أنّ <أوزوالد قتل كينيدي>، فهذا الاستسلاف noitisoppuserp لا يُعتدّ به في القانون. أمّا في الشرع الإسلامي فميّزوا بين المجاز البعيد والمجاز القريب، بحيث انّ الأفعال الكلاميّة التي يجري التعبير عنها بمجاز بعيد لا تخضع للعقوبة. فإن أردتَ نعت إنسان بالبخل بقولك عنه <إنّ الفئران تمشي على عكّازات في بيته> لا يُعتبر قولك هذا إهانة، لأنّه من المجاز البعيد. أمّا إذا أردتَ أن تطلّق امرأتك، وقلت لها، بدلا من <أنتِ طالقة>، <حبلك على غاربك> فالطلاق، بنظر كثير من الفقهاء، يقع، باعتبار أنّ هذا القول من المجاز القريب. وأترك للفقهاء أن يبتّوا إن كانت العبارة <سكربيني وشلحتك> أي <حذاء وخلعتك>، الشائعة في بلاد الشام، توقع الطلاق أم لا!مثلما يتمكّن المحتالون من خرق القانون بالطرق المجازيّة، تستطيع الميمات الفيروسية التسلّل إلى ذهنك عبر الاستعارات والكنايات والتوريات وسائر آليّات التخفّي، مهما تحصّنتَ وراء دين أو عقيدة أخلاقية أو حتّى وراء الجهل. ولن تقوى على كشفها سوى بتطوير وسائل التحليل. لكنّني أربأ بك عن أن تفرط في التحليل، فترى المجاز في كل شيء كما يفعل المهووسون بالتفكيك، حتّى لا يقضي الوسواس على مناعتك الذهنيّة: وأخيراً، لا يسعني، أيّها القارئ السليم، إلاّ أن أعتذر منك إن كنت قد أصبتك بعدوى ميمة <الميمياء>. )*( moc.liamtoh@hkafda 1