As Safir Logo
المصدر:

المجلس العدلي يصدر حكمه المبرم في قضية اغتيال كرامي الإعدام مخفضاً إلى المؤبد لجعجع وإلى عشر سنوات لمطر

المجلس العدلي ملتئما (دالاتي ونهرا
جثة الشهيد كرامي داخل الطوافة
صورة تواقيع اعضاء المجلس العدلي على الحكم
اقارب جعجع في غيار ستريدا
اجراءات امنية عند مدخل قصر العدل (بلال قبلان
محام يخضع للتفتيش
المؤلف: خشان فارس التاريخ: 1999-06-26 رقم العدد:8331

كتب فارس خشان: حوّل، أمس المجلس العدلي بأرجوانييه الخمسة، الحكم الذي لفظه علنا في قضية اغتيال الرئيس رشيد كرامي، الى علامة مميّزة في مسار هذا الوطن اللاهث الى عدالة ترتفع مشعة على أسس التجرد والموضوعية والمساواة والمعرفة والتعمق والرحمة... حكم قد لا يكون انتهى الى نيل رضى اصحاب المطالب المحددة ولكنه بالتأكيد آل الى حيث لم يصدم العارفين بالقانون والعدالة... والسياسة، فهو، بمن برّأ وبمن جرّم، لما يماشِ قويا او مستقويا فلما يظلم ضعيفا او مستضعفا... وهو لم يسمح لدماء الرئيس رشيد كرامي التي سُفكت قبل اثنتي عشرة سنة وخمسة وعشرين يوما على صدوره، ان تذهب هدراً ولكنه لم يتوسله لتخطي المطلوب عدلا. الاعدام مخفّفا الى الاشغال الشاقة المؤبدة لقائد »القوات اللبنانية« المحظورة منذ آذار 1994 الدكتور سمير جعجع. الاعدام مخففا الى الاشغال الشاقة عشر سنوات للعميد في الجيش اللبناني خليل مطر الموقوف في سجن وزارة الدفاع الوطني منذ حزيران 1996. البراءة لعنصري جهاز الأمن في »القوات« انطوان شدياق وعزيز صالح من جريمة اغتيال الرئيس كرامي وسجنهما ستة اشهر لحملهما السلاح... ستة اشهر امضوها بالتأكيد فهما مسجونان منذ نحو ثلاث سنوات. البراءة للرائد الاحتياطي كتيل الحايك والرقيب كميل الرامي واطلاق سراحهما ان لم يكونا موقوفين لداع آخر. براءة تحققت للاربعة إفراجا فوريا من سجنهم الى رحاب الاحتفال بالحرية. وتجريماً لجعجع ومطر... فقطع عن الاول، اقله في القريب الآتي، اي امل بعفو خاص وقد ثبت انه قاتل لمن كان سببا رئيسيا في الاستثناءات التي تضمنها قانون العفو العام، وقطع للثاني الى حريته مرحليا السيفين والنجمة التي افنى العمر حتى تعلو منكبيه... إلا ان المجلس العدلي، ومن خلال الحيثيات الواردة في قراره المبرم الذي لا يقبل اي طريق من طرق المراجعة، بدا انه بحث طويلا في امكان ان تكون احكامه على من ثبت تورطهم اقسى من تلك التي انتهى الى اقرارها بالاجماع، خصوصا وان الجريمة استهدفت رئيس الوزراء رشيد كرامي مع ما يمثله من دور مسالم ومكانة سياسية وانسانية وشعبية، الا انه قرأ بامعان مسألتين، الاولى لم ترد صراحة في المكتوب وعنوانها عدم سوق جميع المرتكبين للمحاكمة، والثانية قالها صراحة وتتعلق بالظروف التي كان يعيشها لبنان يوم ارتكاب الجريمة حيث كانت الانقسامات الفئوية والطائفية بين الفئات اللبنانية على اشدها، وقد تغلب منطق الفوضى على منطق الحق والشرعية وشجع انفلات الغرائز، وسقط ضحايا لم يكن لهم اي ارتباط بما كان يحصل... وبالتالي يجب الا يحكم على تلك الفترة من منظار الظروف الحالية لصدور الحكم »وقد انقضت هذه الظروف وتلاشت بعد ان استعادت الدولة كامل مكانتها وشرعيتها كضامن لوحدة المواطنين، مسؤولة عن أمنهم وحياتهم«. وقد اخذ المجلس بالاعتبار ارتباط جريمة اغتيال الرئيس رشيد كرامي بذيول الحرب اللبنانية المنقضية، ومنح المتهمين الماثلين امامه، الاسباب التخفيفية التقديرية. اسباب خففت عقوبة جعجع بحيث ابقت حياته بعيدة من اي مساومات سياسية، ولكنها ابقتها من دون حرية الى »الأبد«، على اعتبار انه المسؤول الفعلي عن ارتكاب الجريمة التي شاءها لتحقيق غايات سياسية حددها بنفسه، واسباب خففت ايضا عقوبة مطر من الاعدام الى الاشغال الشاقة عشر سنوات، لان اشتراكه في تنفيذ الجريمة له ظروف مغايرة للظروف التي دفعت جعجع الى اتخاذ القرار... فجعجع كان القوي وهو كان يريد الاحتماء في افيائه... وجعجع كان »الآمر الناهي« وهو يريد ان يقطف مصلحة شخصية من الانصياع لمخططاته... وجعجع كان قائد القوة الميليشياوية التي تطمح للوصول الى الامساك بالقرار وهو كان احد ضباط المؤسسة العسكرية المصادر قرارها كما دورها. والحكم الى ميزته المتعلقة بالاشخاص المعنيين فيه، فهو غاص في السياسة... تماما كما غاص من ترافعوا من اجله في السياسة... فالحرب اللبنانية التي امتدت بين 1975 و1990 »أضحى لها تعريف قضائي... او أضحى لها نفي قضائي لتعريفات سائدة... فالمجلس العدلي المؤلف من قضاة يمثلون غالبية العائلات الطائفية الاساسية في لبنان اي الموارنة (الرئيس الاول حنين) والسنة (الرئيس احمد المعلم) والشيعة (الرئيس حسين زين) والدروز (الرئيس غسان بوعلوان) والكاثوليك (الرئيس رالف رياشي) لم يجد في تعريف الحرب اللبنانية بالحرب الاهلية ما يستقيم مع منطق ما حصل في لبنان. »ان اضفاء صفة الحرب الاهلية على الاحداث اللبنانية (...) لا يمكن ان يتم استنادا الى تسميات درج البعض من العامة على استعمالها في وصفهم لتلك الاحداث، لعدم دقة هذه التسميات وعدم انسجامها دوما مع واقع الامور. فالظروف والمعطيات التي قامت عليها الاحداث اللبنانية واستمرت عبرها، تميزت بتطورات وتبدلات وتداخلات تمازجت فيها العوامل والمصالح الخارجية مع العوامل والمصالح الداخلية، بشكل يستحيل معه تحديد الاطر الموضوعية لهذه الاحداث للمقاربة بينها وبين المفهوم الصحيح للحرب الاهلية (...)«. في الواقع لم يترك المجلس العدلي شاردة قانونية او واردة الا وناقشها وهو اقترب، وتحديدا بمناقشته مسائل قانون العفو العام وقانون اعراف الحرب، الى حد كبير من النقاش الذي كان وكيل جهة الادعاء الشخصي المحامي بسام الداية قد اثاره في مرافعتيه الاساسية والفرعية، وابتعد الى حد كبير عن الطروحات التي قدمها وكيل جعجع الدكتور ادمون نعيم، وان التقى معه المجلس العدلي في بعض العناوين التي لا تنطبق على القضية التي بين يديه ولم يفاجأ النائب العام التمييزي عدنان عضوم بفحوى الحكم ولا بنتائجه، بل كان يتلو على زميلته الدائمة في هذه الدعوى القاضية ربيعة عماش قدورة توقعاته وقد اتت مطابقة الى حد كبير مع نتائج القرار. لم يعتمد الحكم اسلوب سرد الوقائع انطلاقا من المعطيات التي كونت قناعته، بل لجأ الى سرد الافادات التي اختارها سردا... تاركا لمتهميه وشهوده ان يتكلموا، مقدما سردا موضوعيا وبالتواريخ لتاريخ هذه القضية التي امتد النظر فيها منذ الاول من حزيران 1987، بحيث تحول باب مناقشة الادلة الى المركز الاكثر جاذبية في القرار، حيث ترك للدفاع والادعاء مجال المصارعة واخذ لنفسه دور الحكم الذي يبني قراره على ميزان المنطق. مفخخ الطوافة الرقم 906 التي كانت تقل الرئيس الشهيد من طرابلس الى بيروت في ذاك اليوم الذي بقي مجهولا في التحقيق، اخذ حيزا مهما من الحكم، لدرجة ان القرار اعرب عن اهتمامه بإحدى الافادات التي لم يستكمل التحقيق في فحواها. بحيث لفته التطابق المنطقي بين افادات كل من الطيار انطوان البستاني والعريف السابق ناجي الحصروتي وجوزف طربيه، الامر الذي يؤشر الى شك المجلس العدلي بوجود ترابط بين حادث وقوع طوافة في 16/1/88 وقتل فيه طيار يدعى جورج صدقة وفني من آل الزغبي وتفجير طوافة الرئيس رشيد كرامي، طالما ان »القوات اللبنانية« جندت بين جريمة كرامي وحادثة طوافة 88 من يزودها بمعلومات عن الطوافات والفنيين. في النتيجة مائة وتسعون صفحة ادخلت الضحية والجلاد في كتب الحقيقة الرسمية اللبنانية... لم يتل المجلس العدلي، على عادته، الحكم كاملا بل اكتفى الرئيس حنين بتلاوة الفقرة الحكمية في قاعة خلت من المتهمين.. تماما كما خلت من ذوي الرئيس رشيد كرامي ومن ذوي الدكتور جعجع والعميد مطر... وكأن ضحية الجريمة وضحايا اجرام سياسة الحرب قد توافقوا على الغياب والحضور بالوكالة... والحضور كالأطياف كاستحضار قضيتهم للحرب ولتفاصيلها ولمنطقها المتعارض... الرئيس كرامي اخذ قسطه... فهو مات شهيدا لمنطق الحرب الدموي... الدكتور جعجع اخذ قسطه.. فهو يدفع حريته على مذبح خطايا الحرب.. اراد بنيان الوطن الذي طالما حلم به فأزال من درب حلمه من ازال ولكن السلم أتى ببعض ما كان الرئيس كرامي يريد... فخرج منه الى معتقل لا يدري احد متى تفتح ابوابه. جريمة اغتيال كرامي ارتفعت الى ركام الاحلام... والحكم في قضية ارتفع على بقايا الانكسار. كأنه قدر الرجلين اللذين ما التقيا يوما... احدهما صفى الآخر في الحرب... لينقلب عليه طيفا في السلم الممكن... قضية طويت بحكم مبرم... وقد تفتح يوما من يدري فالمحكومون غيابيا كثر وقد يقعون يوما في قبضة العدالة... فرئيس جهاز الامن في »القوات اللبنانية« ورئيس جهاز المعلومات لديه وقائد البحرية في »القوات« غسان توما وغسان منسى وعفيف خوري (الاول خطط والثاني فجر والثالث قاد الزورق الجاني) حكموا بالاعدام وانطونيوس الياس الياس واسعد كساب كساب وشقيقه الياس وغابي انطوان توما ومخايل زاكي الصانع وجورج قيصر الزغبي حكموا بعشرين سنة اشغالا شاقة. أما التعويضات الشخصية فكانت، بالاخص لورثة الرئيس رشيد كرامي وهم شقيقاه عمر ومعن رمزية وقدرت بألف ليرة لبنانية، فيما ألزم سائر المحكوم عليهم بأن يدفعوا خمسة ملايين ليرة لبنانية للمدعي الشخصي المقدم جمال مواس الذي كان مرافقا للرئيس الشهيد. قضية بحجم الحرب... انتهت فصولها قضائيا. الحكم احال القرار الاتهامي الى المجلس العدلي المتهمين الآتية اسماؤهم الكاملة: 1 الدكتور سمير فريد جعجع والدته ماري من مواليد بشري سنة 1952 لبناني. اوقف وجاهيا في 28/8/1996 ولا يزال. 2 العميد خليل الياس مطر والدته ماري من مواليد الناعمة سنة 1945 لبناني. اوقف وجاهيا في 20/7/1996 ولا يزال. 3 عزيز يوسف صالح والدته ايفون من مواليد بقرقاشا سنة 1957 لبناني. اوقف وجاهيا في 20/7/1996 ولا يزال. 4 انطوان بطرس الشدياق والدته نبيهة من مواليد بشري سنة 1960. لبناني اوقف وجاهيا في 20/7/1996 ولا يزال. 5 الرقيب كميل بطرس الرامي والدته سعاد من مواليد جديتا (البقاع) سنة 1959 لبناني. اوقف وجاهيا في 6/7/1996 ولا يزال. 6 غسان انطوان توما والدته اليس من مواليد سبعل (زغرتا) سنة 1957. لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 7 غسان يوسف منسى والدته مريم من مواليد حلتا (البترون) سنة 1957 لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 8 عفيف بدوي خوري والدته ماري من مواليد ذوق مكايل سنة 1960. لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 9 انطونيوس الياس الياس، المعروف بانطونيوس الياس عبيد او بطوني عبيد، والدته ماري من مواليد متريت (بشري) سنة 1960 لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 10 جوزف حنا منصور سكر والدته هند من مواليد بشري سنة 1965. لبناني. اوقف غيابيا في 22/10/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 11 اسعد كساب كساب والدته حنة من مواليد بيت كساب 1964 لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 12 الياس كساب كساب والدته حنة من مواليد بيت كساب سنة 1961 لبناني. اوقف غيابيا في 20/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 13 كابي انطوان توما والدته اليس من مواليد سبعل (زغرتا) سنة 1962 لبناني. اوقف غيابيا في 27/8/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. 14 مخايل زاكي الصانع والدته مريم من مواليد بزبينا (عكار) سنة 1959 لبناني. اوقف وجاهيا في 23/8/1994 ولا يزال متواريا عن الانظار. 15 جورج قيصر الزغبي والدته بديعة من مواليد مجدل الكورة سنة 1945 لبناني. معروف »بروني«. اوقف غيابيا في 20/9/1994 ولا يزال متواريا عن الانظار. 16 الرائد المتقاعد كيتل جانو الحايك والدته اولغا من مواليد سن الفيل 1953 لبناني. اوقف غيابيا في 1/10/1996 وادخل السجن في 6/3/1998. 17 حسن علي أحمد والدته مريم من مواليد حوش الحريمي 1962 لبناني. اوقف غيابيا في 1/10/1996 ولا يزال متواريا عن الانظار. الوقائع يوم الاثنين الواقع فيه 1/6/1987، قرابة الساعة 10،9 صباحا، وفيما كان دولة الرئيس مجلس وزراء في حينه، المغفور له رشيد كرامي، متوجها بطريق الجو جريا على عادته في مثل هذا اليوم، من طرابلس الى بيروت، مستقلا طوافة عسكرية من طراز بوما رقمها 906، تابعة للجيش اللبناني، وبصحبته الوزير الدكتور عبد الله الراسي وآخرون، وبوصول الطوافة الى المجال الجوي فوق البحر، غربي منطقة رأس الشقعة، انفجرت عبوة بداخل الطوافة ادت الى مقتل الرئيس كرامي وجرح بعض الاشخاص المتواجدين فيها. وتبين من التحقيقات المجراة، ومنها التقرير المنظم من قبل اللجنة العسكرية المعينة من قبل قيادة الجيش بتاريخ 1/6/1987 برائة العميد الركن سامي الشيخة، ومن الافادات المعطاة ممن استمعت اليهم اللجنة المذكورة، انه بتاريخ 31/5/1987 وحوالى الساعة 30،12 جرى اتصال هاتفي من قبل الضابط رشيد افيوني من معلومات الشمال بمكتب قائد الجيش، طالبا وضع طوافة لتأمين نقل الرئيس كرامي والوزير الراسي من زغرتا وطرابلس صباح يوم 1/6/1987، فاتصل الرقيب روني حنا هاتفيا من غرفة العمليات الجوية الرئيسية بالرقيب وليد الصيداوي المسؤول في غرفة عمليات مهبط ادما، وابلغه حوالى الساعة 50،19 من مساء يوم 31/5/1987 بوجوب تجهيز طوافة الساعة 30،8 من اليوم التالي لنقل الرئيس كرامي، كما اتصل ايضا بقاعدة القليعات الجوية وبمخابرات منطقة الشمال واعلمهما بالأمر. وفي الساعة 30،20 من اليوم نفسه اتصل المؤهل اول فايز ناهض رئيس فئة الحذر في الملعب البلدي في جونية، التابع لمهبط ادما، بالرقيب وليد الصيداوي مستفسرا عن مهمات اليوم التالي فابلغه بها، ومن ضمنها مهمة روتينية لنقل فنيين الى قاعدة القليعات، ومهمة استقدام الرئيس كرامي من طرابلس بنفس التاريخ. وقرابة الساعة 30،21 ابلغ الرقيب صيداوي هاتفيا الضابط الطيار حنا سليلاتي قائد مهبط ادما والضابط الطيار درويش حبيقة قائد سرب طوافات ادما عن المهمات المقررة. بتاريخ 1/6/1987، وقرابة الساعة 25،7، تلقت غرفة العمليات في مهبط ادما أمر مهمة جوي رقم 351، لوضع طوافة بوما لنقل الرئيس كرامي والوزير الراسي على ان يكون الاقلاع من المهبط في ادما الساعة 30،8 صباحا. وكان الفنيون هناك قد بدأوا منذ قرابة الساعة 45،6 بتجهيز طوافات البوما الاربع رقم 906 و908 و909 و911، فعمد الرقيب الأول موسى إبراهيم والرقيب الأول يوسف الياس والرقيب الأول إبراهيم داغر الى تجهيز الطوافة رقم 906. وكان قد سبق ذلك بتاريخ 29/5/1987 ان قام المؤهل الأول جوزف حجيلي باجراء كشف فني على الطوافة 906 المذكورة فلم يلفت نظره أي شيء غير طبيعي فيها، الا انه في اليوم التالي بتاريخ 30/5/1987، واثناء كشفه الفني ما قبل الطيران على طوافتين احداهما الطوافة رقم 906 لفت نظره ان الكبسولتين العلويتين لتثبيت الاطار البلاستيكي للنافذة اليسرى الموجودة وراء الكرسي المعد للرئيس كرامي عادة، منزوعتان من مكانهما، فقام بتثبيتهما. في الساعة 30،7 من صباح يوم 1/6/1987، اقلعت الطوافة 908 بقيادة الضابط الطيار ميشال منسى بمهمة روتينية ككل يوم اثنين تتعلق بنقل فنيين من مهبط ادما الى قاعدة القليعات الجوية في الشمال، وكان من المعروف لدى بعض الفنيين في مهبط ادما، منذ اليوم السابق، ان الطوافة 908 ستقوم بتنفيذ هذه المهمة. اما الطوافتان رقم 909 ورقم 911 فكانتا مؤهلتين مبدئيا للتوجه الى قبرص كونهما مجهزتين بخزانين اضافيين للوقود، لم تكن الطوافة رقم 906 مجهزة بمثلهما مما يجعلها مؤهلة للقيام بمهمات داخلية فقط. حوالى الساعة 45،7 ابلغ الرقيب اول إبراهيم داغر من قبل الرقيب صيداوي بوجوب اقلاع طوافة الساعة 30،8 بمهمة الى قبرص فحدد داغر الطوافة 911 لهذه المهمة وتم تعيينه فنيا مرافقا لها. اما الطوافة 909 فلم يكن قد تقرر لها أية مهمة في ذلك اليوم حتى تلك الساعة. قرابة الساعة 30،8 صباحا من نفس اليوم عادت الطوافة رقم 908 من القليعات وقد نفذت مهمة نقل الفنيين الى هناك، وما ان حطت في ادما حتى اقلعت منها الطوافة 906 بقيادة الضابطين الطيارين وليم مليس وانطوان البستاني، وبرفقتهما الفني جوزف إبراهيم، وكانت الساعة تقارب 35،8، ومهمتها استقدام الرئيس كرامي والوزير الراسي من زغرتا وطرابلس. تزامن اقلاع الطوافة 906 مع اقلاع الطوافة 911 الى قبرص بقيادة الضابط الطيار عبد الله سالم والضابط الطيار بولس معلوف وبرفقتهما الفني إبراهيم داغر. قبل اقلاع الطوافة رقم 906 من مهبط ادما باتجاه الشمال، اتصل ربانها ببرج المراقبة في ادما وطلب من غرفة العمليات فيها اذنا بالاقلاع. بوصولها الى منطقة البوار وقبيل تركها لهذه المنطقة اتصل الربان مجددا بمهبط ادما كالعادة وابلغ من فيه بأنه يترك المجال الجوي لهذه القاعدة لينتقل الى موجة غرفة العمليات الجوية الرئيسية في اليرزة، ثم اتصل بهذه الغرفة، واعلمها بأنه اصبح على موجتها بمحاذاة منطقة شكا، على طريق الذهاب، ثم اعلم غرفة العمليات الرئيسية بانتقاله الى موجة قاعدة القليعات واتصل بهذه الاخيرة، كما اتصل بها عند وصول الطوافة فوق بلدة زغرتا واعلمها بمكانه. وقد حطت الطوافة 906 في زغرتا قرابة الساعة 50،8 دون ان تطفئ محركاتها، فصعد اليها الوزير عبد الله الراسي وبرفقته بعض الاشخاص، منهم اميل فرنجية وزوجته، ووهيب الخواجة، ومايز ابو ضاهر، وجلس الراسي كعادته على الكرسي الموجود في الناحية اليمنى من الطوافة مقابل الكرسي المخصص للرئيس كرامي في ناحيتها اليسرى. استغرق مكوث الطوافة في زغرتا حوالى الدقيقتين، اقلعت بعدها الى طرابلس. بعد الاقلاع اتصل ربانها بقاعدة القليعات واعلمها بمكان توجهه، وقبل ان يهبط بطوافته في معرض طرابلس اعلمها بوصوله الى مقصده. بعد ان حطت الطوافة في طرابلس قرابة الساعة التاسعة، ادخلت اليها بعض الاغراض الخاصة والمواد الغذائية ووضعت جميعها في مؤخرتها، وصعد اليها الضابط جمال المواس، مرافق الرئيس كرامي وتفحص بالكشف النظري الكرسي الامامي للجهة اليسرى من الطوافة والذي يجلس عليه الرئيس كرامي عادة، فلم يتنبه الى امر غير عادي فيه، ثم لحق به حرس الرئيس كرامي ومنهم الضابط خالد علم الدين، وإبراهيم القاضي، وطلال بارودي، ومحمد طبش، وخالد ريما، واحد الاطباء من آل السنكري، وجلسوا في اماكنهم، ثم صعد الرئيس كرامي، والمستخدمة لديه هلا علم، وجلس في الكرسي المخصص له داخل الطوافة. اقلعت الطوافة باتجاه بيروت قرابة الساعة 04،9 بعد ان مكثت في طرابلس حوالى ثلاث دقائق، لم يشاهد احد خلالها أي شخص يقترب من مقعد الرئيس كرامي، وكان الوزير الراسي طيلة الوقت جالسا في مقعده مقابل المقعد المذكور. بعد اقلاع الطوافة من طرابلس، وبوصولها الى علو يقارب 300 قدم، اتصل ربانها بقاعدة القليعات الجوية واعلمها بمغادرته للمكان. وقرابة الساعة 10،9، وبوصول الطوافة الى محاذاة رأس الشقعة، وفي النقطة المحددة التي يترتب على جميع الطيارين عند وصولهم اليها مخاطبة قاعدة القليعات الجوية لاعلامها بمغادرتهم لنطاقها الجوي، اتصل الربان مجددا عبر جهاز اللاسلكي بالقاعدة المذكورة وابلغها بمغادرته لنطاقها الجوي وبأنه سينتقل الى موجة غرفة العمليات الجوية الرئيسية في اليرزة، ولما انتقل الى هذه الموجة الأخيرة لم يتمكن من التكلم معها إذ سمع عبر الجهاز ربان الطوافة رقم 911 التي كانت متوجهة الى قبرص يخاطب غرفة العمليات الرئيسية ويعلمها بمكان تواجده في منطقة »كوكلا« منتصف الطريق الجوي بين بيروت وقبرص، فكان على ربان الطوافة 906 الانتظار للحظات لانتهاء التخاطب بين الطوافة المتوجهة الى قبرص وغرفة العمليات الرئيسية، وقبل ان يتمكن من اجراء هذا الاتصال حصل انفجار في الطوافة من الجهة اليسرى وتحديدا وراء مقعد الرئيس كرامي، الذي قذفته قوة العصف مباشرة من مكانه الى ارض الطوافة حيث استقر جثة...، وقد اختل توازن الطوافة نتيجة الاعطال التي لحقت بها بفعل الانفجار، وتعطل الطيار الآلي، وفقدت السيطرة عليها فهوت مقدمتها نحو البحر، الا ان الضابطين الطيارين مليس والبستاني عادا فتمكنا من السيطرة عليها، وقد بقي احد محركاتها للجهة اليمنى صالحا، في حين تعطل محركها الايسر واتجها بها نحو الشاطئ فوق بلدة البترون في محاولة للهبوط على اليابسة. الا انهما ادركا تعطل الجهاز الذي يؤمن انزال عجلات الطوافة، فقررا التوجه الى قاعدة حالات الجوية بسبب توافر وسائل الانقاذ والاطفاء هناك، حيث انزلاها على احدى جهاتها، وعمد من تواجد في المكان الى المساعدة على اخلاء الركاب ونقلهم الى المستشفيات فيما بقيت جثة الرئيس كرامي داخل الطوافة. أكد التقرير المنظم بتاريخ 12/6/1987 من اللجنة العسكرية التي يترأسها العميد الشيخة ان ما حصل للطوافة 906 لم يكن نتيجة عطل فني، وان الانفجار قد حصل بداخلها، ولم يتأت من الخارج بفعل قذيفة او ما شابهها، بدليل الآثار الظاهرة على هيكلها، كما ان مصدر الانفجار لم يكن الحقائب والاغراض التي أدخلت الى الطوافة والموضوعة في مؤخرتها كونها بقيت جميعها سليمة بعد الانفجار، وان سببه عبوة ناسفة وضعت داخل الطوافة خلف مقعد الرئيس كرامي المعتاد، بين جدار الطوافة والقماش الداخلي الذي يغلفه، وان قوة العبوة تقدر بحوالى 200/ غرام وزنتها حوالى /2700/ غرام ومجهزة ببطارية ماركة YUASA قوة 12 فولت 6 امبير، مع جهاز لاقط لاستلام اشارة التفجير الآتية عن بعد بواسطة جهاز تحكم (REMOTE- CONTROL). أفاد النقيب شربل برق، عضو اللجنة، المذكورة بالتقرير المنظم والملحق بتقريرها، ان جهاز الالتقاط الخاص بالعبوة يمكن ان يعمل على موجة تتراوح بين 130 الى 180 ميغاهرتز او على موجة تتراوح بين 420 الى 500 ميغاهرتز، وهذه الفئة الاخيرة من الموجات مخصصة للمحترفين وموجودة على أجهزة متطورة، وان هذا الجهاز اللاقط اذا كان موصولا بمأخذ أرضي (TERRE) داخل الطوافة يمكنه ان يستقبل اشارات على مدى 80 كلم، أما اذا لم يكن موصولا بمأخذ فيمكنه ان يستقبل الاشارات حتى مدى 3 كلم فقط، وان اشارة التفجير التي تلقاها الجهاز اللاقط مصدرها جهاز مرسل، موجود على اليابسة او في البحر. (...) وتبين انه في اليوم التالي لعملية الاغتيال، وتحديدا في 2/6/1987، تلقت وكالة الصحافة الفرنسية في باريس مخطوطا بقي مجهول المصدر، تتبنى بموجبه منظمة باسم الثائر الاسلامي مسؤوليتها عن تنفيذ عملية اغتيال الرئيس كرامي. سبق الحادثة وضع سياسي متناقض ومتشنج بين الرئيس كرامي من جهة والقوات اللبنانية وعلى رأسها الدكتور جعجع من جهة اخرى، نظرا للتضارب في مواقفهما السياسية بسبب مواقع الطرفين المتباعدة واختلافهما في رؤية الحلول الواجب اعتمادها لإنهاء الازمة اللبنانية المتمادية والمتفاقمة، والتي أصبحت في تلك الفترة أمام الحائط المسدود. وبالفعل، بتاريخ 15/1/1986 سقط الاتفاق الثلاثي لإنهاء الحرب اللبنانية الذي رعته الدولة السورية، وكان التوافق عليه بين الاطراف الاساسية للنزاع المسلح في لبنان، أي حركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، والقوات اللبنانية بقيادة ايلي حبيقة من جهة اخرى، وقد جاء سقوطه اثر الانتفاضة العسكرية التي قادها جعجع على تيار القوات اللبنانية المؤيد لحبيقة وللاتفاق. وكان من نتائج هذه الانتفاضة ان سيطر جعجع على قيادة القوات اللبنانية ومؤسساتها وقرّب من مراكز القيادة فيها من كان مواليا له كغسان توما وسواه، وأجبر خصومه في هذه القوات على التراجع الى ما وراء خطوط المناطق التي سيطر هو عليها. وقد أفاد الوزير السابق في حكومة الرئيس كرامي جوزف الهاشم امام المجلس العدلي بصفته شاهدا، انه بالرغم من سقوط الاتفاق الثلاثي استمرت جميع الحوارات متداولة لتمرير بنود هذا الاتفاق، وان الرئيس كرامي كان محرجا بين هذه البنود وبين ما تضمنته الورقة الاصلاحية التي نتجت عن لقاءات سباق الخيل في ايلول من العام 1986، اذ كانت بنود الاتفاق الثلاثي لا تزال طاغية على بعض أطرافه فاصطدم الجميع باللا حل فأدى الامر الى مقاطعة الرئيس كرامي لجلسات مجلس الوزراء، واستمرت هذه المقاطعة لفترة طويلة بالرغم من الجهود المبذولة لوقفها. من جهة اخرى، أفاد الشاهد كريم بقرادوني امام المجلس، وكان في تلك الحقبة نائبا لقائد القوات اللبنانية، ان وجهة نظر هذه القوات كانت هادفة الى وقف مقاطعة الرئيس كرامي، لأنها كانت ترى فيها سلاحا موجها ضد رئيس الجمهورية لإجباره اما على الاستقالة واما على القبول بالاتفاق الثلاثي، فشنت القوات في حينه حمله سياسية إعلامية ضد الرئيس كرامي لتعطيل مقاطعته اذ ان واقع السلطة بحكم هذه المقاطعة كان بيد كرامي، لا سيما وانه ممسك بالمصرف المركزي، فضلا عن ان قناعة القوات كانت تقول بأن استمرار المقاطعة سيفقد رئيس الجمهورية السلطة. وقد تابع الشاهد بقرادوني قوله ان العلاقة بين الرئيس أمين الجميل وسمير جعجع كانت في معظم الاحيان تميل في تلك الفترة الى البرودة أكثر منها الى الحرارة، إلا ان الدكتور جعجع كان يساند الرئيس الجميل محاولا ان لا يتركه تحت ضغط القوى التي ستحمله على القبول بالاتفاق الثلاثي، بحيث ان عنوان الصراع سنة 1987 أضحى إسقاط هذا الاتفاق او القبول به. هذا التوجه للقوات اللبنانية المناهض بشدة لإحياء الاتفاق الثلاثي، الذي كان قد أسقطه جعجع، عبّر عنه هذا الاخير في مقابلة صحافية لمجلة المسيرة الناطقة آنذاك باسم القوات اللبنانية في عددها 81 تاريخ 16/5/1987، والمبرزة نسخة عنها في جلسة المحاكمة العلنية، حيث أعلن جعجع في هذه المقابلة موقفه الصريح من الرئيس كرامي وقد جاء في المقال ما حرفيته: »... منذ سنة ونحن ننسق مواقفنا مع الحكم وكل جهودنا انصبت على محاولة الخلاص من كرامي وحكومته للوصول الى انفراج ما، وعندما استقال الرئيس كرامي بسحر ساحر، كانت المفاجأة ان الرئيس الجميل لم يمش بالاستقالة (...) ليس هناك من أسباب او معطيات يملكها الحكم وتمنعه من اتخاذ القرار، والسبب الحقيقي هو في تهيب الموقف وعقدة الخوف من سوريا وجو الاحباط الذي يحوط به (...) ان الرئيس الجميل أخطأ في تردده وعدم قبوله الاستقالة فورا، ويتحمل مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من محاذير عدة، ومنها ان رئيس الجمهورية بامتناعه عن قبول الاستقالة يتحمل بالتكافل والتضامن مع رئيس الحكومة مسؤولية كل ما حصل في خلال العام الماضي من تدهور سياسي واقتصادي (...)«. »وان الرئيس كرامي سيخرج منتصرا او يكون الرجل القوي وفي يده كل المبادرة بعد ان يكون أظهر نفسه العنصر الثابت في النظام، اي العنصر الذي لا غنى عنه، فيما غيره غير ضروري ويمكن الاستغناء عنه، علما ان الحكم يترك المجال لسوريا لتضع يدها في قوة على الازمة الوزارية مما يقوي سيطرتها على كل شيء حتى على السلطة الوحيدة التي كانت متبقية في يد رئيس الجمهورية وهي سلطة قبول استقالة الحكومة او رفضها، وبذلك تكون الرئاسة فقدت من مضمونها وأفرغت من محتواها او يكون الرئيس الجميل ينفذ من حيث لا يدري ما هدف إليه الاتفاق الثلاثي من إضعاف لهذا الموقع ونكون بذلك وصلنا عمليا الى ما رفضنا قبوله نظريا«. هذا، ولم يكن موقف الدكتور جعجع من الرئيس كرامي مقتصرا على ثنيه ليرجع عن مقاطعته او استقالته، بل كان إصراراً منه على عدم تعيينه رئيسا لأية حكومة جديدة، الامر الذي عبّر عنه جعجع في المقابلة الصحفية نفسها المشار إليها أعلاه وقد جاء فيها ما حرفيته: »أما في حال قبول الاستقالة فإننا نرى الخطوة التالية في تشكيل حكومة جديدة لا توسيع ولا تعويم للحكومة الراهنة، نحن نرفض ذلك بقوة (...) ونحن لا نرفض شروط كرامي للعودة فقط انما نرفض عودته عن الاستقالة ايضا. الرئيس كرامي طرح شروطا ونحن نقول انه حتى لو أعطى شروطا لا نقبل ان يعود الى رئاسة الحكومة ونقف ضد إعادة تكليفه لأننا بذلك نكون رجعنا الى المشكلة نفسها ولكن في شكل آخر... نحن نقبل أي شخص غير كرامي...«. وقد تضمنت المقابلة المذكورة ايضا كلاما آخر للدكتور جعجع جاء فيه ما حرفيته: »اذا لم تقبل الاستقالة واذا ترك الرئيس كرامي الوضع كما هو الآن فإننا مقبلون على تدهور أكبر في الوضع الاقتصادي والمعيشي (...) الرئيس كرامي تحمل المسؤولية قبل الاستقالة والرئيس الجميل يتحملها الآن (...) اذا استمرت العملية كما هي عليه، فإننا (...) مضطرون الى ان نأخذ موقعا متميزا عن الحكم، نحن (...) منسجمون مع أنفسنا ومع طرحنا، لافتاتنا ما زالت مرفوعة في الشوارع (...) سنستمر في ضغوطنا للخروج من المأزق (...) سنضغط على كل من يلزم الضغط عليه (...) الى ما شاء الله وكل شيء وارد (...)«. وقد تبنى الدكتور جعجع امام المجلس العدلي (ص 2014) جميع التصريحات الصادرة عنه سنة 1987 اثر استقالة الرئيس كرامي وأيدها. هذا، ولم تكن في الافق في تلك الفترة سبل واضحة للخروج من المأزق عن طريق الحلول السياسية، وكانت المساعي لدى بعض القوى الفاعلة لا تزال مستمرة لحمل الرئيس كرامي على العودة عن المقاطعة ومن بعدها عن الاستقالة، بالرغم من رفض القوات اللبنانية وعلى رأسها جعجع مبدأ العودة الى ترؤس الحكومة. ومما يعبّر عن عقم الحلول المقترحة ما أدلى به الشاهد الوزير السابق الهاشم امام المجلس العدلي، موضحا انه كانت هنالك استحالة مطلقة لتأليف حكومة جديدة، لان الامر كان يستوجب تكليف الرئيس كرامي لترؤس هذه الحكومة وهذا الواقع كان يعارضه جعجع ولان القوى والفعاليات في بعض المناطق كانت متضامنة مع الرئيس كرامي، فلم يكن هنالك بديل للمقاطعة ولا بديل للاستقالة، والرئيس الجميل كان على قناعة بأنه لا بديل عن كرامي سواء استقال ام لا. من جهة اخرى، ان الخلاف بين الرئيس كرامي والدكتور جعجع لم يكن مقتصرا على الواقع الحكومي، بل كان يتناول معضلات اخرى اساسية تضاربت مواقفهما بشأنها، ومنها قضية الترخيص لإنشاء مطار حالات، فكان كرامي يرفض بشدة هذا الترخيص معتبرا انه يؤلف مشروعا تقسيميا، في حين كان سمير جعجع يصر مطالبا وضاغطا لفتح هذا المطار باعتباره مرفقا حيويا لأهالي المناطق الخاضعة لسلطة القوات اللبنانية. هذا الواقع أفاد به امام المجلس العدلي الشهود كريم بقرادوني محضر المجلس العدلي ص 1290 ونادر سكر محضر المجلس العدلي ص 1090 واميل رحمة محضر المجلس العدلي ص 2036. في هذا الجو المتشنج من الأزمة، الناتج عن التناقض بين مواقف الرئيس كرامي ومواقف الدكتور جعجع وخلافهما حول كيفية الخروج من المأزق وتعطل جميع المقترحات الآيلة الى حل ما، تمت عملية الاغتيال. المفخِخ وتقصي »القوات« وفي التحقيقين الأولي والاستنطاقي، تبين انه بتاريخ 7/7/1987 استمع المحقق العدلي الى الضابط أنطوان أبو عرب، وهو من المسؤولين في مهبط أدما، فأفاده انه اثر عملية اغتيال الرئيس كرامي علم من الضابط وديع فارس ان الرقيب المتهم مخايل الصانع، أحد الرتباء التابعين لقاعدة أدما، طلب من المؤهل أول جوزف حجيلي إذنا لمغادرة مركز عمله بغرض التوجه الى السفارة الفرنسية لملاحقة طلب تأشيرة دخول له الى فرنسا، وان حجيلي شاهد يوم الجمعة في 29/5/1987 الرقيب الصانع داخل الطوافة 906، بالرغم من انه لم يكن في عداد عناصر الخدمة في ذلك اليوم. وباستماع المحقق العدلي للمؤهل جوزف حجيلي بتاريخ 8/7/1987، أفاده انه خلال الكشف الذي أجراه يوم السبت في 30/5/1987 على إحدى الطوافتين رقم 906 و909 لفت نظره ان الكبسولتين العلويتين اللتين تثبتان إطار النافذة اليسرى للطوافة، والتي يقع أمامها مقعد الرئيس كرامي، كانتا فالتتين ومتدليتين فقام بتثبيتهما مكانهما، وانه لاحظ ان البطانة التي بين النافذة المذكورة وخزانة الكهرباء فالتة قليلا فأعاد تثبيتها قبل تثبيت كبسولتي إطار النافذة، لأنه لإعادة تثبيت البطانة يقتضي رفع الاطار قليلا لإدخال البطانة تحته. وأضاف المؤهل حجيلي انه لم يتمكن من التذكر ما إذا كانت هذه الواقعة حصلت في الطوافة 906 أو 909. وانه بعد حصول حادثة التفجير حضر إليه الرقيب الأول مخايل الصانع وطلب منه إذنا للتوجه الى السفارة الفرنسية بخصوص تأشيرة سفر الى فرنسا، مما جعله يعود بالذاكرة الى ما قبل حادثة التفجير حين خيل إليه في حينه ان مخايل الصانع كلّمه من قمرة الطوافة 906 مساء يوم الجمعة في 29/5/1987 ليعلمه بأنه يقوم بكشف على تجهيزاتها، وقد أضاف الشاهد حجيلي بأنه لا يمكن الجزم بأن الصوت الذي سمعه من قمرة الطوافة هو صوت مخايل الصانع. وبسؤال المحقق العدلي المؤهل حجيلي بتاريخ 8/7/87 أيضا انه من المفروض ان يكون أعضاء الفريق الذي كان يعمل تحت إمرته على تجهيز الطوافة 906 ان يكونوا قد شاهدوا هذا الشخص وما إذا كان سألهم عنه في ما بعد أجاب حجيلي: »هذا ما يحيرني فعلاً وقد سألت جان قزي في ما بعد فقال لي بأنه هو الذي صعد الى كابين القيادة لمراقبة كمية الكاز عند تجهيز الطوافة 906 مساء الجمعة 29/5/1987«. وكان حجيلي قد صرح في مستهل إفادته هذه بما يلي: »يوم الجمعة 29/5/87 أجريت تجهيزا بعد الطيران على الطوافة 906 وكان معي جان قزي (رقيب) وأحد الفنيين الذي أستطيع ذكر اسمه بعد الاطلاع على السجلات«. وتبين ان المؤهل أول فايز ناهض صرح أمام المحقق العدلي غنطوس بتاريخ 27/8/1996 ان جان قزي كان من بين ستة يعملون على طائرات البوما. وتبين انه جاء في إفادة الطيار أنطوان دياب البستاني أمام المحقق العدلي بتاريخ 8/8/1996 ما يلي: »ثمة حادث وقوع طوافة حصل في 16/1/1988 قتل فيه طيار يدعى جورج صدقة وفني من آل القزي ويمكن الاستفسار عن هذا الحادث تمهيدا لمعرفة ما إذا كان له علاقة بحادث الطيارة التي كنت أقودها..«. ومن اللافت، ما جاء في إفادتيّ العريف السابق ناجي الحصروتي وجوزف طربيه في التحقيق الأولي في المحضر المؤرخ في 9/8/1996، ان هذا الأخير الذي كان من عناصر القوات جنّد الأول أي الحصروتي وهو من عداد قاعدة أدما لتزويده بمعلومات عن القاعدة وعن مركز الطوافات في الملعب البلدي، وكيفية إصلاحها وأسماء الفنيين الذين يقومون بذلك، وقد زوده الحصروتي بتقارير خطة بهذا الشأن، وكان ذلك بأواخر العام 1987، أي بعد عملية تفجير طوافة الرئيس كرامي وقبل حادثة الطوافة التي قتل فيها الطيار جورج صدقة والفني من آل القزي. وتبين من المحضر المنظم بتاريخ 6/8/1994 من قبل المحقق العسكري المؤهل أول إدمون عباس ان المتهم مخايل الصانع كان من العناصر الفنية في سلاح الجو، يكلف بإجراء كشف فني على الطوافات في قاعدة أدما وفي الملعب البلدي في جونية خلال الفترة التي سبقت اغتيال الرئيس كرامي، وانه أقدم على السفر الى فرنسا بعد حصول عملية التفجير حيث استقر هناك وطلب تسريحه من الجيش بواسطة القنوات الدبلوماسية، وانه عاد الى لبنان في العام 1991 فألقي القبض عليه. وبالاستماع الى المتهم مخايل الصانع بالمحضر المذكور، أفاد انه غادر الى فرنسا في 1/12/1987 وتزوج هناك من فتاة فرنسية، وانه خلال العام 1985 تعرف عن طريق المدعو جورج الخوري على أحد العاملين في جهاز الأمن العسكري التابع للقوات اللبنانية المدعو جورج الزغبي الملقب بروني، وهو يعمل بإمرة راجي عبدو في الجهاز المذكور، وقد عرض عليه الزغبي العمل لمصلحة هذا الجهاز وتزويده بلوائح المسافرين الى قبرص بواسطة الطوافات العسكرية التابعة للجيش اللبناني، فاستجاب لطلبه وراح يستنسخ لوائح المسافرين ويسلمها إليه. وأنه خلال العام 1987 توطدت العلاقة بينهما فطلب منه الزغبي تزويده بمعلومات عن الطوافات العسكرية ونوعها، ونوع الطوافة التي يستقلها الرئيس كرامي، فأخبره بأنها من طراز »بوما« وانه يتم نقله بواسطتها من بيروت الى طرابلس كل يوم جمعة ليعود الى بيروت صباح الاثنين بالوسيلة نفسها. ثم استفهم منه الزغبي عن المقعد الذي يجلس عليه الرئيس كرامي في الطوافة، فأفاده انه واحد من أربعة مقاعد متواجدة خلف قمرة الطيارين، ثم أعلمه بأوقات الرحلات، موضحا له بناء على سؤاله ان الطوافات العسكرية غير مجهزة بآلات تصوير فضائية. هذا، وقد أكد الصانع معرفته براجي عبدو الملقب بالكابتن، وقد عرفه عليه جورج الزغبي مرة قائلا لعبدو: »بنعرفك على حضرتو مخايل« فشعر ان عبدو يعرفه بالاسم من خلال الزغبي. إلا أن المتهم مخايل الصانع نفى أن يكون بتاريخ تسريبه المعلومات للزغبي على علم مسبق بأن القوات اللبنانية كانت تخطط لاغتيال الرئيس كرامي، وأوضح انه لا يتذكر اقترابه من الطوافة 906 أثناء خدمته في مهبط أدما يوم السبت في 30/5/1987، بالرغم من انه عمل في ذلك اليوم على تفقد الطوافات الجاثمة في مهبط أدما ضمن الفريق المكلف بصيانتها وبالكشف عليها. وبالاستماع الى المتهم مخايل الصانع من قبل المحقق العدلي بتاريخ 16/8/1994 أيد إفادته الأولية المبينة أعلاه، مضيفا انه رافق الرئيس كرامي في الطوافة مرتين على الأقل إحداهما كانت الى معرض طرابلس، وأوضح ان الرئيس كرامي كان يجلس على أحد المقعدين المتقابلين وراء قمرة القيادة وانه أعلم الزغبي بهذه الواقعة في حينه. وتبين انه اثر حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة في الذوق بتاريخ 27/2/1994 تم الاستماع بتاريخ 18/4/1994 من قبل المحقق العسكري في التحقيق الأولي، الى الشاهد روبير أبي صعب، أمين سر جهاز الاستخبارات في القوات اللبنانية، لكشف ما يمكن أن يتوافر من معلومات بشأن تفجير الكنيسة، فأفاد انه خلال اجتماعه في العام 1988 ببيار رزق، الملقب بأكرم، رئيس جهاز الاستخبارات في القوات، أخبره هذا الأخير ان غسان توما نجح في عمليتين، الأولى تتعلق بتفجير الطوافة التي أدت الى مصرع الرئيس رشيد كرامي بواسطة جهاز تحكم عن بُعد، والثانية هي عملية تفجير مطرانية الروم الكاثوليك في زحلة خلال العام 1987. أحيلت هذه المعلومات الى المحقق العدلي الأستاذ جوزف فريحة، الذي كان يتولى التحقيق في حادثة الكنيسة، فاستمع بتاريخ 19/4/1994 الى روبير أبي صعب بصفة شاهد، فأيد أمامه ما جاء بإفادته الأولية مما هو مبيّن أعلاه، وقد أيّد أبي صعب أقواله أيضا أمام المحقق العدلي الأستاذ غمرة، موضحا جوابا على سؤال موجه إليه أنه يستحيل على غسان توما، بالرغم من كونه رئيسا لجهاز الأمن في القوات اللبنانية، أن يأمر بتنفيذ عملية كبيرة بحجم اغتيال رئيس الحكومة ما لم يتلق أمرا مباشرا بهذا الصدد من سمير جعجع. وبتاريخ 27/8/1996 استمع المحقق العدلي الأستاذ غنطوس الى روبير أبي صعب فأكد إفاداته السابقة، وأضاف ان سمير جعجع اجتمع خلال العام 1987 بغسان توما وبيار رزق وصارحهما برغبته في القضاء على رشيد كرامي، إلا أن بيار رزق عارض هذه الفكرة باعتبار ان عملية الاغتيال ستؤدي الى تعكير العلاقات بين القوات اللبنانية وبغداد التي كانت تمد هذه القوات بالمساعدات والأسلحة، لأن الرئيس كرامي هو من الطائفة السنية التي كان يحرص الرئيس صدام حسين على تقويتها بوجه العلويين، وبالرغم من معارضة رزق للعملية تجاوب المتهم غسان توما مع رغبة جعجع لتنفيذها وكلف غسان منسى بالتحضير لها وتنفيذها. بتاريخ 10/7/1994 استمع المحقق العسكري الأول المؤهل أول إدمون عباس الى المدعو بطرس الغزال، الذي كان عاملاً في جهاز التنصت التابع للقوات اللبنانية، فأفاد الغزال انه قبل حوالى الشهرين من عملية اغتيال الرئيس كرامي كلفه غسان توما بوضع بعض الخطوط المدنية العائدة لمركزي الجيش اللبناني في مهبط أدما والملعب البلدي في جونية على التنصت وتزويده بالتقارير المتعلقة بهذا الشأن، فنفذ الغزال رغبته، وكان يسلم تقاريره بهذا الصدد الى غسان توما وبيار رزق. وقد تناول التنصت رقم الهاتف الخاص بغرفة عمليات مهبط أدما الذي كان يمكّن المذكورين من الاطلاع على حركة الهبوط والاقلاع في أدما والملعب البلدي. وقد أيد بطرس الغزال إفادته هذه بتاريخ 23/8/1994 عندما صار الاستماع إليه بصفة شاهد من قبل المحقق العدلي. وتبين انه من خلال التحقيقات والاستقصاءات الجارية بشأن عملية اغتيال الرئيس كرامي، توافرت معلومات ان جهاز الأمن في القوات اللبنانية كان يجمع معلومات عن الرئيس كرامي بواسطة أشخاص مدنيين وعسكريين، فتم استدعاء الشاهد سامي عبارة، وهو من عناصر البحرية في القوات، بعد أن وردت معلومات عن مشاركته بأعمال مراقبة للرئيس كرامي، وصار الاستماع إليه بتاريخ 7/1/1995 من قبل المحقق العسكري الأول المؤهل أول إدمون عباس فأفاد: انه كان منتميا الى القوات اللبنانية منذ العام 1981، وكان متوليا مسؤولية الزوارق التابعة لها في نادي اليخوت في جونية، وانه خلال العام 1987 كلفه المتهم عفيف خوري قائد البحرية لدى القوات برصد تحركات طوافة كانت تقل الرئيس كرامي، وقد توجه معه مرة أولى بحراً من مرفأ اليخوت في جونية بزورق يعرف باسم »وحش« واتجها نحو جبيل على مسافة قريبة من الشاطئ، وكان مع عفيف خوري منظار عسكري لونه أخضر، فتوقفا في عرض البحر وراح خوري يجول بنظره برا وجوا وبحرا. وأوضح له انه يترقب مرور طوافة عسكرية دون أن يعلمه في حينه عن تفاصيل أكثر، إنما أعلمه لاحقا ان الطوافة المعنية كانت تقل الرئيس كرامي. وقد انتظرا قرابة الساعة دون أن تمر الطوافة فعادا الى القاعدة البحرية حين طلب منه عفيف خوري بأن يتوجه في اليوم التالي الى النقطة نفسها ليراقب مرور الطوافة بين الساعة 00،9 والساعة 00،11 وان يحدد وقت مرورها. وبالفعل، وفي اليوم التالي أبحر سامي عبارة المذكور بالزورق نفسه وقصد المكان قبالة شاطئ جبيل، وانتظر هناك، إلا أن الطوافة لم تمر، فعاد الى القاعدة البحرية وأعلم خوري بالواقع فلم يعلق على الأمر. وبعد مرور عدة أيام طلب منه عفيف خوري تجهيز زورق »زوين« فحضر غسان منسى وطوني عبد فصعد هو برفقتهما مع عفيف خوري الى الزورق، وانطلقوا باتجاه جبيل، واقتربوا من الشاطئ في برج الفيدار وتوقفوا حيث ثكنة عسكرية للقوات، فأومأ طوني عبيد بيده لأربعة أشخاص كانوا يقفون على تلة مقابلة وتحدث معهم بالإشارة، ثم انطلق الزورق مجددا نحو جبيل في عمق البحر حتى مسافة 700 متر تقريبا، فتنبه في الطريق الى مرور طوافة تحلق فوق حالات، ليعودوا من حيث انطلقوا في القاعدة البحرية، وكان عبيد يتكلم بواسطة جهاز اللاسلكي الخاص بالزورق. وفي نطاق هذه المهمات، لاحظ سامي عبارة ان المتهمين أسعد كساب والياس كساب، وهما ضابطان في بحرية القوات، قاما لوحدهما بعدة جولات مماثلة استخدما فيها الزورق »زوين« بصورة سرية، وكان هو يستلم منهما الزورق عند عودتهما. هذا، وأضاف سامي عبارة بإفادته المذكورة، انه صباح يوم اغتيال الرئيس كرامي، كان موجودا في محطة المحروقات التابعة للقوات في القاعدة البحرية حين حضر أسعد كساب بزورق »هوك« لونه أبيض، رسا به قرب المحطة وترجل، طالبا منه تزويد الزورق بما يحتاجه من محروقات، فنفذ ما طلبه منه، وكان قد شاهد صباح ذلك اليوم غسان منسى الذي حضر الى القاعدة البحرية ومعه شخص يجهله ودخلا مكتب عفيف خوري الى أن أفادهم أسعد كساب بأن الزورق أصبح جاهزا، فتوجه منسى والشخص المجهول اثر ذلك نحو سيارة ب. ام. زيتية، تناول منها هذا الأخير كيسا من النايلون أسود اللون، ثم عاد خوري ومنسى وأسعد كساب والشخص المجهول وتوجهوا نحو الزورق، فقام هذا الشخص بفك جهاز الاتصال في الزورق ووضع مكانه الجهاز الذي كان موجودا في الكيس، وانطلقوا باتجاه جبيل، وقد تولى أسعد كساب القيادة. بعد مرور بعض الوقت سمع عبارة في جهاز الراديو الخاص بسيارته نبأ عبر إذاعة صوت لبنان يفيد ان انفجار طوافة الرئيس كرامي وهبوطها اضطراريا في قاعدة حالات الجوية. وبانقضاء ما يقارب نصف ساعة أو أقل، والوقت بين الساعة 30،10 و00،11 صباحا، عاد الزورق »هوك« وعلى متنه نفس الأشخاص، وقد استلم هو الزورق فلفت نظره الى ان جهاز الاتصال الأصلي العائد للزورق لم يكن في مكانه وكان لا يزال على المقعد، كما لفت نظره ان سلكي الكهرباء الخاصين بهذا الجهاز الأصلي قد نزع منهما »الفيش« الذي يصلهما بالمأخذ الكهربائي للجهاز، فربط بين ما شاهده في ذلك اليوم وبين مهمات المراقبة السابقة التي كان قد تولاها، وما سمعه من عفيف خوري عندما اصطحبه في البحر لمراقبة الطوافة، فأدرك ان من كانوا في الزورق قاموا بتنفيذ عملية اغتيال الرئيس كرامي. هذا وقد أفاد سامي عبارة ان ضابط أمن البحرية جوزف زخور، كونه من المقربين من عفيف خوري، قد يكون لديه معلومات بشأن هذه العملية. وباستماع المحقق العدلي الاستاذ غمره الى سامي عباره بصفة شاهد، بتاريخ 9/1/1995، اكد عباره أمامه ما افاد به في التحقيق الاولي مما هو مبين اعلاه، وباستماعه مجددا من قبل المحقق العدلي الاستاذ غنطوس بتاريخ 29/8/1995 و31/7/1996 اعاد امامه ما ادلى به في افادتيه السابقتين، الا انه اوضح انه لم ينتبه ما اذا كان اسعد كساب قد قاد الزورق يوم 1/6/1987، ام ان عفيف خوري تولى ذلك، مضيفا ان من كان مع عفيف خوري في ذلك اليوم هو غسان منسى ولم ينتبه للاشخاص الباقين الذين كانوا معه. بناء لما ورد في الافادة الاولية لسامي عباره، صار الاستماع بتاريخ 7/1/1995 الى يوسف زخور من قبل المحقق العسكري الاولي المؤهل عباس، فأفاد انه كان من عداد سلاح البحرية في القوات اللبنانية، وانه قبل حادثة اغتيال الرئيس كرامي بحوالى اسبوعين او اكثر لاحظ تردد المسؤولين في جهاز امن القوات ومنهم غسان منسى وطوني عبيد وغيرهم الى القاعدة البحرية حيث كانوا يعقدون اجتماعات مع عفيف خوري قائد القاعدة ومساعديه الياس كساب واسعد كساب، وكانوا يصعدون في زوارق البحرية ويخرجون في عرض البحر ويستخدمون في رحلاتهم اجهزة اتصال غير الاجهزة الاصلية المعتمدة في الزوارق، ويصطحبون معهم أجهزة رصد ومراقبة كالمناظير. وانه في احد الايام، وفيما كان برفقة مالك بيكندي، احد عناصر القاعدة البحرية المقربين من عفيف خوري، في مكتب هذا الاخير، كاشفه مالك متسائلا عن سبب تردد عناصر الامن الى القاعدة، فأجابه خوري بما حرفيته: »قريبا بتسمعوا خبر بيفرحكن كثير«. هذا وبالاستماع الى يوسف زخور من قبل المحقق العدلي الاستاذ غمره بتاريخ 9/1/1995، ومن قبل المحقق العدلي الاستاذ غنطوس بتاريخ 28/8/1995 و31/7/1996، ايد زخور افادته الاولية واوضح ان الزورق الذي كان يستعمله المسؤولون في جهاز امن القوات، في الفترة التي سبقت عملية الاغتيال عند خروجهم في البحر، هو زورق مدني تم الاستيلاء عليه من ميشال زوين اثر حصول الانتفاضة ويعرف باسم »لانش زوين«، وان اسعد كساب والياس كساب كانا يقودان هذا الزورق في الفترة التي كانت فيها عناصر جهاز الامن تقوم بعمليات الاستطلاع. وتبين انه استنادا لاستنابة المحقق العدلي الاستاذ غنطوس تاريخ 13/11/1995 القاضية بجمع معلومات حول حادثة اغتيال الرئيس رشيد كرامي، توافرت معلومات لدى الاجهزة الامنية بأن المدعوة امال عبود امينة سر غسان توما لديها معلومات تتعلق بالعملية، ولدى الاستماع اليها بتاريخ 6/7/1996 من قبل المحقق العسكري الاولي المؤهل حسن الصغير، افادت انها امينة سر المكتب الخاص بغسان توما، وانه بتاريخ 1/6/1987 وصلت الى مكتبها في مبنى جهاز الامن في محلة الكرنتينا، فتفاجأت بخروج غسان توما رئيس جهاز الامن على غير عادة صباحا من مكتبه وبرفقته عفيف خوري، وانه بعد خروجه بحوالى الساعة او الساعة والنصف استلمت هي من غرفة عمليات جهاز الامن في القوات برقية تفيد ان طوافة عسكرية تابعة للجيش اللبناني تعرضت لحادث انفجار مما اضطرها للهبوط في قاعدة حالات الجوية، وقد توالت البرقيات فأفادت احداها عن استشهاد الرئيس كرامي الذي كان على متن الطوافة. واضافت امال عبود ان الخطوط الهاتفية المدنية لمهبط ادما الجوي كانت موضوعة على التنصت من قبل مركز »اوميغا« التابع لجهاز الامن في القوات الذي كان يرسل تقارير التنصت الى قسم التحليل في هذا الجهاز، ولكنها لم تكن تعرف مضمون هذه التقارير. وانه قبل حادثة الاغتيال بحوالى شهر او شهرين كان تداول المسؤولين في جهاز الامن يتمحور حول شعور الجميع بالكره الشديد للرئيس كرامي، بسبب مواقفه السياسية المعادية للقوات ورئيسها سمير جعجع، ومن هذه المواقف رفضه الشديد لمشروع مطار حالات. وبالاستماع الى امال عبود بصفة شاهد، من قبل المحقق العدلي الاستاذ غنطوس بتاريخ 8/7/1996، ايدت امامه ما ادلت به في افادتها الاولية، واضافت ان التقارير التي وردت الى جهاز امن القوات اثر عملية الاغتيال اشارت الى ان من وضع العبوة في الطوافة هو عسكري من قاعدة ادما الجوية انما لا تذكر اسمه، وان ميرنا الطويل زوجة توما اخبرتها ان هذا العسكري اخرجته القوات من لبنان. وبتاريخ 9/7/1996 صار الاستماع الى افادة المتهم عزيز صالح من قبل المحقق العسكري الاولي المؤهل جهاد الخوري، فأفاد انه من عديد جهاز الامن في القوات اللبنانية وكان يتولى وظيفة في شعبة التحليل في مكتب فرز المعلومات التابع لجهاز الامن الذي يرأسه غسان توما، واوضح ان المعلومات المتعلقة بمراقبة ورصد تحركات رئيس الحكومة لم تكن لتصل الى شعبة التحرير حيث يعمل، انما الى رئيس جهاز الامن مباشرة من مصدرها او عن طريق غسان منسى رئيس شعبة المعلومات، واضاف انه كان على علم بأن جهاز الامن في القوات كان يقوم بتطويع بعض العناصر في الجيش اللبناني للعمل لصالحه في المجال الامني دون ان يكون مطلعا على هويات العسكريين الذين عملوا لصالح هذا الجهاز. وبتاريخ 9/7/1996 ايضا صار الاستماع الى شحادة يوسف شواح، من قبل المحقق العسكري الاولي المؤهل جهاد الخوري، فأفاد انه كان رئيسا لغرفة العمليات في جهاز الامن في الكرنتينا، وعلى علاقة مباشرة برئيس الجهاز غسان توما، وانه يوم حادثة الاغتيال وصلت الى غرفة العمليات برقيات تفيد عن هبوط طوافة بصورة اضطرارية في حالات اثر تعرضها لانفجار وكان بداخلها الرئيس كرامي الذي توفي نتيجة لذلك. ثم اوضح انه بصفته احد المسؤولين في جهاز الامن في القوات، كان يشارك في الاجتماعات والمحاضرات التي كانت تتم بحضور غسان توما ورؤساء الاجهزة والشعب في الجهاز، وكان سمير جعجع يلقي بعضا من هذه المحاضرات التي تتعلق بالوضع السياسي، منبها الى سياسة الرئيس كرامي، والى الخلاف الايديولوجي بينهما، وبأن الرئيس كرامي هو من دعاة الوحدة مع سوريا، ومعارض لاستقلال لبنان، وانه السبب في عدم انزال الجيش الى الشوارع في العام 1975 لضرب التنظيمات الفلسطينية، وانه هو من ابتدع فكرة الاعتكاف والمراسيم الجوالة، وان كرامي كان يلح في طلبه من رئيس الجمهورية السعي لازالة حاجز القوات في البرباره على طريق بيروت طرابلس. ثم اضاف شواح انه كان على علم، من خلال اجهزة التنصت في الكرنتينا، بأن خطوط الهاتف في مهبط ادما كانت خاضعة للتنصت من قبل القوات اللبنانية وبإشراف غسان توما. وبالاستماع الى شحاده شواح من قبل المحقق العدلي بتاريخ 10/7/1996 بصفة شاهد افاد امامه بما ادلى به في افادته الاولية، واضاف ان القوات اللبنانية كانت قبل عملية الاغتيال قد علقت يافطات تطالب الرئيس كرامي بالاستقالة وبالترخيص لانشاء مطار حالات، وان الجو في القوات كان مشحونا ضد كرامي. وبتاريخ 15/7/1996 استمع المحقق العسكري الاولي المؤهل اول سمير حنا الى خوسيه باخوس الذي افاد انه من عناصر القوات اللبنانية وكان يتولى مهمة المرافق والسائق الخاص لغسان توما. استدعى المتهم عزيز صالح مجددا بتاريخ 9/7/1996 امام المحقق العسكري الاولي المؤهل اول سمير حنا، وسئل عن المعلومات التي اوردها بحقه خوسيه باخوس، فأفاد انه قبل ثلاثة اشهر من عملية اغتيال الرئيس كرامي استدعاه غسان توما الى مكتبه حيث كان جوزف سكر، المسؤول عن عمليات التصوير في جهاز امن القوات، وكلفه بأن يرافق سكر في جولة استطلاع وتصوير لمهبط ادما التابع للجيش اللبناني، فتوجه في اليوم التالي برفقة جوزف سكر الى مكان يشرف على موقع ادما العسكري وقاعدته الجوية حيث مهبط الطوافات، وقام سكر بتصوير الموقع والمهبط بشكل بانوراما، فيما كان هو يوفر له الحماية مسلحا ببندقية كلاشنكوف، وعند انتهاء التصوير توجها الى طريق كفرحباب غزير وعمد سكر الى تصوير الموقع والمهبط من زاوية اخرى. واضاف صالح انه بعد حوالى اسبوعين استدعاه غسان توما وكلفه مع جوزف سكر بالقيام بجولة ثانية لتصوير الموقع نفسه وايضا تصوير قاعدة جونية الجوية في الملعب البلدي، فنفذ سكر الامر وكان هو يؤمن له الحماية. وانه في الليلة السابقة لاغتيال الرئيس كرامي استدعاه غسان توما الى مكتبه قرابة الساعة 00،22، وكان عنده طوني عبيد وغسان منسى وجوزف سكر، فكلفه بالتوجه في اليوم التالي الى المكان الذي تم منه تصوير موقع ادما، ومراقبة المهبط هناك وافادته لاسلكيا عن الطوافات التي تقلع من القاعدة بين الساعة 00،8 والساعة 00،10 صباحا. وبالفعل وفي اليوم التالي توجه مع جوزف سكر من مبنى الامن الى المكان المعين، وكان مع هذا الاخير آلة تصوير »فيديو« وآلة تصوير فوتوغرافي وجهاز لاسلكي، وبعد حوالى نصف ساعة من وصولهما اقلعت طوافة عسكرية. وفور اقلاعها سمع جوزف سكر ينادي عبر جهاز اللاسلكي قائلا: »طار الحمام« وما ان افاد سكر بذلك حتى طلب منهما التوجه الى القاعدة البحرية، فانتقلا اليها وكان طوني عبيد بانتظارهما، فصعد معهما في السيارة التي كان عزيز يقودها، وطلب منه التوجه الى محلة بعشته على الطريق الساحلية بين البرباره وعمشيت، وهناك ترجلوا من السيارة واخذ عبيد آلة الفيديو من جوزف سكر وبدأ بالتصوير باتجاه البحر. ولما سأله عزيز صالح عن غايته من ذلك اجابه بأنه يصور »الطيارة«، وبعد قليل اذ بطوني عبيد يقول: »بكبسة زر طار دولتو«، ثم صعدوا مجددا في السيارة وعادوا الى مبنى جهاز الامن. وفي وقت لاحق عمد جوزف سكر الى تسليم فيلم الفيديو الى غسان توما. وقد اوضح صالح انه وفقا لتقديره الشخصي ليس بمقدور غسان توما اغتيال الرئيس كرامي دون تلقيه امرا بذلك من قائد القوات سمير جعجع. وبالاستماع الى عزيز صالح بتاريخ 20/7/1996 من قبل المحقق العدلي بصفة مدعى عليه ايد افادته الاولية المعطاة امام المؤهل اول سمير حنا، واوضح انه يوم عملية اغتيال كرامي لم يحصل تصوير لمهبط ادما، وان جوزف سكر شاهد في ذلك اليوم طوافة تطير فقال على الجهاز »طار الحمام«. ثم عاد المحقق العدلي واستمع مجددا الى عزيز صالح بتاريخ 25/7/1996 فأيد الاخير ما افاد به في جلسة 20/7/1996، مضيفا انه في يوم عملية الاغتيال كان دوره مقتصرا على مراقبة الطريق العام في المكان المطل على قاعدة ادما عندما سمع جوزف سكر يقول على الجهاز في الساعة 30،8 عبارة »طار الحمام« دون ان يسأله مقصده منها. وتبين انه بتاريخ 16/7/1996 صار الاستماع الى المتهم انطوان الشدياق من قبل المحقق العسكري الاولي المؤهل اول سمير حنا (...). وتبين انه في ضوء ما جاء بإفادتي انطوان الشدياق وخوسيه باخوس لجهة كيفية انتقال غسان توما الى القاعدة البحرية يوم تنفيذ العملية وما جاء في هذه الافادات عن علاقة بين توما والعميد خليل مطر تم استدعاء امال عبود بتاريخ 8/8/1996 امام المحقق العدلي الاستاذ غنطوس وصار الاستماع اليها مجددا فأفادت بالآتي: انها لا تستطيع ان تجزم ما اذا كان غسان توما وعفيف خوري انطلقا يوم عملية الاغتيال من المجلس الحربي في الكرنتينا وان هذا الامر حصل فعلا ولكن قد يكون تحقق قبل تاريخ عملية الاغتيال. انها على معرفة بالعميد مطر الذي كان يتردد، قبل مصرع الرئيس كرامي وبعده، الى مبنى جهاز الامن بلباسه العسكري ويجتمع بغسان توما ويستعمل الهاتف الدولي في غرفة الاجتماعات ليتصل بأحد انسبائه في الخارج، كما كان يزور توما في منزله في فتقا، وعندما كان هذا الاخير في برج الفيدار في العام 1987 كان مطر يمر بمكتب توما هناك، وان مطر من اقدم الضباط الذين ارتبطوا بعلاقة ودية ومتينة مع غسان توما، وقد تأتت عن ذلك علاقة صداقة بين زوجتيهما. ان العميد مطر كان يتقاضى اموالا من غسان توما بالعملة الاميركية وكان يحضر احيانا الى مبنى جهاز الامن في الكرنتينا فيأخذ بنفسه الاموال، واحيانا اخرى كانت هي (امال عبود) توضبها له ضمن عدة مظاريف، يخصص احدها له شخصيا وثلاثة او اربعة مظاريف لغيره من اتباعه، وكان توما عند عدم تواجد مطر في مبنى الامن يرسل اليه هذه المظاريف بواسطة خوسيه باخوس، وكان يوضع رقم على كل مظروف يشير الى المستفيد منه دون ذكر اسمه. واضافت امال عبود ان غسان توما كان همزة الوصل بين العميد خليل مطر وسمير جعجع، وخلال العام 1984 اقام غسان توما مأدبة عشاء في بلدة رام في قضاء جبيل حضرها الدكتور جعجع وخليل مطر وعدد من القواتيين منهم طوني عبيد وعزيز صالح وخوسيه باخوس وغيرهم. وتبين انه بناء لما ورد في افادة امال عبود حول معرفتها بأن العميد خليل مطر كان يتقاضى اموالا من غسان توما، وبناء لما جاء بإفادتي خوسيه باخوس وطوني الشدياق لجهة تواجد مطر في الزورق يوم تنفيذ عملية اغتيال الرئيس كرامي، تم بتاريخ 17/7/1996 الاستماع لمطر من المحقق الاولي العسكري النقيب محمد ابي حيدر (...). بتاريخ 22/8/1996 استمع المحقق العدلي الاستاذ غنطوس الى الدكتور سمير جعجع بصفة مدعى عليه فاعتذر عن الاجابة على اية من الاسئلة التي طرحت عليه بشأن الدعوى الحاضرة وما جاء فيها بحقه. بتاريخ 3/10/1996 وباستماع المحقق العدلي الى الاستاذ كريم بقرادوني بصفة شاهد افاد بأنه كان قد طالب سنة 1987 باستقالة الرئيس كرامي من الحكومة ولكن هذا الطلب لا صلة له بحادثة الاغتيال، لا سيما وانه بمناسبة عيد العمل في اول ايار من العام 1987 طالب ايضا بهذه الاستقالة كل من حركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي بالاضافة الى القوات اللبنانية. وبسؤاله عن صاحب الامرة في القوات اللبنانية اجاب انها كانت لسمير جعجع دون غيره وان الاجهزة الامنية كانت متصلة به مباشرة. هذا، واذا كانت المستندات والافادات السابق بيانها وفرت معطيات حول الفترة التي سبقت وزامنت اغتيال الرئيس رشيد كرامي، الا ان هذه الافادات وسواها مما تلاها لاحقا توضح المعطيات التي توافرت في الفترة اللاحقة لتاريخ الاغتيال. (...) وبالاستماع الى نادر سكر، عضو مجلس قيادة القوات انذاك، من قبل المحقق العدلي بتاريخ 28/10/1995 افاد انه قبل ايام من ذكرى اربعين الرئيس كرامي حصل اجتماع لمجلس قيادة القوات فأثيرت مسألة الذكرى، ورأى المجتمعون انه ستستغل سياسيا للتشهير بالقوات اللبنانية وبالفعاليات في المنطقة الشرقية، وستكون منطلقا لاتهام القوات بعملية الاغتيال، فتمنى المجتمعون على الشيخ قبلان عيسى الخوري والاستاذ ادمون رزق ان لا يشاركا في هذه الذكرى، الا انهما لم يستجيبا لهذا التمني بل قاما بإلقاء كلمتين في الذكرى، وعندما عادا الى المنطقة الشرقية طلب منهما ان يغادراها ففعلا، وقد اضاف الشاهد سكر ان الدكتور سمير جعجع بوصفه قائدا للقوات كان صاحب القرار بهذا الشأن. وامام المجلس العدلي استمع المجلس في جلسات المحاكمة العلنية الى المتهمين في ضوء ما جاء في افاداتهم في التحقيقات الاولية والاستنطاقية، كما استمع مجددا لمعظم الشهود المستمعين في هذه التحقيقات ولسواهم ممن طلب سماعهم سواء من قبل الدفاع او الادعاء العام والادعاء الشخصي، كما تم سماع بعض الشهود بموجب السلطة الاستنسابية لرئيس هذا المجلس (...). العميد مطر في الأدلة وتقييمها 1 لجهة ما يبنى من أدلة على اعترافاته الاولية والاستنطاقية وفي المحاكمة من جهة أولى: اعترف المتهم العميد خليل مطر في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة بعلمه، استنادا الى ما اخبره به غسان توما، ان مخططا وضع لاغتيال الرئيس كرامي بواسطة عنصرين من القوات غير منضويين لقوات جعجع وبمساعدة المخابرات في الجيش اللبناني وتحديدا احد الضباط فيها. كما اعترف بمرافقته لغسان توما يوم العملية في الزورق، مبررا ذهابه معه بظنه ان تنفيذ العملية سيتم من قبل المخابرات في الجيش، وكان هو على خلاف مع مديرها، مما حمله على مرافقة توما ليشهد الحدث ويكون شاهدا على المنفذين، وفقا لما افاد به في كتابه الموجه الى المحقق العدلي. واعترف من جهة اخرى انه لم يعلم بأن المنفذين هم غسان توما ورفاقه الا بعد ان صعد الى الزورق، ففهم من حديث توما ان هذا الاخير ومن معه سينفذون العملية. ان اعتراف العميد مطر على الوجه المبين يؤلف اعترافا موصوفا، اذ يقر في شق منه بعلمه بعملية الاغتيال، الا انه دفعا لمسؤوليته ينفي في شق ثان معرفته المسبقة بالهوية الحقيقية للمنفذين قبل ان يصبح على متن الزورق، مبررا تواجده هناك بهدف مشاهدة الحدث وليس الاشتراك فيه. ان هذا الاعتراف الموصوف للعميد مطر يخضع لقاعدة التجزئة وفقا لما هو مقرر في نظام الاثبات في المواد الجزائية، الذي يقوم على مبدأ الاقتناع الشخصي، فيكون للقاضي ان يأخذ من هذا الاعتراف ما يتوافق مع قناعته وفقا للادلة المتوافرة، ويهمل ما عداه، الا انه لا يمكنه ان يضيف اليه شيئا ما لم تتوافر في الحقيق ادلة وقرائن مؤيدة للوقائع المضافة، الامر الذي يستدعي التحقق من توافر او عدم توافر مثل هذه الادلة، استكمالا لما جاء في اعتراف العميد مطر او تأييدا له بالشكل الذي ورد فيه. ان ما يدلي به العميد مطر باعترافه لجهة عدم توافر العلم المسبق لديه بحقيقة هوية المنفذين، وما يدلي به من مبرر لتواجده على الزورق تدحضه الادلة والقرائن الآتية: (ألف) اعترف العميد مطر بإفادته الاولية، انه بعد حوالى الاسبوعين من لقائه غسان توما في مطعم »الدلعونا«، حين اخبره هذا الاخير بوجود مخطط من قبل فريق آخر لاغتيال الرئيس كرامي، عاد توما واتصل به الى منزله السبت السابق ليوم الاغتيال، واعلمه برغبته بملاقاته صباح يوم الاثنين في 1/6/1987 بخصوص الموضوع نفسه الذي سبق وحدثه عنه، ففهم مطر، على ما افاد به، ان الامر يتعلق »بعملية كرامي«، ووافقه على ملاقاته بعد ان قال له توما في معرض حوارهما الهاتفي عبارة: »بدنا نسبق الجماعة«. وقد اوضح العميد مطر امام المجلس العدل ظروف ورود عبارة »بدنا نسبق الجماعة«، في افادته الاولية فأدلى ان المحقق العسكري الاولي كتب هذه العبارة دون موافقته بعد ان حصل جدال بينهما بشأن مضمونها، ففهم من المحقق ان لا اثر لها على الموضوع، فألحق المحقق هذه العبارة وقد وضعها ضمن مزدوجين بكلمة »صح« دلالة على انها ملغاة، الا انه نظم محضرا جديدا بهذه الافادة، ضمنه العبارة المذكورة مجددا، ثم عرض المحضر على العميد مطر فوقعه دون الاطلاع على مضمونه ودون ان ينتبه لورود هذه العبارة فيه. ان ما يدلي به العميد مطر من تبرير لتفسير ورود العبارة المذكورة في افادته الاولية غير مقنع لانه يتناقض والقوة الثبوتية الرسمية لمحضر التحقيق الاولي ولعدم ثبوت وجود اي محضر اخر غير المحضر المبرز في الملف، لاسيما وانه ليس في الاوراق ما يفيد عن غاية لدى المحقق لاضافة العبارة المذكورة دون موافقة العميد مطر وخفية عنه. فضلا عن ذلك، ان العميد مطر عاد واكد امام المحقق العدلي ما جاء بإفادته الاولية لهذه الجهة مصرا ان غسان توما قال له خلال حوارهما الهاتفي يوم السبت ما حرفيته: »الموضوع اللي حكيتك عنو بدنا نسبقهم شو رأيك؟«، وتأكيده هذا يتضمن تأييدا لحقيقة صدور هذه العبارة عنه في التحقيق الاولي وموافقته على تدوينها. يبنى على ما تقدم توافر قرينتين مترابطتين: الاولى ان العميد مطر، وقبل صعوده الى الزورق، كان على علم اكيد بأن تنفيذ عملية الاغتيال سيتم من قبل غسان توما ورفاقه وليس من قبل سواهم، وهو كان على علم اكيد ايضا في تلك الفترة ان ما يعنيه توما بكلامه هو عملية اغتيال كرامي وبالرغم من ذلك وافقه فورا على موافاته يوم الاثنين دون تردد ودون ان يستوضح منه حاجته اليه، او اي تفصيل آخر بهذا الصدد، وقد كان بإمكانه الاستيضاح او الاعتذار بعد تأمل وتفكير. ان تصرف العميد مطر على هذا الوجه، في حواره مع توما، خلال الاتصال الهاتفي الذي اجراه معه يوم السبت، وحضوره في الموعد يوم الاثنين، يوفران قرينة ثانية تفيد علم مطر بالمعطيات الحقيقية التي سترافق عملية الاغتيال، وذلك بتاريخ سابق للاتصال الحاصل يوم السبت، مما يستوجب القول بأنه كان مطلعا من توما على هذه المعطيات قبل ان يتصل توما به هاتفيا في ذلك اليوم، وهذا الامر الاخير سيجد ما يعززه ايضا في ما سيؤتى على بيانه تاليا من ادلة وقرائن اخرى. (باء) (...) ان اعتراف مطر بوجود القبعة والنظارات السوداء معه يوم العملية كي لا يتعرف عليه احد، يستوجب في ضوء الوقائع المعروضة توافر احد احتمالين: الاحتمال الاول ان يكون توما على معرفة مسبقة بأن مطر سيحضر اليه في ذلك اليوم وهو يرتدي ثيابا رياضية، وقد احضر له القبعة »كاسكيت« وهي تنسجم مع ثياب الرياضة، كما احضر له النظارات السوداء لتأمين المقصود من ذلك، اي الحيلولة دون تعرف احد عليه، وهذا الاحتمال يفترض وجود توافق مسبق بين توما ومطر على ما سيرتديه هذا الاخير يوم تنفيذ العملية، وبالتالي يؤيد معرفة مطر مسبقا بما هو مخطط له. الاحتمال الثاني ان لا يكون غسان توما على علم بأن مطر سيحضر اليه بثياب مدنية او رياضية، وانه كالعادة سيوافيه بثيابه العسكرية، ففي هذه الحال لا يكون لدى توما المبرر ليحضر لمطر القبعة والنظارات الشمسية، لان ارتداء مطر لثيابه العسكرية مع ما فيها من مواصفات خاصة بها، لا يحول دون امكانية التعرف عليه، او اقله التعرف على هويته ورتبته العسكرية وعلى كونه ضابطا طيارا، سواء ارتدى القبعة والنظارات ام لا. يبنى على ما تقدم توافر الحقائق الآتية: ان ثبوت حضور مطر الى منزل توما وهو يرتدي القبعة والنظارات يدحض قوله ان لبسه للثياب الرياضية في ذلك اليوم كان لغرض قيامه بالتمارين الرياضية، لان مثل هذه التمارين لا تحتاج وفقا لما هو متعارف عليه لارتداء القبعة والنظارات التي ليست من الحاجيات الضرورية لهذه التمارين، والحاجة اليها هي اكثر إلحاحا لمن كان غرضه التوجه الى البحر حماية لنفسه من اشعة الشمس. ان ارتداء العميد مطر الثياب الرياضية والقبعة والنظارات في صباح ذلك اليوم يتوافق وينسجم منطقا مع ما كان مقررا، وهو الذهاب بحرا لتنفيذ عملية الاغتيال، فالابحار في الزورق يحتاج الى هذا الطراز من اللباس، مما يرتب قرينة على ان العميد مطر كان عالما قبل حضوره الى منزل توما ان الغرض من اللقاء هو الذهاب لتنفيذ عملية الاغتيال في البحر، فارتدى ثيابه الرياضية للتوافق مع طبيعة المكان الذي يستدعي ارتداء مثل هذه الثياب. ولم يكن يقصد منه فقط الانسجام مع واقع المكان وهو البحر، بل أيضا اخفاء هويته الحقيقية، او اقله اخفاء صفته العسكرية ورتبته كيلا يشتبه بأمره احد. (جيم) اعترف العميد خليل مطر في افادته الاولية انه فور انطلاق الزورق دخل الى القمرة وحصل حوار بينه وبين غسان توما فاستدرك هذا الاخير قائلا له: »على فكرة بيسلم عليك الحكيم وانبسط كثير لانك جايي معنا«. وقد اوضح مطر ان المقصود بالحكيم هو سمير جعجع، ليعود امام المحقق العدلي ويفيد مجددا بحصول هذه الواقعة. الا انه امام المجلس العدلي لا بد ان يكون قد ادرك، بعد ان استشار من يلزم، سلبية ما افاد به لهذه الجهة فقرر العدول عن كلامه فأفاد انهم في التحقيق قولوه هذا الكلام المنسوب الى الدكتور جعجع، لرغبة لديهم، فلبى هذه الرغبة بسبب القلق والحالة النفسية التي كان فيها بالاضافة الى التعب والنعاس، اعتقد حينها ان التحقيق لن ينتهي ما لم يفد بعلاقة بينه وبين سمير جعجع مما حمله على ذكر هذه العبارة. واضاف انه اوضح هذه الملابسات للمدعي العام التمييزي عندما استمع اليه في قصر العدل، وانه لو عاد المحقق العدلي واستمعه مجددا لكان افاده بما قاله للمدعي العام بهذا الصدد. ان ما يفيد به العميد مطر من ظروف حملته على قول ما نسبه لغسان توما من كلام بشأن »الحكيم« لا يتوافق وواقع الافادات التي اعطاها. ان عبارة »بيسلم عليك الحكيم...« الواردة في افادتي العميد مطر الاولية والاستنطاقية لم تصدر عنه في الظروف التي يدعيها، ولا بسبب هذه الظروف ولا لغرض وضع حد للتحقيق، الامر الذي يحتم الاخذ بما جاء في اعترافه لهذه الجهة لعدم توافر ما يدحض صحته. ان ما افاد به العميد مطر على لسان توما لجهة قول هذا الاخير له: ».. على فكرة يسلم عليك الحكيم وانبسط كثير لانك جايي معنا..« يوفر القرائن الآتية: ان الدكتور سمير جعجع كان على اطلاع عن طريق غسان توما بأن العميد مطر سيتواجد مع توما وآخرين على الزورق اثناء تنفيذ عملية الاغتيال. ان للعميد مطر دورا في هذه العملية، والا لما كان غسان توما محتاجا لان يخبر جعجع مسبقا بواقعة مرافقة مطر له، واخذ موافقة جعجع عليها. ان الدكتور سمير جعجع كان على علم بهذا الدور والا لما كان ليثني على حضور مطر معبرا عن سروره بالامر، فالثناء لا يكون الا لمن يشارك في الفعل، وليس لمن يشاهد الحدث دون المشاركة في انجازه. (...). جهاز اللاسلكي من جهة ثانية: اعترف المتهم العميد خليل مطر، على مدى مراحل التحقيق والمحاكمة، ان غسان توما، عندما اتصل به صباح يوم الاثنين، طلب منه بإلحاح ان يحضر معه جهاز الاتصال اللاسلكي الخاص به والذي يستعمل للتكلم مع الطيارين في الجو والمعروف باسم »جنيفا« وانه ما ان التقى توما على مدخل البناية حتى بادره هذا الاخير مستفسرا عما اذا كان احضر هذا الجهاز معه. وقد اوضح مطر امام المجلس العدلي انه في الطريق بين فتقا والقاعدة البحرية في جونيه لم يحصل اي حديث بينه وبين غسان توما. ان ما جاء باعتراف مطر لهذه الجهة يفيد عن إلحاح لدى توما بأن يكون جهاز جنيفا بحوزتهم يوم التنفيذ، وهو يفيد ايضا عن دور رئيسي لهذا الجهاز كان مخططا له في عملية الاغتيال والا لما كان توما ليحرص على الطلب من مطر احضار هذا الجهاز معه، ويبادره فور لقائه له مباشرة على مدخل البناية وبعد السلام مستفسرا عن احضار هذا الجهاز. وقد اكد مطر هذه الواقعة بإفاداته في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة مدليا في احداها بما حرفيته: ».. تفاجأت به (اي توما) واقفا في مدخل البناية. فسلمت عليه واول كلمة قالها لي هل جلبت الجهاز؟«. ولكن بالرغم من اهتمام توما وحرصه على ان يحضر العميد مطر جهاز جنيفا معه، وما يفترض ان يستثيره هذا الالحاح من تساؤل لدى مطر عن غرض توما من ذلك، فإن العميد مطر وهو الذي وصفه وكيله في مرافعته بأنه »حشري« بطبعه لم يبد أي ملاحظة او حذر او قلق ازاء هذا الطلب، ولم يستفسر من توما عن سبب حاجته وإلحاحه للحصول على هذا الجهاز. يبنى على هذه الواقعة الثابتة قرينة مفادها ان العميد مطر كان على علم مسبق بدور جهاز جنيفا في عملية الاغتيال ومدى حاجة غسان توما اليه لانجاز هذه العملية بنجاح، مع ما ينطوي على ذلك، بالضرورة، من معرفة مسبقة لدى مطر بالمخطط المقرر لعملية الاغتيال، فتأتي هذه القرينة لتعزز ما سبق بيانه من قرائن اخرى مؤيدة لهذه المعرفة. من جهة ثالثة: اعترف المتهم العميد خليل مطر في افادته الاولية تاريخ 17/7/1996 انه عندما انطلق الزورق في البحر، وبعد ان دخل مع غسان توما الى قمرته، طلب منه هذا الاخير فتح جهاز جنيفا قائلا ما حرفيته: »فتحو فتحو حتى ما تغدرنا الطيارة وتمرق وما نحس عليها بركي ما انتبهنا لالها«، وقد اكد مطر هذا الشق من افادته الاولية امام المحقق العدلي. وتابع ليقول في الافادتين انه فتح الجهاز بناء لهذا الطلب فأعطى تشويشا داخل القمرة، فخرجا الى سطح الزورق وكان الزورق قد وصل الى موازاة بلدة البوار العقيبة، وانه في الطريق سمع على الجهاز صوت ربان الطوافة الاولى الذي تبين فيما بعد انها الطوافة رقم 908 العائدة من القليعات وهو ينادي مفيدا عن توجهه الى ادما. يبنى على ما تقدم قرينة تضاف الى ما سبقها مفادها ان استقدام مطر لجهاز جنيفا يوم تنفيذ العملية لم يكن على سبيل الصدفة، بل لغرض معين يرتبط بدور هذا الجهاز في تنفيذ عملية الاغتيال والا لما كان مطر ليفتحه على السمع بناء لطلب توما ويبقيه مفتوحا من لحظة انطلاق الزورق الى حين حصول الانفجار، حين اطفأه بعد تحقيق المهمة المبتغاة منه، مع ما تنطوي عليه هذه القرينة بما يفيد عن علم مسبق لدى مطر بدور جهاز جنيفا في المعطيات المقررة لعملية الاغتيال. اما السبب الاخر المبرر لترجيح افادتي مطر الاولية والاستنطاقية بشأن هذه الواقعة ان الربط بين تشغيل الجهاز وغرض التنبه لمرور الطوافة من شأنه ان يفسر اصرار توما على العميد مطر لاحضار الجهاز معه في ذلك اليوم، مما يجعل الامر اكثر توافقا وانسجاما مع تسلسل الوقائع الثابتة ومنطقها. يبنى على هذا الاعتراف قرينة مفادها ان دور جهاز جنيفا كان لغرض التنصت على الطوافة والتنبه لمرورها، تعيينا للطوافة المقصودة وتحقيقا لهدف تفجيرها، كما يبنى عليه ايضا قرينة اخرى مفادها ان العميد مطر كان مدركا لدور الجهاز في تعقب الطوافة، والا لما كان قد بادر الى تشغيله والتنصت عليه فور طلب توما ذلك، دون ان يستوضحه عن غرضه من هذا الطلب. اعترف المتهم العميد خليل مطر في التحقيق الاولي والاستنطاقي بقوله لغسان توما عند سماعه للطوافة الاولى القادمة من القليعات عبر جهاز جنيفا، بأنها ليست الطوافة المقصودة قائلا له: »مضبوط مش هي«، الا انه وامام المجلس العدلي تراجع عن اعترافه هذا ناسبا عبارة »مش هي« الى غسان توما، مؤكدا انها لم تصدر عنه وموضحا ان هذه العبارة وردت في افادته الاولية في اطار الافتراض، الذي وجهه اليه المحقق الاولي، عما يمكن ان يكون جوابه لغسان توما فيما لو قال له عن الطوافة »مش هي« فكان ان افاده مطر ان جوابه سيكون: »مضبوط مش هي«. ان تراجع العميد مطر امام المجلس العدلي عن افادته الاولية والاستنطاقية نافيا صدور عبارة »مش هي« عنه هو مستوجب الاهمال، ومستوجب الاهمال ايضا ما اعطاه من تبرير لكيفية ورود هذه العبارة على لسانه في التحقيق، وعلة ذلك ان محضر التحقيق الاولي المتضمن افادة مطر هو محضر رسمي يثبت مضمونه لجهة ما دوّن على لسان المستجوبين الى حين ثبوت تزويره. فضلا عن ذلك فإن العميد مطر كرر ما جاء بإفادته لهذه الجهة امام المحقق العدلي، اثر حضور النقيب كرم لمعاونته في التحقيق، دون اي تحفظ، ودون ان يفيد المحقق العدلي بما افاد به المجلس من تبرير لظروف ورود عبارة »مضبوط مش هي« على لسانه. يبنى على ما تقدم قرينة مفادها ان العميد مطر بقوله لتوما، عند سماعه للطوافة الاولى عبر جهاز جنيفا، بأنها ليست الطوافة المقصودة، انه كان يقوم بالتنصت عبر هذا الجهاز بغرض التنبه لطوافة الرئيس كرامي كي لا تمر على غفلة فتفوت على المنفذين فرصة تفجيرها. (...) ان ما هو مبين اعلاه من ادلة مسندة الى قيود رسمية والى التقرير الفني المقدم من النقيب ابو جودة وافادات الشهود، يوفر قناعة كافية لدى هذا المجلس انه في الفترة التي حصلت فيها عملية اغتيال الرئيس كرامي خلال العام 1987، كانت موجة الاتصال المعتمدة في قاعدة القليعات الجوية على التردد 1،123 خلافا لما يفيد به العميد خليل مطر. دور جنيفا يبقى السؤال عن مدى دور جهاز جنيفا ومساهمته في عملية الاغتيال. من الثابت ان اختيار منطقة رأس الشقعة لتنفيذ عملية الاغتيال لم يكن وليد صدفة، وللأمر مدلوله الفني والسياسي. وبالفعل، فمن الوجهة الفنية ان منطقة رأس الشقعة قائمة جغرافيا بين طرابلس وبيروت فوق مرتكز ارضي معروف من الطيارين برمز (CHARLIE - ALPHA - KILO+ اذ من المفروض على الطيارين وفق قواعد الطيران المرعية، عند قدومهم من منطقة الشمال، ان ينتقلوا، فوق هذا المرتكز، من موجة الاتصال مع قاعدة القليعات الجوية الى موجة القاعدة التي يقصدونها او التي سيمرون في مجالها الجوي، فيعلمون لاسلكيا، وفقا لرموز خاصة بهم، قاعدة القليعات بالامر ويفيدونها انهم سينتقلون من موجتها الى موجة القاعدة الاخرى، بمعنى ان من يسمع ربان الطوافة يتكلم مع برج المراقبة في قاعدة القليعات لاعلامه بالأمر، يمكنه ان يدرك ان هذه الطوافة قد وصلت الى منطقة رأس الشقعة ولو لم يشاهدها بالبصر. اما من الوجهة السياسية، فإذا كان للقوات مصلحة في اغتيال الرئيس كرامي، فإنه لم يكن لها اي مصلحة بالمقابل بترك ادلة يمكن ان تشير الى مسؤوليتها عن هذه العملية تفاديا لردات الفعل الداخلية او الاقليمية او الدولية، والتي قد تنعكس سلبا عليها، الامر الذي اشار الى مدلوله الشاهد روبير ابي صعب والشاهد الاستاذ كريم بقرادوني. يبنى على ما تقدم ان اختيار منطقة رأس الشقعة حيث حصل تفجير الطوافة كانت له معطياته الاساسية فنيا وسياسيا في المخطط الموضوع لتنفيذ عملية الاغتيال. من هنا كان اصرار المنفذين على توفير الوسيلة الاكثر فعالية لتحديد لحظة مرور الطوافة في تلك المنطقة، كي يتنبهوا لها فعلا تغدرهم بمرورها وتصل الى مناطق سيطرة القوات قبل تفجيرها، وهذه المناطق لا تبعد عن المكان المقرر للتفجير الا بضع دقائق معدودة من الطيران، والمنفذون مع ما توافر لديهم من تجارب وتدريب وامتهان لم يكونوا ليتركوا اي مجال لاي خطأ او اهمال يمنعان نجاح عملية الاغتيال، نظرا لخطورتها ولاهمية ومركز الرئيس كرامي المستهدف من ورائها، ولذلك لم يكن هناك مجال للتصور، كما تدلي به جهة الدفاع، ان يترك المنفذون الامر للصدفة بأن يضغطوا على جهاز التفجير كلما مرت طوافة في المكان، او يتركوا اصبعهم على هذا الجهاز حتى اذا ما صدف مرور الطوافة المفخخة يؤدي ذلك الى تفجيرها، فكان لا بد لهم من وسيلة تقنية لتحديد الهدف وتعيين لحظة مروره في المكان والزمان المقررين مسبقا. في هذا السياق من التخطيط كانت الحاجة ملحة لوجود جهاز جنيفا ووجود العميد مطر الملم بشون وشجون هذا الجهاز على الزورق. ان ما جاء بأقوال الشاهد ايلي الحاج، يفيد ان اجهزة التنصت التي كانت متواجدة لدى القوات في حينه لم تكن تتوافر فيها المواصفات المتوافرة في جهاز جنيفا الذي لا يحتاج الى التفتيش عن الموجة المنوي التنصت عليها كما هي الحال بالنسبة لاجهزة القوات، فضلا عن ان استعمال هذه الاجهزة الاخيرة يحتاج الى من يتدرب عليها، مما يجعل جهاز جنيفا، الذي كان بحوزة العميد مطر، الاكثر تأهيلا للمهمة المقرر تنفيذها، لا سيما وان استعماله من قبل هذا الاخير كان يغني عن السعي لتدريب المنفذين على اجهزة قد لا يتقنون استعمالها. وفي مطلق الاحوال فإن لجوء المنفذين الى جهاز جنيفا دون اجهزة التنصت الموجودة لدى القوات يفيد بذاته انه كان لهذا الجهاز ولمن يتقن استعماله ميزات غير متوافرة لاجهزة اخرى. (...) ان ما تدلي به جهة الدفاع عن المتهم خليل مطر تقويضا للادلة المتوافرة بحقه انطلاقا من ان هنالك من اختلق بعض الادلة في الملف بغرض الايقاع به لجعله كبش محرقة، او بدلا عن ضائع، لا يجد في معطيات الدعوى وفي الاوراق ما يؤيده. فإذا صح ما يقوله العمىد مطر من انه في الفترة التي حصل فيها انفجار الطوافة سنة 1987 كان هو على خلاف مع مخابرات الجيش لاسباب ذكرها، فإن هذا الخلاف لا يمكن ان يكون له أية صلة بالدعوى الحاضرة، وقد اتهم مطر بموجبها سنة 1996 في فترة تبدل فيها المسؤولون السابقون في المخابرات وحل مكانهم آخرون. وليس منطقيا القول ان السعي للايقاع بالعمىد مطر سببه انه اتى على ذكر اسم احد ضباط المخابرات في افادته الاستنطاقية، اذ ذكر ان غسان توما اعلمه ان الضابط المذكور كان يخطط بالاشتراك مع آخرين من المنشقين عن قيادة جعجع لاغتيال الرئيس كرامي، فالعميد مطر عندما سمى الضابط المعني انما ذكره عن لسانه توما وما لم يوجه اليه اي اتهام او دور في عملية الاغتيال، بل خلافا لذلك فقد استبعد العميد مطر بإفادته ان يكون للضابط المذكور اي علاقة بعملية الاغتيال. وفضلا عن كل ذلك، فإن العميد مطر، بتاريخ اتهامه بالافعال موضوع الدعوى الحاضرة، كان قد رقي لرتبة عميد في الجيش اللبناني، واسقطت عنه العقوبة التي كان فرضها عليه قائد الجيش في حينه العماد ميشال عون بسبب تقاعسه عن الدفاع عن قاعدة حالات، ففي هذه المعطيات التي اتت لصالحه لا يمكن تصور ان احدا من المسؤولين في الجيش اراد الايقاع به عن طريق اختلاق الادلة هذه، او تلقين الشهود ليفيدوا بما لم يحصل حقيقة. اما القول بأن زج اسم العميد مطر في هذه الدعوى هو فقط لانه لم يتبين في التحقيق من هو واضع العبوة في قاعدة ادما، فهذا امر يتنافى والمنطق، فواضع العبوة في الطوافة بقي مجهولا منذ سنة 1987، وبالرغم من استماع قاضي التحقيق العسكري في حينه الى العميد مطر فإنه لم توجه له اي تهمة انذاك بشأن اغتيال كرامي، فلو كانت النية منصرفة الى اعتباره كبش محرقة لكان الادعاء عليه حصل منذ ذلك التاريخ، الامر غير المتحقق. (...) ان العميد مطر كان يتلقى من غسان توما اموالا نقدية بصورة دورية، وقد افاد بنفسه بقبض هذه الاموال دوريا وذلك في افادته الاولية. الامر الذي تأيد بإفادة الشاهدة آمال عبود التي اكدت ان ارسال هذه الاموال للعميد مطر كان يحصل شهريا، مما يفيد ان تقاضي العميد مطر لاموال من توما لم يكن ظرفيا او متقطعا كما ادلى به مطر في افادات لاحقة. ولا يبدل من هذا الواقع ان مطر، على ما افاد به، لم يكن يستعمل هذه الاموال لنفسه انما لمساعدة العسكريين العاملين معه وتأمين عملانية قاعدة حالات، فهذه الغاية، على فرض صحتها، لم تكن لتبرر الوسيلة، اذ لم يطلب منه احد في القيادة السعي للحصول على مثل هذه الاموال للغايات التي قال بها، فلم يكن قبضه لها ليخلو من مصلحة شخصية لديه، وهو الذي افاد امام المجلس العدلي ان توزيعه للاموال على العسكريين كان من شأنه ان »يقويه« تجاههم، وبالتالي فإن المصلحة العامة للقاعدة وللعسكريين فيها لم تكن في ضوء ذلك الهدف الرئيسي الذي كان مطر يسعى اليه من جراء قبض الاموال من غسان توما. ان علاقة العميد خليل مطر بغسان توما لم تقتصر على اطار العلاقة الشخصية والعائلية والمالية، بل تطورت الى تبادل الخدمات بينهما، كل في نطاقه. 4 لجهة ما يبنى من ادلة على توافر الدافع لدى العمىد مطر: من المسلم به ان الغرض المباشر لذهاب العميد مطر مع المنفذين لم يكن لارضاء سمير جعجع كما ألمح اليه وكيله في مرافعته، فعبارة »الحكيم انبسط كثير لانك جايي معنا«، والتي قالها توما له في الزورق، لا توفر دليلا على الدافع لديه، وان كانت تفيد بموافقة جعجع على اشتراك العميد مطر في عملية الاغتيال وعلمه بدوره فيها. من المنطق غير السليم القول بأن غسان توما استدرج العميد مطر الى الزورق لتوريطه في عملية الاغتيال كي لا يفشي عنها شيئا في ما بعد، وقد استهجن مطر الامر عندما اخبره به توما في مطعم »الدلعونا« فخشي توما ان يتكلم مطر بشأنه في مجالسه فيبلغ الخبر مسامع المعنيين به فيستدعي غسان توما ليسأل عن المعلومات التي كان قد أنبأ بشأنها مطر في مطعم »الدلعونا«. ان هذا المنطق وهذا التصور يتعارضان وواقع الامور، على فرض صحتهما على النحو الذي صرح به العميد مطر، فغسان توما لم يخبر مطر في مطعم »الدلعونا« ان تنفيذ العملية سيتم من قبل قوات سمير جعجع، بل نسب ذلك الى فريق آخر مناوئ لهم. فضلا عن ذلك ان هذا التصور لم يكن له مكان في منطق غسان توما في تلك الفترة من الاحداث، وكانت القوات اللبنانية التابعة لسمير جعجع تسيطر على معظم مقومات الدولة ضمن مناطقها، وتفرض نفسها على معظم مقدراتها ومرافقها فيها، فلم يكن غسان توما ليخشى اي تحقيق يمكن ان يطلب منه، ولم يكن يخشى ان يفشي مطر ما جرى بينهما من حديث في مطعم »الدلعونا«، خصوصا ان ذلك الحديث لم يكن فيه ما يورط قوات سمير جعجع بالموضوع. اما لماذا ذهب العميد مطر في الزورق مع المنفذين يوم عملية الاغتيال، فجوابه في الكتاب الذي وجهه الى المحقق العدلي الاستاذ غنطوس لتوضيح قضية الاموال التي كان يتقاضاها من غسان توما، اذ صرح في هذا الكتاب بأنه عاشق للقيادة والسلطة وان الغاية لديه تبرر الوسيلة. وبالفعل، ففي الفترة التي حصلت فيها عملية اغتيال الرئيس كرامي كان كل فريق في لبنان يسعى لفرض سيطرته في منطقة منه ولتقرير موقعه فيها، فالتسابق في الولاء لقوى الامر الواقع في جميع المناطق كان على اشده سعيا لتبوؤ مراكز المسؤولية في الوقت المناسب. هذا المنطق لم يكن بعيدا عن تصور العميد مطر، فحبه للقيادة وعشقه للسلطة كانا الدافع الرئيسي لتلاحمه مع القوات اللبنانية التي كانت الفريق الاكثر نفوذا في مكان تواجده، فاتحد معهم في توجهاتهم وخياراتهم، ورأى ان وصولهم الى السلطة وانتصارهم هو تعزيز لموقعه ومكانته ما دام انه حليفهم، فكان لا بد من ان يظهر الولاء لهم ويخضع لمشيئتهم. وقد عزز هذا التوجه ما كان بينه وبين المسؤولين في القوات من علاقة وثيقة شخصية ومادية وخدماتية، فأضحى ينفذ ما يطلبونه منه كلما رأى الفرصة سانحة، مع الحرص على ان لا تتنبه قيادته لذلك. من هنا استجابته لطلب غسان توما بالمساهمة في عملية الاغتيال. جعجع... والشهود بالنسبة للادلة المتعلقة بالمتهم سمير جعجع: لجهة ما يبنى من ادلة على افادة الشاهد روبير ابي صعب: اذا كانت الشهادة هي تقرير الشاهد لحقيقة امر كان قد رآه، فهي ايضا تقرير عن امر سمعه، فليس ما يمنع من اعتماد شهادة السماع كوسيلة للاثبات يعود تقديرها للمحكمة في ظروف ادائها، طالما انها تفيد عما سمعه الشاهد مباشرة لا سيما عندما يحدد هذا الشاهد مصدر المعلومات التي نقلها. وبالتالي فإن ما افاد به الشاهد روبير ابي صعب بما سمعه مباشرة من بيار رزق يصح وسيلة للاثبات خاضعة لتقييم هذا المجلس، في ضوء ما يتوافر من ادلة ثبوتية اخرى تنفي هذه الافادة او تتعزز بها. ان ما نقله الشاهد ابي صعب عن لسان بيار رزق يجد في ظروف التعامل بين بيار رزق وبين غسان توما ما يجعله قابلا للتصديق، فهما رئيسان لجهازين اساسيين في القوات اللبنانية، الاول رئيس لجهاز الاستخبارات والثاني رئيس لجهاز الامن، ومن الطبيعي ان يلتقي رؤساء الاجهزة، ومنهم رئيسا الجهازين المذكورين خاصة، في اجتماعات عمل دورية يتبادلون فيها المعلومات المتعلقة بأجهزتهم ومنها المعلومات التي افاد بها روبير ابي صعب. وان وجود خلاف بين توما ورزق، على فرض صحته، لم يكن يحول دون عقد مثل هذه الاجتماعات التي يتم التداول فيها بالمواضيع الهامة، هذه الاجتماعات التي يفرضها حسن عمل الاجهزة والتنسيق بينها. وفي الواقع ان الخلاف المحكي عنه على ما ورد في الاوراق لم يكن خلافا شخصيا بينهما بل شكل من اشكال التنافس بين الجهازين التابعين لكل منهما، وهذا التنافس لم يكن ليؤلف عائقا يحول دون التلاقي بين المذكورين عندما كانت ظروف العمل تفرض ذلك، الامر المؤيد بما جاء بإفادة الشاهدة آمال عبود بالنسبة للاجتماع الذي حصل عصر يوم اغتيال الرئيس كرامي في مكتب غسان توما وقد حضره بيار رزق وسواه من المسؤولين في القوات، ومؤيد ايضا بما جاء بإفادة الشاهد كريم بقرادوني عما حصل من اجتماع في مكتبه بعد عملية الاغتيال ضم رؤساء الاجهزة موضحا ان التنافر المستمر بين توما ورزق لم يكن ليمنعهما من التكلم مع بعضهما اثناء الاجتماعات التي كانت تحصل. اما لجهة ما ادلت به جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع من تشكيك بشهادة روبير ابي صعب وعدم موضوعيتها، كونها معطاة تحت وطأة الحقد والخوف من ان تفتح ملفات تعامله مع اسرائيل وحقده على القوات لانها اتهمته بتسريب معلومات الى جهات خارجية واوقفته عشرين يوما، فإن هذا الادلاء، المقصود منه التشكيك في شهادة ابي صعب، لا يستقيم وواقع الامور، فالشاهد لم يخف في افادته واقعة ذهابه الى اسرائيل مع آخرين من القوات اللبنانية خلال الاعوام 1988 الى 1991، وهو لو كان يخشى امر ملاحقته بهذا الصدد لما افصح عن ذلك، الامر الذي لم يمنع النيابة العامة من تدوين تحفظها في محضر جلسة المحاكمة لجهة ملاحقة الشاهد ومن سماهم بجرم التعامل مع الاسرائيليين. اما بالنسبة لحقد الشاهد ابي صعب على القوات فهو غير مؤيد بما يثبته، وقد نفى الشاهد المذكور واقع هذا الخلاف موضحا ان القوات لم توقفه بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. فما حصل فعلا هو انه في العام 1991، وبعد ان تقرر توحيد الاجهزة الامنية في القوات لتصبح جميعها بيد غسان توما، طلب منه هذا الاخير تسليم الملفات التي كانت بحوزته بصفته مسؤولا في جهاز الاستخبارات اثر ترك رزق لمنصبه في هذا الجهاز، وكان ان استُبقي لمدة سبعة عشر يوما في غرفة في غدراس مجهزة بتلفزيون لكي يتسنى له تسليم الملفات المطلوبة وكل ما يتعلق بجهاز الاستخبارات الى غسان توما. واضاف ابي صعب انه بقي اثر ذلك في المناطق التي كانت تسيطر عليها القوات، من دون ان يتعرض لاي مضايقة او تهديد. يبنى على ما جاء بإفادة الشاهر روبير ابي صعب هذه ان فكرة اغتيال الرئيس كرامي وتكليف من يلزم بتنفيذها قد نشأت وتم تصميمها من قبل سمير جعجع. ان تشكيك جهة الدفاع عن الدكتور سمير جعجع بموضوعية الافادة التي اعطتها الشاهدة آمال عبود انطلاقا من كونها مستضعفة وخائفة، بسبب انتمائها الى القوات، مما يجعلها ترضخ لكل الضغوط، هو امر لا يمكن اعتماده لدحض افادتها، اذ ليس في الاوراق ما يفيد ان آمال عبود قد ادلت بأقوالها تحت وطأة خوف او اكراه، وقد استقرت على اقوالها هذه في جميع مراحل الدعوى وفي الجلسات العلنية امام المجلس العدلي. اما خوفها من انها كانت من عناصر القوات فلا مبرر له وعناصر القوات لم تكن جميعها موضوع ملاحقات الا من اشتبه به بارتكابه جرائم يعاقب عليها القانون، ولا يبدو من اوراق الملف ان مثل هذه الجرائم قد نسبت الى الشاهدة عبود. ما يبنى من ادلة على ما جاء بإفادة العميد خليل مطر: (...) لجهة ما يبنى من ادلة على موقع سمير جعجع في قيادة القوات اللبنانية: من الثابت بإفادة نائب قائد القوات اللبنانية آنذاك، الشاهد الاستاذ كريم بقرادوني، (جلسة المجلس العدلي تاريخ 6/11/1998) ان القوات اللبنانية كانت في الاصل تنظيما عسكريا صرفا ونظامها كان يعتبرها اداة عسكرية بتصرف الجبهة اللبنانية، وقد تحولت مع سمير جعجع الى سلطة امر واقع كباقي الميليشيات، واصبح لديها مجلس قيادة تتمثل فيه الاحزاب والروابط المختلفة. غير ان هذا المجلس لم يكن ليتعاطى بالشؤون الامنية والعسكرية الا بعد حصولها، فلم يكن له الحق باتخاذ قرارات امنية، فكانت الاعمال الامنية تبلغ الى سمير جعجع قائد القوات اللبنانية من قبل الاجهزة الامنية للقوات، ومنها جهاز الامن الذي كان يرأسه غسان توما، وجهاز الاستخبارات وكان يرأسه بيار رزق، وجهاز المخابرات العسكرية ويرأسه راجي عبود، وان غسان توما كان من مجموعة الدكتور جعجع الاولى وقد رافقه منذ كانا في القطاره سنة 1978 ثم كلفه جعجع سنة 1986 رئاسة جهاز الامن. وكان الشاهد الاستاذ بقرادوني قد افاد، امام المحقق العدلي بتاريخ 3/10/1996، قبل توليه لمهام الوكالة للدفاع عن سمير جعجع في هذه الدعوى، افاد ان الامرة في القوات اللبنانية كانت لسمير جعجع وحده، وكانت الاجهزة الامنية تخضع له مباشرة. وافاد الشاهد طوني ابو جودة نائب رئيس الاركان للعمليات في القوات اللبنانية آنذاك، ان جميع رؤساء الاجهزة فيها كانوا مرتبطين مباشرة بسمير جعجع كل في ما يخصه، وغسان توما، كرئيس لجهاز الامن، لم يكن بمقدوره تنفيذ اي شيء، باستثناء الامور البسيطة كتوقيف بعض الاشخاص، الا بأمر واضح من سمير جعجع، وتحديدا فإن عملية بمستوى اغتيال الرئيس كرامي لم يكن تنفيذها ممكنا الا بأمر منه، فهو كان صاحب سلطة الامر والنهي. وافاد الشاهد روبير ابي صعب ان جهاز الامن كان يتبع مباشرة لسمير جعجع، ولم يكن بمقدور غسان توما رئيس هذا الجهاز ولا رئيس اي جهاز آخر القيام بأي عملية من دون امر منه، خصوصا اذا كان الامر يتعلق بعملية كبيرة كاغتيال رئيس الحكومة. وافاد الشاهد نادر سكر، عضو مجلس قيادة القوات اللبنانية في حينه، ان سمير جعجع كقائد للقوات كان صاحب حق الامرة على اجهزتها، وانه في الفترة التي سبقت ذكرى الاربعين للرئيس كرامي كان قرار جعجع بعدم مشاركة الفعاليات في المنطقة الشرقية بهذه الذكرى، ومن هؤلاء الشيخ قبلان عيسى الخوري والاستاذ ادمون رزق، وعلى رغم ذلك قاما بإلقاء كلمتين في الذكرى، وطلب منهما بناء على امر جعجع مغادرة المناطق التي كانت تحت سيطرة القوات. اما لجهة تراجع الاستاذ بقرادوني عن افادته الاستنطاقية امام المجلس كشاهد بعد ان تولى الدفاع كوكيل عن جعجع، مبررا ذلك انه لم يكن شيء يمنع ان تنفذ عملية اغتيال كرامي من دون علم او موافقة من جعجع، مستندا بذلك الى ما جاء في قرار المجلس في قضية تفجير كنيسة سيدة النجاة في الذوق، ما اثبته هذا القرار من وجود اختراق للقوات اللبنانية من قبل عناصر كانت تعمل لصالح الاسرائيليين. ان ما ادلي به لهذه الجهة، وما جاء في قرار المجلس العدلي في قضية كنيسة سيدة النجاة والصادر بتاريخ 13/7/1996، لا يمكن القياس عليهما بالنسبة للدعوى الحاضرة. حادثة الكنيسة وبالفعل، ان حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة حصلت بتاريخ 27/2/1994، وكانت اجهزة القوات اللبنانية في تلك الفترة قد بلغت حالة من الارتباك والتفكك نتيجة قرار حل الميليشيات في العام 1991، وقد غادرت كوادر القوات الى الخارج كما غادرها فريق كبير من العناصر الامنية ومن قيادات الاجهزة فيها، فتراخت العلاقة بين القائد سمير جعجع وعناصره، فلجأ بعضهم الى جهات خارجية مقدمين لها خدماتهم الامنية والعسكرية. فإذا كان اختراق القوات ممكنا في تلك الفترة للظروف المبينة، فالأمر كان على خلاف ذلك سنة 1987، تاريخ اغتيال الرئيس كرامي، اذ كانت ميليشيات القوات اللبنانية ما زالت على هيكليتها وانضباطها وفاعليتها فارضة نفوذها على المناطق الواقعة تحت سيطرتها الى درجة كان يتضاءل فيها نفوذ الدولة في تلك المناطق. وبالتالي لم يكن هنالك امكانية لتصور اختراق القوات من قبل عناصر مزدوجة الولاء. واذا كانت قد حصلت في تلك الفترة اضطرابات امنية بين القوات وبعض العناصر التابعة لها فهذه الامور لم تكن لتتم على صعيد القيادات ورؤساء الاجهزة، فكانت هذه القيادات المنضوية تحت لواء جعجع تعمل فورا على قمع المتمردين او الخارجين عن سلطة القائد وتعيد سيطرتها على الامور، فلم يكن جعجع ليسمح بأي تحرك او تصرف لم يكن عالما او موافقا عليه، الامر الذي يجد ما يؤيده بما جاء بإفادة الشاهد طوني ابو جودة امام المجلس بالنسبة لردة فعل سمير جعجع على ما اقدم عليه بيار رزق سنة 1988، اذ قرر من دون مراجعة سمير جعجع فتح احدى الجبهات ليصار الى تمرير السلاح لحزب الله من قبل القوات، فكان ان استدعى فورا طوني ابو جودة وحقق بالامر بنفسه وقرر تحميل بيار رزق مسؤولية ذلك. وكانت سيطرة جعجع في تلك الفترة على اجهزته محكمة الى درجة انه لم يكن بمقدور مجلس القيادة الموافقة في بعض الحالات على نشر اي بيان منسوب صدوره عنه قبل ان يعرض المشروع على سمير جعجع، فإن وافق عليه عمدت الدائرة الاعلامية الى توزيعه، وفقا لما افاد به الاستاذ بقرادوني امام المجلس بصفة شاهد. ان نظرية اختراق القوات اللبنانية بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس كرامي تبقى مدحوضة ايضا باستمرار العلاقة الطبيعية والجيدة بينه وبين غسان توما بعد العملية، بل اكثر من ذلك، فقد وصلت ثقة جعجع بتوما، في اوائل 1991، الى درجة توحيد جميع اجهزة القوات وجعلها بيد غسان توما، الامر الذي لا يمكن تصور حصوله لو ان توما تصرف في عملية اغتيال كرامي خفية عنه او لمصلحة اجهزة غريبة عن القوات اللبنانية. من جهة اخرى، ان ثبوت سلطة الامر لدى سمير جعجع في القوات اللبنانية وسيطرته على جميع اجهزتها وقراراتها، خصوصا الامنية والسياسية، يترتب علىه قرينة مفادها ان ايا من اجهزة القوات لم تكن لتقدم على عمل وخصوصا عملا هاما مثل اغتيال رئيس الوزراء الا تنفيذا لقرار من قائد القوات سمير جعجع، هذا في وقت تفيد فيه سائر الادلة المتوافرة في الملف ان عملية اغتيال الرئيس كرامي لم تقتصر على جهاز واحد بل استدعت تدخل عدة اجهزة وعناصر عدة تابعة للقوات، مما يستتبع استبعاد ان تكون هذه الاجهزة والعناصر مخروقة بمجملها في تلك الفترة، فيكون الادلاء باختراق هذه الاجهزة غير مسموع. اما لجهة تنفيذ عملية الاغتيال فقد استدعى الامر تعاون عدة اشخاص، معظمهم من التابعين لجهاز الامن. لجهة ما يبنى من ادلة على توافر الدافع والمصلحة لدى سمير جعجع لتقرير تنفيذ عملية الاغتيال: من الثابت انه سبق عملية اغتيال الرئيس كرامي بسنة ونصف سنة تقريبا حصول حدث كبير ومهم في معسكر القوات اللبنانية، فبعد مفاوضات طويلة ومضنية بين الاطراف الاساسيين في النزاع في لبنان، وتحديدا حركة امل والحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية بقيادة السيد ايلي حبيقة، برعاية الدولة السورية، توصل حبيقة بنتيجتها الى اتفاق مع اخصامه من الفريق الاخر في اقرار مشروع اعتبر في حينه حلا لانهاء الازمة اللبنانية وعرف بالاتفاق الثلاثي، ومن اهم بنوده المعروفة عامة اعتبار رئيس الجمهورية رأس الدولة مع حقه بالمشاركة في مناقشات مجلس الوزراء من دون حقه في التصويت، وانهاء حالة الحرب، وحل الميليشيات، وقيام تكامل استراتيجي سياسي وعسكري وامني واقتصادي وتربوي مع الدولة السورية، لم يكن هذا الاتفاق ليرضي سمير جعجع الذي كان يحرص على عدم تفريغ مقام رئيس الجمهورية من بعض الصلاحيات التي كانت له، والحد من التقارب مع السوريين، فكان ان انتفض على هذا الاتفاق وعلى ايلي حبيقة بانقلاب دموي في 15 كانون الثاني من العام 1986 انهى فيه جعجع دور اىلي حبيقة في القوات اللبنانية، وقضى على اي امل بوضع الاتفاق الثلاثي موضع التنفيذ، ووجه من خلاله رسالة الى دمشق وحلفائها في لبنان، الذين اسقطوا اتفاق 17 ايار الذي كان قد تم برعاية اسرائيلية، ساعيا لافهام السوريين انه ليس بمقدورهم فرض الحل على اللبنانيين. وقد عبر سمير جعجع عن موقفه المعارض للاتفاق الثلاثي بما جاء في مقابلة صحافية له في مجلة »المسيرة« بأنه لا يريد ان ينفذ الرئيس امين الجميل، من حيث لا يدري، ما هدف اليه الاتفاق الثلاثي من إضعاف لمقام رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من سقوط الاتفاق الثلاثي استمرت جميع الحوارات متداولة لتمرير بنود هذا الاتفاق، واصبح الامر اكثر احراجا بعد ان تم وضع ما عرف بالورقة الاصلاحية التي نتجت عن لقاءات سباق الخيل في اىلول 1986، في حين كانت بنود الاتفاق الثلاثي لا تزال طاغية على بعض اطرافه، الامر الذي ادى الى مقاطعة الرئيس كرامي لجلسات مجلس الوزراء وقد استمرت هذه المقاطعة لفترة طويلة. رأت القوات اللبنانية وعلى رأسها الدكتور جعجع ان هذه المقاطعة سلاح موجه ضد رئيس الجمهورية لاجباره اما على الاستقالة واما على قبول الاتفاق الثلاثي، فشنت في حينه حملة سياسية اعلامية ضد الرئيس كرامي لتعطيل مقاطعته من اجل اعادة الوحدة الى الشرعية. (...) ان موقف جعجع من استقالة كرامي لم يكن ليقاس على موقف سواه ممن ذكر، لاختلاف المعطيات والموقع السياسي، فجعجع خلافا لامل والتقدمي لم يكن ليطالب بالاستقالة فحسب بل كان رافضا لعودة كرامي لترؤس اي حكومة، اذ كان يعتبر ان اعادة تكليفه هي عودة الى المشكلة نفسها ولكن بشكل آخر، على ما افاد به بنفسه في عدد مجلة »المسيرة« المومأ اليه. وكان تصور القوات ان ازاحة الرئيس كرامي من الواجهة السياسية لا بد من ان يعزز مواقعها في القرار السياسي، الامر الذي عبر عنه المسؤولون فيها اثر اغتيال الرئيس كرامي في محاضراتهم للعناصر القواتية، ومن ذلك ما افاد به الشاهد يوسف زخور في افادته الاولية (بتاريخ 7/1/1995)، اذ اوضح انه بعد عملية الاغتيال حضر احد المسؤولين في المجلس الحربي، وجمع عناصر القاعدة البحرية وخطب فيهم بقوله: »هلق مات كرامي يللي كان معارض، وبدا تجي وزارة جديدة، وصار فيها القوات تحط يلي بدا ياه محله، لانو كرامي كان عقبة وزاحت من الطريق«. ومن الخصومات الاساسية بين الرئيس كرامي والدكتور جعجع معضلة مطار حالات، اذ كان كرامي يرفض تشريع هذا المطار، معتبرا اياه مشروعا تقسيميا، في حين كان جعجع يصر ضاغطا لفتح هذا المطار، معتبرا اياه مرفقا حيويا للمناطق التي تسيطر عليها القوات اللبنانية، وكانت تلك القوات قد وضعت يدها على المرفق البحري. واذا صح ما ادلى به من ان مطلب فتح مطار حالات لم يكن محصورا بالقوات اللبنانية وبسمير جعجع، بل كانت قوى وفعاليات اخرى تطالب بفتح المطار للطيران المدني، فإن هذا القول لا يتعارض مع واقع ان القوات كانت من اكثر الملحين على هذا الامر والضاغطين لتحقيقه، فجندوا لذلك اجهزة الاعلام لديهم حتى اصبحت عبارة »حالات حتما« شعارا من شعاراتهم، فضلا عن ان فتح هذا المطار، ولئن كان يلبي مطلبا شعبيا في مناطق سيطرة القوات، فهو كان، في الوقت نفسه، مطلبا حيويا للقوات لاستكمال المقومات الخدماتية لاحكام السيطرة الفعلية على المنطقة التي كانوا يعولون عليها، اسوة بما كانت عليه الحال في مناطق سيطرة اخرى لفئات اخرى مناوئة للقوات. ان الخصومة بين الرئيس كرامي والدكتور جعجع لم تكن مقتصرة على مواضيع محددة فقط بل كانت تتناول كل المواضيع السياسية، على ما افاد به عضو مجلس قيادة القوات نادر سكر امام هذا المجلس. براءة الحايك بالنسبة لكتيل الحايك وكميل الرامي: (...) انتفاء الدليل لى وجود ترابط بين عملية اغتيال الرئيس كرامي وحادثة القاء العبوة على ضريحه. انتفاء وجود دليل على اتفاق مسبق او لاحق لحادثة الاغتيال بين كيتل الحايك وكميل الرامي وحسن علي احمد من جهة والقوات اللبنانية من جهة اخرى بهدف رمي العبوة على الضريح لغرض تضليل التحقيق دفعا لمسؤولية القوات اللبنانية في عملية الاغتيال. ثبوت اقدام كميل الرامي وحسن علي احمد على رمي العبوة على ضريح الرئيس كرامي بناء لتكليف من كيتل الحايك مع ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية سيؤتى على بيانها لاحقا. وبالنتيجة، وفي سياقالادلة، فان المجلس العدلي يرى، وفقا لما هو مبين اعلاه، ان الطعون او الحجج المقدمة من المتهمين خلافا لما هو مبين طعنا بالادلة المتوافرة بحقهم مستوجب الرد. هذا وقد تكونت قناعة كافية لدى هذا المجلس في ضوء الادلة السابق بيانها بصحة الوقائع المعروضة وبنسبتها الى المتهمين وفقا للاطر المبينة اعلاه، فيبقى اعطاء هذه الوقائع الثابتة النتائج القانونية المنطبقة عليها. جعجع وقانون الحرب حيث ان تطبيق قوانين واعراف الحرب على الحروب الاهلية ليس من القواعد الثابتة والمستقر تطبيقها بشكل جازم في القانون الدولي. وحيث ان هذه القاعدة، ولئن كان قد تبناها بعض الفقه والاجتهاد في القانون الدولي في فترة سابقة، فانه كان يفترض لتطبيقها توافر عدة شروط: وحيث ان الشرط الأول يفترض وجود حرب اهلية. فخلافا لما تدلي به جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع، ان اضفاء صفة الحرب الاهلية على الاحداث اللبنانية التي رافقت اغتيال الرئيس كرامي لا يمكن ان يتم استنادا لتسميات درج البعض من العامة على استعمالها في وصفهم لتلك الاحداث، لعدم دقة هذه التسميات وعدم انسجامها دوما مع واقع الامور. فالظروف والمعطيات التي قامت عليها الاحداث اللبنانية واستمرت عبرها، تميزت بتطورات وتبدلات وتداخلات تمازجت فيها العوامل والمصالح الخارجية مع العوامل والمصالح الداخلية بشكل يستحيل معه تحديد الاطر الموضوعية لهذه الاحداث للمقاربة بينها وبين المفهوم الصحيح للحرب الاهلية، الذي هو بدوره مفهوم غير ثابت المعالم، مما يجعل الاوصاف المعتمدة مرهونة بالافتراضات الشخصية غير الموضوعية والتي قد لا تعبر عن الواقع الصحيح للامور من مختلف جوانبها. وقد اضفى كثير من اللبنانيين وعلى مختلف المستويات على الاحداث التي حصلت في لبنان في تلك الفترة صفة: »حرب الآخرين على ارضنا«. وحيث انه على فرض ان الاحداث اللبنانية كانت تؤلف حربا اهلية، فان الشرط الثاني لتطبيق قواعد واعراف الحرب شأنها يستوجب ان يكون للمتقاتلين فيها صفة المحاربين بمفهوم القانون الدولي. وحيث ان اكتساب صفة المحاربين في مفهوم القانون الدولي يستوجب قيام مجموعة عسكرية مسلحة ومنظمة، اكتسبت كيانا جغرافيا خاصا بها مختلفا عن كيان الدولة، اقامته على جزء من اراضيها، وان تمارس في اطار كيانها هذا حقوق سيادة متقيدة في تصرفاتها قوانين واعراف الحرب. وحيث ان هذا الشرط الثاني لم يكن ينطبق على الميليشيات المتصارعة في الحرب اللبنانية، ومن بينها ميليشيات القوات اللبنانية. فهذه، ولئن كانت تؤلف مجموعات عسكرية مسلحة ومنظمة الا انه لم يكن لها الكيان الجغرافي في ارض مستقلة عن ارض الدولة. فبالرغم من ان كلا من هذه الميليشيات كان يفرض سيطرته على المنطقة التي كان يهيمن عليها، الا ان ذلك لم يفض بصورة مطلقة الى انهاء مظاهر الدولة وسيادتها ووجودها في المناطق التي كانت تتواجد فيها الميليشيات، بدليل ما هو متوافر في الدعوى الحاضرة من تواجد قواعد عسكرية تابعة للجيش اللبناني عاملة ضمن المناطق التي كانت تعمل فيها القوات اللبنانية، ومنها مهبط ادما وقاعدة حالات الجوية، ولا يجهلن احد ان الدولة وان كانت قد تقلصت ممارستها للسلطات العائدة لها في بعض المناطق التي كانت تتواجد فيها الميليشيات، الا ان الدولة بقيت تمارس قسما كبيرا من سيادتها في تلك المناطق سواء على صعيد المؤسسات السياسية او الادارية، بدليل آخر ايضا، هو ان شعار »حالات حتما« لم يتم تحقيق ما يرمز اليه واقعا، حيث كانت ميليشيا القوات اللبنانية آنذاك مضطرة للحصول على ترخيص من الدولة اللبنانية لانشاء مطار في حالات، منطقة تواجد القوات، وقد قوبل اصرارها الحثيث على انشاء هذا المطار برفض جازم من رئيس الوزراء رامي، وكان ذلك احد اسباب التخطيط لاغتياله. وحيث انه في مطلق الاحوال فان تطبيق قواعد واعراف الحرب، على الاحداث اللبنانية، يفتقر الى توافر شرط ثالث هو ان تكون الدولة، التي تدور رحى الاحداث على جزء من ارضها، قداعترفت بصفة المتحاربين وفقا لمعايير القانون الدولي، وإذا كان من الممكن ان يكون هذا الاعتراف ضمنيا، الا انه من الضروري ان يكون واضحا ومعبرا عن نية الدولة هذه، ومثل هذا الاعتراف قلما تحقق عمليا على صعيد القانون الدولي. فخلافا لما تدلي به جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع، ان اعتراف الدولة اللبنانية باضفاء صفة المحاربين على عناصر الميليشيات لم يكن محققا، بالصورة الصريحة الواضحة التي يفترضها مفهوم القانون الدولي، فلم يكن في تصرفات الدولة تجاه هؤلاء ما ينم عن اعترافها لهم بأي من حقوق السيادة، والاتفاقات التي كان هؤلاء يعقدونها في ما بينهم، بالاشراف المباشر او غير المباشر للدولة، كالاتفاق الثلاثي، لم تكن لتصبح نافذة وملزمة بذاتها دون موافقة الدولة مرورا بمؤسساتها الدستورية، علما ان اشتراك بعض قياديي الميليشيات في حكومات تم تأليفها في فترة الاحداث، اوتبوء بعضهم الآخر مراكز سياسية دستورية، ليس فيه، بذاته، ما ينم عن اعتراف الدولة بصفة هؤلاء القياديين كمحاربين في مفهوم القانون الدولي. يبنى على ما تقدم، ان شروط تطبيق قانون واعراف الحرب على ميليشيا القوات اللبنانية وعلى قائدها سمير جعجع، بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس كرامي، هي شروط غير متوافرة في هذه الدعوى، وبالتالي فان الدفع المدلى به غير مسموع من هذه الناحية. وتبقى الافعال المرتكبة بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس كرامي خاضعة لاحكام القوانين الجزائية الوضعية الداخلية. بحكم كونها من الافغال المندرجة ضمن احكام المادة الثانية 3 ج من قانون العفو العام، تعتبر مشمولة بالعفو الكامل. وحيث ان النصوص القانونية يجب ان تفسر وتنسق، بعضها مع البعض الآخر، تقصيا لارادة المشترع وللمعنى الحقيقي، تلافيا لأي تناقض بينها وبين أي نص قانوني آخر. وحيث انه، خلافا لما تدلي به جهة الدفاع، فان قوانين العفو كونها قوانين استثنائية من شأنها ان تسقط حق الملاحقة فهي يجب ان تفسر بصورة ضيقة فلا يمتد مفعولها الى اشخاص غير مقصودين بها. بهذا المعنى: - Merle et vitu; Traitژ de droit Criminel; Procedure Penale; 7eme edt; p.849. وبالتالي وخلافا للقاعدة العامة فان الابهام الذي قد يعتور بعض نصوص قوانين العفو يفسر لصالح الملاحقة التي هي المبدأ وليس لصالح اسقاط الملاحقة الذي هو الاستثناء. وحيث انه إذا كانت قوانين العفو تستند الى معايير شخصية لتحديد المستفيدين منها، فتشمل فئات معينة من الملاحقين، الا انه كثيرا ما يتم الاعتماد على معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الجرائم المقرر العفو عنها واهميتها ونتائجها على المجتمع، فيقرر المشترع العفو عن فئة من الجرائم دون فئة أخرى، فلا يؤلف ذلك مخالفة لمبدأ المساواة، الأمر الذي تعبر عنه الاسباب الموجبة لقانون العفو العام رقم 84/91 بقولها ان العفو يجب ان لا يشمل عددا من الجرائم اما لتعلقها بالمبادئ الاساسية التي يرتكز عليها النظام، او لالحاقها ضررا بالغا بالاقتصاد الوطني وبالملكية العامة والخاصة على السواء. وحيث ان أي تفسير للبند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو العام رقم 84/91 يجب ان يأخذ بعين الاعتبار ما هو مبين اعلاه من قواعد. وحيث ان المادة الثالثة المذكورة، نصت في بندها الثاني على انه تستثنى من احكام قانون العفو المذكور: »الجرائم المحالة على المجلس العدلي قبل نفاذ هذا القانون«. وحيث انه يستفاد من صراحة البند 2 هذا ان المعيار المعتمد فيه، تحديدا للجرائم المستثناة من احكامه، يستند الى واقع احالة هذه الجرائم على المجلس العدلي، أي وجود مرسوم مقرر لهذه الاحالة، دون ان يكون في هذه المادة مايجيز التفسير، المدلى به، بأن المعيار المقرر بموجبها هو ان تكون هذه الجرائم من الاختصاص الوظيفي للمجلس العدلي المحدد بمتقضى المادة 363 اصول جزائية، والذي تناول الجرائم المنصوص عليها في المادة 270 الى المادة 336 من قانون العقوبات. وبالفعل، لو اراد المشترع، تحديدا للجرائم المستثناة من قانون العفو، اعتماد المعيار المبني على انطباق هذه الجرائم على الاوصاف القانونية الواردة في المواد 270 الى 336 عقوبات، لكان اشار الى ذلك بصورة صريحة كما هي الحال في البند السابق مباشرة: أي البند (1) من المادة الثالثة من قانون العفو، وقد جاء في هذا البند انه يستثنى من العفو« الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي المنصوص عليها في المواد 273 الى 300 من قانون العقوبات«، علما ان جميع الجرائم المنطبقة عليها هذه المواد الأخيرة تدخل في اختصاص المجلس العدلي، مع ما يؤدي اليه هذا الأمر من ازدواجية بين البند 1 والبند 2 من المادة الثالثة. ولو كان قصد المشترع في البند 2 من هذه المادة اعتماد الوصف القانوني، لتحديد ما هو مستثنى من احكامه، دون الاستناد الى واقع احالتها على المجلس العدلي، لاكتفى بماذكره صراحة في عداد المواد المعددة في البند (1) من المادة الثالثة دونما حاجة للجوء الى البند 2 منها. ان تفسير البند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو على النحو الذي تدلي به جهة الدفاع، من شأنه ان يؤدي الى عدم الانسجام في الملاحقة بين الملاحقين بجرائم هي من فئة واحدة، بمعنى ان الجرائم المنطبقة على المواد 270 الى 336 من قانون العقوبات يمكن ان تصبح مستثناة من قانون العفو اذا كان مرتكبوها قد احيلوا الى المجلس العدلي، ويمكن ان يصبح هؤلاء مستفيدين من قانون العفو في ما خص الجرائم نفسها إذا لم يحالوا الى المجلس العدلي، خصوصا وان الاحالة على المجلس العدلي بمقتضى المواد 270 الى 336 ليست حتمية بل خاضعة لاستنساب وتقدير السلطة التنفيذية التي لها الحق في اصدار مرسوم في ملجس الوزراء، تقرر بموجبه هذه الاحالة، وهي ان امتنعت عن ذلك بقيت الجرائم المنطبقة اوصافها على المواد المذكورة من اختصاص القضاء العادي. ان جهة الدفاع عن الدكتور سمير جعجع ادلت في مرافعاتها بعدم المساواة في تطبيق العدالة وبالتالي بعدم صحة الاحالات امام المجلس العدلي، ومنها احالة الدعوى الحالية، الا ان ادءها هذا يبقى مردودا، لأن مبدأ فصل السلطات يمنع هذا المجلس من البحث في صحة تلك الاحالات، ويحتم عليه التزام حدود اختصاصه القضائي وعدم مناقشة السلطة التنفيذية في ما قررته في حدود اختصاصها، أي مرسوم الاحالة على المجلس العدلي. ان قانون العفو العام عندما قرر في البند 2 من المادة الثالثة منه استثناء الجرائم المحالة على المجلس العدلي من احكام العفو، انما أخذ بعين الاعتبار النتائج التي تأتت عن هذه الجرائم واهميتها وانعكاساتها على المجتمع في ضوء اهمية الاشخاص الذين تناولتهم نظرا لدورهم السياسي او القيادي او التمثيلي الذي كان لهم بتاريخ حصول الجريمة. ان المشترع عند اقراره للبند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو يكون قد اعتمد معيار الاحالة على المجلس العدلي لاستثناء بعض الجرائم من احكامه وليس الوصف القانوني الذي يمكن ان يقرر لها، إذ لم يكن بمقدوره حتى لو اراد افتراضا تصور هذا الوصف بشكل مسبق لقرار المحقق العدلي. ان المقاربة بين ما جاء في البند 2 من المادة الثالثة والبند 3 منها من شأنه ان يعزز هذا التفسير، فالبند 3 المذكور استثنى من احكام العفو جرائم اغتيال او محاولة اغتيال رجال وعلماء الدين والقادة السياسيين والدبلوماسيين العرب والاجانب، وهذا الاستثناء لم يستند الى الوصف القانوني الذي يمكن ان يعطى لاحقا لهذه الجرائم بل استند الى صفة الاشخاص الذين تناولتهم، وما يمكن ان يكون للاعتداء عليهم من مساس بالمبادئ الاساسية التي يرتكز عليها النظام، وفقا لما جاء في الاسباب الموجبة لقانون العفو. علما ان فئة الجرائم المحددة في البند 3 من المادة الثالثة، والمستثناة من احكام العفو، قد لا تكون اشد خطرا على النظام من الجرائم المحالة على المجلس العدلي المنصوص عليها في البند 2 من المادة الثالثة المذكورة، ايا كان الوصف القانوني الممكن اعطاؤه لهذه الجرائم الأخيرة. وحيث انه يبنى على ما تقدم ان المعيار المعتمد في البند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو العام اللاستثناء الذي اقره، انما هو معيار الاحالة على المجلس العدلي، أي وجود مرسوم يقضي بهذه الاحالة، وليس المعيار المبني على انطباق الجرائم على المواد 270 الى 336 من قانون العقوبات. جعجع محرض لجهة الجرم المنصوص عليه في المادة 945 من قانون العقوبات، حيث انه من الثابت ان المتهم سمير جعجع اتخذ القرار وصمم على اغتيال الرئيس كرامي، فأوعز الى اجهزته بما له من سلطة عليها، بصفته قائدا للقوات اللبنانية وصاحب القرار فيها، ومنها جهاز الامن الذي يرأسه غسان توما بتدبير عملية الاغتيال، فخلق لدى هذا الاخير التصميم الجرمي وحمله على تنفيذ الاغتيال دافعا اياه لارتكابه، وهو على علم، بما لقراره من تأثير ايجابي على ارادة غسان توما، نظرا للعلاقة الوثيقة بينهما متوقعا موافقته على ذلك. وبالفعل فقد قبل غسان توما ونفذ ما حرضه سمير جعجع عليه، فنظم خطة الاغتيال بناء لطلبه ونفذها بواسطة معاونيه، بعد ان تولى تنسيق الامور في ما بينهم على ما هو مبين في باب الوقائع. وحيث انه في هذا السياق لا تنطبق على سمير جعجع صفة الفاعل المعنوي، لأنها تفترض، في ما تفترض لتوافرها، ان يكون المدفوع الى الجرم شخصا حسن النية او غير مسؤول جزائيا الامر غير المتوافر بغسان توما، كما انه لا تنطبق عليه صفة الفاعل الذهني وهي اصلا غير ملحوظة في القانون اللبناني وقد استوعبها مفهوم المحرض الذي نص عليه هذا القانون. وفي مطلق الاحوال فإن نظرية الفاعل الذهني تستوجب ان يقدم هذا الفاعل على تنفيذ الجرم ليس فقط بواسطة شخص مأمور لديه بل ان يكون هذا الشخص الواسطة لا خيار عنده سوى تنفيذ ما امر به، وهذا ما لم يكن متوافرا بالعلاقة بين غسان توما وسمير جعجع. فإذا كان صحيحا، وفقا لما سبق بيانه، انه ليس بمقدور غسان توما او سواه من عناصر القوات الاقدام على اي عمل دون موافقة سمير جعجع بصفته الآمر الناهي فيها، الا انه ليس هنالك ما يفيد ان رؤساء الاجهزة في القوات لم يكن بمقدورهم مناقشة جعجع في خياراته وما يطلب منهم تنفيذه، فاما ان يقنعوه بوجهة نظرهم او يقتنعوا بما قرره فينصاعوا لرغبته، الامر المؤيد بموقف بيار رزق رئيس جهاز الاستخبارات، الذي لم يرضخ لطلب جعجع تنفيذ عملية الاغتيال، لمبررات استراتيجية توافرت لديه، فكان ان كلف جعجع توما بذلك بدلا من رزق فقبل توما ووافق على التنفيذ. وحيث ان تبعا لما تقدم، ومع استبعاد صفة الفاعل المعنوي او الفاعل الذهني، فإن ما اقدم عليه المتهم سمير جعجع وقد تمثل بعمل ايجابي اتجه ليس فقط الى خلق فكرة اغتيال الرئيس كرامي لدى غسان توما، بل اوجد لديه ايضا التصميم على تنفيذها، فحمله بذلك على وضع الخطة اللازمة لهذا التنفيذ الذي تم التحضير له بكل روية وعن سابق تصور مما ادى الى نجاح العملية وقتل الرئيس كرامي. وحيث ان فعل المتهم سمير جعجع بالنسبة لاغتيال الرئيس كرامي يؤلف جرم التحريض على القتل قصدا المرتكب عمدا، الجناية المنصوص عليها في المادة 549 بند (1) من قانون العقوبات معطوفة على المادتين 217 و218 فقرتها الاولى منه. الجرم السياسي حيث ان جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع تدلي بوجوب اعتبار اغتيال الرئيس كرامي، وتفجير الطوافة، واقتناء اسلحة وذخائر، جرائم سياسية بمقتضى الفقرة الاولى من المادة 196 من قانون العقوبات، واخضاعها بالتالي للمادة 198 منه، والا اعتبار تلك الاعمال مرتكبة اثناء حرب اهلية واخضاعها للفقرة الثانية من المادة 197 من قانون العقوبات. الاتفاق الثلاثي من إضعاف لمقام رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من سقوط الاتفاق الثلاثي استمرت جميع الحوارات متداولة لتمرير بنود هذا الاتفاق، واصبح الامر اكثر احراجا بعد ان تم وضع ما عرف بالورقة الاصلاحية التي نتجت عن لقاءات سباق الخيل في اىلول 1986، في حين كانت بنود الاتفاق الثلاثي لا تزال طاغية على بعض اطرافه، الامر الذي ادى الى مقاطعة الرئيس كرامي لجلسات مجلس الوزراء وقد استمرت هذه المقاطعة لفترة طويلة. رأت القوات اللبنانية وعلى رأسها الدكتور جعجع ان هذه المقاطعة سلاح موجه ضد رئيس الجمهورية لاجباره اما على الاستقالة واما على قبول الاتفاق الثلاثي، فشنت في حينه حملة سياسية اعلامية ضد الرئيس كرامي لتعطيل مقاطعته من اجل اعادة الوحدة الى الشرعية. (...) ان موقف جعجع من استقالة كرامي لم يكن ليقاس على موقف سواه ممن ذكر، لاختلاف المعطيات والموقع السياسي، فجعجع خلافا لامل والتقدمي لم يكن ليطالب بالاستقالة فحسب بل كان رافضا لعودة كرامي لترؤس اي حكومة، اذ كان يعتبر ان اعادة تكليفه هي عودة الى المشكلة نفسها ولكن بشكل آخر، على ما افاد به بنفسه في عدد مجلة »المسيرة« المومأ اليه. وكان تصور القوات ان ازاحة الرئيس كرامي من الواجهة السياسية لا بد من ان يعزز مواقعها في القرار السياسي، الامر الذي عبر عنه المسؤولون فيها اثر اغتيال الرئيس كرامي في محاضراتهم للعناصر القواتية، ومن ذلك ما افاد به الشاهد يوسف زخور في افادته الاولية (بتاريخ 7/1/1995)، اذ اوضح انه بعد عملية الاغتيال حضر احد المسؤولين في المجلس الحربي، وجمع عناصر القاعدة البحرية وخطب فيهم بقوله: »هلق مات كرامي يللي كان معارض، وبدا تجي وزارة جديدة، وصار فيها القوات تحط يلي بدا ياه محله، لانو كرامي كان عقبة وزاحت من الطريق«. ومن الخصومات الاساسية بين الرئيس كرامي والدكتور جعجع معضلة مطار حالات، اذ كان كرامي يرفض تشريع هذا المطار، معتبرا اياه مشروعا تقسيميا، في حين كان جعجع يصر ضاغطا لفتح هذا المطار، معتبرا اياه مرفقا حيويا للمناطق التي تسيطر عليها القوات اللبنانية، وكانت تلك القوات قد وضعت يدها على المرفق البحري. واذا صح ما ادلى به من ان مطلب فتح مطار حالات لم يكن محصورا بالقوات اللبنانية وبسمير جعجع، بل كانت قوى وفعاليات اخرى تطالب بفتح المطار للطيران المدني، فإن هذا القول لا يتعارض مع واقع ان القوات كانت من اكثر الملحين على هذا الامر والضاغطين لتحقيقه، فجندوا لذلك اجهزة الاعلام لديهم حتى اصبحت عبارة »حالات حتما« شعارا من شعاراتهم، فضلا عن ان فتح هذا المطار، ولئن كان يلبي مطلبا شعبيا في مناطق سيطرة القوات، فهو كان، في الوقت نفسه، مطلبا حيويا للقوات لاستكمال المقومات الخدماتية لاحكام السيطرة الفعلية على المنطقة التي كانوا يعولون عليها، اسوة بما كانت عليه الحال في مناطق سيطرة اخرى لفئات اخرى مناوئة للقوات. ان الخصومة بين الرئيس كرامي والدكتور جعجع لم تكن مقتصرة على مواضيع محددة فقط بل كانت تتناول كل المواضيع السياسية، على ما افاد به عضو مجلس قيادة القوات نادر سكر امام هذا المجلس. براءة الحايك بالنسبة لكتيل الحايك وكميل الرامي: (...) انتفاء الدليل لى وجود ترابط بين عملية اغتيال الرئيس كرامي وحادثة القاء العبوة على ضريحه. انتفاء وجود دليل على اتفاق مسبق او لاحق لحادثة الاغتيال بين كيتل الحايك وكميل الرامي وحسن علي احمد من جهة والقوات اللبنانية من جهة اخرى بهدف رمي العبوة على الضريح لغرض تضليل التحقيق دفعا لمسؤولية القوات اللبنانية في عملية الاغتيال. ثبوت اقدام كميل الرامي وحسن علي احمد على رمي العبوة على ضريح الرئيس كرامي بناء لتكليف من كيتل الحايك مع ما يترتب على ذلك من نتائج قانونية سيؤتى على بيانها لاحقا. وبالنتيجة، وفي سياقالادلة، فان المجلس العدلي يرى، وفقا لما هو مبين اعلاه، ان الطعون او الحجج المقدمة من المتهمين خلافا لما هو مبين طعنا بالادلة المتوافرة بحقهم مستوجب الرد. هذا وقد تكونت قناعة كافية لدى هذا المجلس في ضوء الادلة السابق بيانها بصحة الوقائع المعروضة وبنسبتها الى المتهمين وفقا للاطر المبينة اعلاه، فيبقى اعطاء هذه الوقائع الثابتة النتائج القانونية المنطبقة عليها. جعجع وقانون الحرب حيث ان تطبيق قوانين واعراف الحرب على الحروب الاهلية ليس من القواعد الثابتة والمستقر تطبيقها بشكل جازم في القانون الدولي. وحيث ان هذه القاعدة، ولئن كان قد تبناها بعض الفقه والاجتهاد في القانون الدولي في فترة سابقة، فانه كان يفترض لتطبيقها توافر عدة شروط: وحيث ان الشرط الأول يفترض وجود حرب اهلية. فخلافا لما تدلي به جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع، ان اضفاء صفة الحرب الاهلية على الاحداث اللبنانية التي رافقت اغتيال الرئيس كرامي لا يمكن ان يتم استنادا لتسميات درج البعض من العامة على استعمالها في وصفهم لتلك الاحداث، لعدم دقة هذه التسميات وعدم انسجامها دوما مع واقع الامور. فالظروف والمعطيات التي قامت عليها الاحداث اللبنانية واستمرت عبرها، تميزت بتطورات وتبدلات وتداخلات تمازجت فيها العوامل والمصالح الخارجية مع العوامل والمصالح الداخلية بشكل يستحيل معه تحديد الاطر الموضوعية لهذه الاحداث للمقاربة بينها وبين المفهوم الصحيح للحرب الاهلية، الذي هو بدوره مفهوم غير ثابت المعالم، مما يجعل الاوصاف المعتمدة مرهونة بالافتراضات الشخصية غير الموضوعية والتي قد لا تعبر عن الواقع الصحيح للامور من مختلف جوانبها. وقد اضفى كثير من اللبنانيين وعلى مختلف المستويات على الاحداث التي حصلت في لبنان في تلك الفترة صفة: »حرب الآخرين على ارضنا«. وحيث انه على فرض ان الاحداث اللبنانية كانت تؤلف حربا اهلية، فان الشرط الثاني لتطبيق قواعد واعراف الحرب شأنها يستوجب ان يكون للمتقاتلين فيها صفة المحاربين بمفهوم القانون الدولي. وحيث ان اكتساب صفة المحاربين في مفهوم القانون الدولي يستوجب قيام مجموعة عسكرية مسلحة ومنظمة، اكتسبت كيانا جغرافيا خاصا بها مختلفا عن كيان الدولة، اقامته على جزء من اراضيها، وان تمارس في اطار كيانها هذا حقوق سيادة متقيدة في تصرفاتها قوانين واعراف الحرب. وحيث ان هذا الشرط الثاني لم يكن ينطبق على الميليشيات المتصارعة في الحرب اللبنانية، ومن بينها ميليشيات القوات اللبنانية. فهذه، ولئن كانت تؤلف مجموعات عسكرية مسلحة ومنظمة الا انه لم يكن لها الكيان الجغرافي في ارض مستقلة عن ارض الدولة. فبالرغم من ان كلا من هذه الميليشيات كان يفرض سيطرته على المنطقة التي كان يهيمن عليها، الا ان ذلك لم يفض بصورة مطلقة الى انهاء مظاهر الدولة وسيادتها ووجودها في المناطق التي كانت تتواجد فيها الميليشيات، بدليل ما هو متوافر في الدعوى الحاضرة من تواجد قواعد عسكرية تابعة للجيش اللبناني عاملة ضمن المناطق التي كانت تعمل فيها القوات اللبنانية، ومنها مهبط ادما وقاعدة حالات الجوية، ولا يجهلن احد ان الدولة وان كانت قد تقلصت ممارستها للسلطات العائدة لها في بعض المناطق التي كانت تتواجد فيها الميليشيات، الا ان الدولة بقيت تمارس قسما كبيرا من سيادتها في تلك المناطق سواء على صعيد المؤسسات السياسية او الادارية، بدليل آخر ايضا، هو ان شعار »حالات حتما« لم يتم تحقيق ما يرمز اليه واقعا، حيث كانت ميليشيا القوات اللبنانية آنذاك مضطرة للحصول على ترخيص من الدولة اللبنانية لانشاء مطار في حالات، منطقة تواجد القوات، وقد قوبل اصرارها الحثيث على انشاء هذا المطار برفض جازم من رئيس الوزراء رامي، وكان ذلك احد اسباب التخطيط لاغتياله. وحيث انه في مطلق الاحوال فان تطبيق قواعد واعراف الحرب، على الاحداث اللبنانية، يفتقر الى توافر شرط ثالث هو ان تكون الدولة، التي تدور رحى الاحداث على جزء من ارضها، قداعترفت بصفة المتحاربين وفقا لمعايير القانون الدولي، وإذا كان من الممكن ان يكون هذا الاعتراف ضمنيا، الا انه من الضروري ان يكون واضحا ومعبرا عن نية الدولة هذه، ومثل هذا الاعتراف قلما تحقق عمليا على صعيد القانون الدولي. فخلافا لما تدلي به جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع، ان اعتراف الدولة اللبنانية باضفاء صفة المحاربين على عناصر الميليشيات لم يكن محققا، بالصورة الصريحة الواضحة التي يفترضها مفهوم القانون الدولي، فلم يكن في تصرفات الدولة تجاه هؤلاء ما ينم عن اعترافها لهم بأي من حقوق السيادة، والاتفاقات التي كان هؤلاء يعقدونها في ما بينهم، بالاشراف المباشر او غير المباشر للدولة، كالاتفاق الثلاثي، لم تكن لتصبح نافذة وملزمة بذاتها دون موافقة الدولة مرورا بمؤسساتها الدستورية، علما ان اشتراك بعض قياديي الميليشيات في حكومات تم تأليفها في فترة الاحداث، اوتبوء بعضهم الآخر مراكز سياسية دستورية، ليس فيه، بذاته، ما ينم عن اعتراف الدولة بصفة هؤلاء القياديين كمحاربين في مفهوم القانون الدولي. يبنى على ما تقدم، ان شروط تطبيق قانون واعراف الحرب على ميليشيا القوات اللبنانية وعلى قائدها سمير جعجع، بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس كرامي، هي شروط غير متوافرة في هذه الدعوى، وبالتالي فان الدفع المدلى به غير مسموع من هذه الناحية. وتبقى الافعال المرتكبة بالنسبة لعملية اغتيال الرئيس كرامي خاضعة لاحكام القوانين الجزائية الوضعية الداخلية. بحكم كونها من الافغال المندرجة ضمن احكام المادة الثانية 3 ج من قانون العفو العام، تعتبر مشمولة بالعفو الكامل. وحيث ان النصوص القانونية يجب ان تفسر وتنسق، بعضها مع البعض الآخر، تقصيا لارادة المشترع وللمعنى الحقيقي، تلافيا لأي تناقض بينها وبين أي نص قانوني آخر. وحيث انه، خلافا لما تدلي به جهة الدفاع، فان قوانين العفو كونها قوانين استثنائية من شأنها ان تسقط حق الملاحقة فهي يجب ان تفسر بصورة ضيقة فلا يمتد مفعولها الى اشخاص غير مقصودين بها. بهذا المعنى: - Merle et vitu; Traitژ de droit Criminel; Procedure Penale; 7eme edt; p.849. وبالتالي وخلافا للقاعدة العامة فان الابهام الذي قد يعتور بعض نصوص قوانين العفو يفسر لصالح الملاحقة التي هي المبدأ وليس لصالح اسقاط الملاحقة الذي هو الاستثناء. وحيث انه إذا كانت قوانين العفو تستند الى معايير شخصية لتحديد المستفيدين منها، فتشمل فئات معينة من الملاحقين، الا انه كثيرا ما يتم الاعتماد على معايير موضوعية تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الجرائم المقرر العفو عنها واهميتها ونتائجها على المجتمع، فيقرر المشترع العفو عن فئة من الجرائم دون فئة أخرى، فلا يؤلف ذلك مخالفة لمبدأ المساواة، الأمر الذي تعبر عنه الاسباب الموجبة لقانون العفو العام رقم 84/91 بقولها ان العفو يجب ان لا يشمل عددا من الجرائم اما لتعلقها بالمبادئ الاساسية التي يرتكز عليها النظام، او لالحاقها ضررا بالغا بالاقتصاد الوطني وبالملكية العامة والخاصة على السواء. وحيث ان أي تفسير للبند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو العام رقم 84/91 يجب ان يأخذ بعين الاعتبار ما هو مبين اعلاه من قواعد. وحيث ان المادة الثالثة المذكورة، نصت في بندها الثاني على انه تستثنى من احكام قانون العفو المذكور: »الجرائم المحالة على المجلس العدلي قبل نفاذ هذا القانون«. وحيث انه يستفاد من صراحة البند 2 هذا ان المعيار المعتمد فيه، تحديدا للجرائم المستثناة من احكامه، يستند الى واقع احالة هذه الجرائم على المجلس العدلي، أي وجود مرسوم مقرر لهذه الاحالة، دون ان يكون في هذه المادة مايجيز التفسير، المدلى به، بأن المعيار المقرر بموجبها هو ان تكون هذه الجرائم من الاختصاص الوظيفي للمجلس العدلي المحدد بمتقضى المادة 363 اصول جزائية، والذي تناول الجرائم المنصوص عليها في المادة 270 الى المادة 336 من قانون العقوبات. وبالفعل، لو اراد المشترع، تحديدا للجرائم المستثناة من قانون العفو، اعتماد المعيار المبني على انطباق هذه الجرائم على الاوصاف القانونية الواردة في المواد 270 الى 336 عقوبات، لكان اشار الى ذلك بصورة صريحة كما هي الحال في البند السابق مباشرة: أي البند (1) من المادة الثالثة من قانون العفو، وقد جاء في هذا البند انه يستثنى من العفو« الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي المنصوص عليها في المواد 273 الى 300 من قانون العقوبات«، علما ان جميع الجرائم المنطبقة عليها هذه المواد الأخيرة تدخل في اختصاص المجلس العدلي، مع ما يؤدي اليه هذا الأمر من ازدواجية بين البند 1 والبند 2 من المادة الثالثة. ولو كان قصد المشترع في البند 2 من هذه المادة اعتماد الوصف القانوني، لتحديد ما هو مستثنى من احكامه، دون الاستناد الى واقع احالتها على المجلس العدلي، لاكتفى بماذكره صراحة في عداد المواد المعددة في البند (1) من المادة الثالثة دونما حاجة للجوء الى البند 2 منها. ان تفسير البند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو على النحو الذي تدلي به جهة الدفاع، من شأنه ان يؤدي الى عدم الانسجام في الملاحقة بين الملاحقين بجرائم هي من فئة واحدة، بمعنى ان الجرائم المنطبقة على المواد 270 الى 336 من قانون العقوبات يمكن ان تصبح مستثناة من قانون العفو اذا كان مرتكبوها قد احيلوا الى المجلس العدلي، ويمكن ان يصبح هؤلاء مستفيدين من قانون العفو في ما خص الجرائم نفسها إذا لم يحالوا الى المجلس العدلي، خصوصا وان الاحالة على المجلس العدلي بمقتضى المواد 270 الى 336 ليست حتمية بل خاضعة لاستنساب وتقدير السلطة التنفيذية التي لها الحق في اصدار مرسوم في ملجس الوزراء، تقرر بموجبه هذه الاحالة، وهي ان امتنعت عن ذلك بقيت الجرائم المنطبقة اوصافها على المواد المذكورة من اختصاص القضاء العادي. ان جهة الدفاع عن الدكتور سمير جعجع ادلت في مرافعاتها بعدم المساواة في تطبيق العدالة وبالتالي بعدم صحة الاحالات امام المجلس العدلي، ومنها احالة الدعوى الحالية، الا ان ادءها هذا يبقى مردودا، لأن مبدأ فصل السلطات يمنع هذا المجلس من البحث في صحة تلك الاحالات، ويحتم عليه التزام حدود اختصاصه القضائي وعدم مناقشة السلطة التنفيذية في ما قررته في حدود اختصاصها، أي مرسوم الاحالة على المجلس العدلي. ان قانون العفو العام عندما قرر في البند 2 من المادة الثالثة منه استثناء الجرائم المحالة على المجلس العدلي من احكام العفو، انما أخذ بعين الاعتبار النتائج التي تأتت عن هذه الجرائم واهميتها وانعكاساتها على المجتمع في ضوء اهمية الاشخاص الذين تناولتهم نظرا لدورهم السياسي او القيادي او التمثيلي الذي كان لهم بتاريخ حصول الجريمة. ان المشترع عند اقراره للبند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو يكون قد اعتمد معيار الاحالة على المجلس العدلي لاستثناء بعض الجرائم من احكامه وليس الوصف القانوني الذي يمكن ان يقرر لها، إذ لم يكن بمقدوره حتى لو اراد افتراضا تصور هذا الوصف بشكل مسبق لقرار المحقق العدلي. ان المقاربة بين ما جاء في البند 2 من المادة الثالثة والبند 3 منها من شأنه ان يعزز هذا التفسير، فالبند 3 المذكور استثنى من احكام العفو جرائم اغتيال او محاولة اغتيال رجال وعلماء الدين والقادة السياسيين والدبلوماسيين العرب والاجانب، وهذا الاستثناء لم يستند الى الوصف القانوني الذي يمكن ان يعطى لاحقا لهذه الجرائم بل استند الى صفة الاشخاص الذين تناولتهم، وما يمكن ان يكون للاعتداء عليهم من مساس بالمبادئ الاساسية التي يرتكز عليها النظام، وفقا لما جاء في الاسباب الموجبة لقانون العفو. علما ان فئة الجرائم المحددة في البند 3 من المادة الثالثة، والمستثناة من احكام العفو، قد لا تكون اشد خطرا على النظام من الجرائم المحالة على المجلس العدلي المنصوص عليها في البند 2 من المادة الثالثة المذكورة، ايا كان الوصف القانوني الممكن اعطاؤه لهذه الجرائم الأخيرة. وحيث انه يبنى على ما تقدم ان المعيار المعتمد في البند 2 من المادة الثالثة من قانون العفو العام اللاستثناء الذي اقره، انما هو معيار الاحالة على المجلس العدلي، أي وجود مرسوم يقضي بهذه الاحالة، وليس المعيار المبني على انطباق الجرائم على المواد 270 الى 336 من قانون العقوبات. جعجع محرض لجهة الجرم المنصوص عليه في المادة 945 من قانون العقوبات، حيث انه من الثابت ان المتهم سمير جعجع اتخذ القرار وصمم على اغتيال الرئيس كرامي، فأوعز الى اجهزته بما له من سلطة عليها، بصفته قائدا للقوات اللبنانية وصاحب القرار فيها، ومنها جهاز الامن الذي يرأسه غسان توما بتدبير عملية الاغتيال، فخلق لدى هذا الاخير التصميم الجرمي وحمله على تنفيذ الاغتيال دافعا اياه لارتكابه، وهو على علم، بما لقراره من تأثير ايجابي على ارادة غسان توما، نظرا للعلاقة الوثيقة بينهما متوقعا موافقته على ذلك. وبالفعل فقد قبل غسان توما ونفذ ما حرضه سمير جعجع عليه، فنظم خطة الاغتيال بناء لطلبه ونفذها بواسطة معاونيه، بعد ان تولى تنسيق الامور في ما بينهم على ما هو مبين في باب الوقائع. وحيث انه في هذا السياق لا تنطبق على سمير جعجع صفة الفاعل المعنوي، لأنها تفترض، في ما تفترض لتوافرها، ان يكون المدفوع الى الجرم شخصا حسن النية او غير مسؤول جزائيا الامر غير المتوافر بغسان توما، كما انه لا تنطبق عليه صفة الفاعل الذهني وهي اصلا غير ملحوظة في القانون اللبناني وقد استوعبها مفهوم المحرض الذي نص عليه هذا القانون. وفي مطلق الاحوال فإن نظرية الفاعل الذهني تستوجب ان يقدم هذا الفاعل على تنفيذ الجرم ليس فقط بواسطة شخص مأمور لديه بل ان يكون هذا الشخص الواسطة لا خيار عنده سوى تنفيذ ما امر به، وهذا ما لم يكن متوافرا بالعلاقة بين غسان توما وسمير جعجع. فإذا كان صحيحا، وفقا لما سبق بيانه، انه ليس بمقدور غسان توما او سواه من عناصر القوات الاقدام على اي عمل دون موافقة سمير جعجع بصفته الآمر الناهي فيها، الا انه ليس هنالك ما يفيد ان رؤساء الاجهزة في القوات لم يكن بمقدورهم مناقشة جعجع في خياراته وما يطلب منهم تنفيذه، فاما ان يقنعوه بوجهة نظرهم او يقتنعوا بما قرره فينصاعوا لرغبته، الامر المؤيد بموقف بيار رزق رئيس جهاز الاستخبارات، الذي لم يرضخ لطلب جعجع تنفيذ عملية الاغتيال، لمبررات استراتيجية توافرت لديه، فكان ان كلف جعجع توما بذلك بدلا من رزق فقبل توما ووافق على التنفيذ. وحيث ان تبعا لما تقدم، ومع استبعاد صفة الفاعل المعنوي او الفاعل الذهني، فإن ما اقدم عليه المتهم سمير جعجع وقد تمثل بعمل ايجابي اتجه ليس فقط الى خلق فكرة اغتيال الرئيس كرامي لدى غسان توما، بل اوجد لديه ايضا التصميم على تنفيذها، فحمله بذلك على وضع الخطة اللازمة لهذا التنفيذ الذي تم التحضير له بكل روية وعن سابق تصور مما ادى الى نجاح العملية وقتل الرئيس كرامي. وحيث ان فعل المتهم سمير جعجع بالنسبة لاغتيال الرئيس كرامي يؤلف جرم التحريض على القتل قصدا المرتكب عمدا، الجناية المنصوص عليها في المادة 549 بند (1) من قانون العقوبات معطوفة على المادتين 217 و218 فقرتها الاولى منه. الجرم السياسي حيث ان جهة الدفاع عن المتهم سمير جعجع تدلي بوجوب اعتبار اغتيال الرئيس كرامي، وتفجير الطوافة، واقتناء اسلحة وذخائر، جرائم سياسية بمقتضى الفقرة الاولى من المادة 196 من قانون العقوبات، واخضاعها بالتالي للمادة 198 منه، والا اعتبار تلك الاعمال مرتكبة اثناء حرب اهلية واخضاعها للفقرة الثانية من المادة 197 من قانون العقوبات. وحيث انه بمقتضى المادة 196 من قانون العقوبات تعتبر سياسية وفقا للمعيار الشخصي الجرائم المقصودة التي اقدم عليها الفاعل بدافع سياسي، كما تعتبر سياسية وفقا للمعيار الموضوعي الجرائم الواقعة على الحقوق السياسية العامة والفردية، ما لم يكن الفاعل قد انقاد لدافع اناني دنيء. كذلك، وبمقتضى المادة 197 من قانون العقوبات تعد سياسية ايضا الجرائم المركبة او الملازمة لجرائم سياسية ما لم تكن من اشد الجنايات خطورة من حيث الاخلاق والحق العام، كالقتل والجرح الجسيم والاعتداء على الاملاك احراقا او نسفا (...) وكذلك الشروع في تلك الجنايات. وحيث ان المقصود بالجرائم المركبة مع جرم سياسي الافعال الجرمية التي تمس في الوقت نفسه حقا او مصلحة فردية وحقا او مصلحة سياسية. وحيث ان التسليم بأن جريمة اغتيال الرئيس كرامي ومحاولة اغتيال مرافقيه، هي سياسية من حيث الدافع اليها، الا انها في الوقت نفسه ادت الى المساس بحقوق فردية شديدة الخطورة، كالحق بالحياة، مما يحولها جريمة مركبة بالمعنى المقصود في المادة 197 من قانون العقوبات. وحيث انه بحكم الفقرة الاولى من المادة 197 المذكورة فإن هذه الجريمة تفقد صفتها السياسية كونها من أشد الجنايات خطورة لأنها ادت الى القتل والاعتداء على الاملاك، وتحديدا الطوافة، عن طريق النسف وباستعمال العنف، فلا يمكن والحالة ما ذكر اخضاعها لأحكام المادة 198 من قانون العقوبات قبل تعديلها بموجب القانون رقم 302/94، ويكون الادلاء بما يخالف ذلك مستوجبا الرد. وحيث انه لجهة الطلب الرامي الى تطبيق الفقرة الثانية من المادة 197 من قانون العقوبات، بالنسبة للمتهم سمير جعجع، فإن هذه الفقرة، والتي نصت على ما مضمونه انه في الحرب الاهلية او العصيان تعد الجرائم المركبة او المتلازمة سياسية اذا لم تمنعها عادات الحرب، وقد اشترطت لذلك ان لا تكون هذه الجرائم مؤلفة لأعمال بربرية او تخريب. وحيث انه بمعزل عما اذا كانت جريمة اغتيال الرئيس كرامي هي من الافعال التي تبررها اعمال الحرب ام لا، وبمعزل عن صفة هذه الحرب، فإن التخريب الذي رافق هذه الجريمة والمتمثل بتفجير الطوافة العسكرية هو كاف لعدم شمولها بأحكام الفقرة الاخيرة من المادة 197 من قانون العقوبات، مما يجعل الطلب الوارد خلافا لذلك مستوجب الرد. مطر شريك حيث انه من الثابت بالوقائع المؤيدة بالأدلة المعروضة ان المتهم العميد خليل مطر كان على علم مسبق بالمخطط المقرر لتنفيذ عملية اغتيال الرئيس كرامي، ودوره فيه وكذلك دور جهاز جنيفا الذي استعمله في الزورق للتنبه، في اللحظة المناسبة، لمرور طوافة الرئيس كرامي في منطقة رأس الشقعة، وتنبيه غسان منسى لذلك، الامر الذي مكن هذا الاخير من الضغط على الجهاز المرسل لموجة التفجير، وبالتالي الى تفجير الطوافة. وحيث ان ما اقدم عليه المتهم العميد مطر لهذه الجهة لا يجعله متدخلا في جريمة الاغتيال، على ما انتهى اليه القرار الاتهامي، بل شريكا فيها. وبالفعل، ان صفة المتدخل تتوافر بمن ساعد على وقوع الجريمة بعمل لا يصل الى ركنها المادي او الى اعمالها التنفيذية او الرئيسية، في حين ان الشريك هو من يرتكب جزءا من الركن المادي للجريمة او يأتي عملا من اعمالها التنفيذية او يقوم بدور رئيسي فيها. ان المقصود بالدور الرئيسي للشريك في الجريمة، هو الدور الذي لا يدخل في ركنها المادي كما عرفه القانون، وانما تتوقف عليه بصورة مباشرة الافعال الاخرى التي اتمت فعليا هذا الركن المادي، فعمل الشريك هو العمل الذي يرمي مباشرة الى اقتراف الجريمة، دون ان يبقى في اطار الاعمال التحضيرية. الأسباب التخفيفية حيث ان النيابة العامة تدلي بعدم جواز منح المحكوم عليهم الاسباب التخفيفية التقديرية مستندة بذلك الى احكام قانون العفو العام. وحيث انه ليس في قانون العفو العام ما يحول دون حق المجلس في منح الاسباب التخفيفية اذا رأى لزوما لذلك، وان جاز تفسير المادة الخامسة منه بأنها تتعلق فقط بالجرائم غير المستثناة من احكامها، الا انه ليس فيها ما يجيز القول بأنها ألغت ما هو مقرر للمحكمة، بمقضتى المادتين 253 و254 من قانون العقوبات، من حق بمنح الاسباب التخفيفية اذا ما رأت لزوما لذلك، لا سيما وان الجرائم موضوع الدعوى الحاضرة ارتكبت بتاريخ سابق للقانون رقم 302 تاريخ 21/3/1994. وحيث ان جريمة اغتيال الرئيس كرامي تحققت بتاريخ 1/6/1987، وكانت الانقسامات الفئوية والطائفية بين فئات الشعب اللبناني على اشدها، وقد تغلب منطق الفوضى على منطق الحق والشرعية، وشجع انفلات الغرائز... وسقط ضحايا لم يكن لهم اي ارتباط بما كان يحصل. وحيث انه بالرغم من فداحة النتيجة التي ترتبت على الجريمة التي اودت بحياة المغفور له رئيس الوزراء في حينه الرئيس رشيد كرامي مع ما يمثله من دور مسالم ومكانة سياسية وانسانية وشعبية، الا ان ما يؤخذ بالاعتبار، لدى تحديد مقدار العقوبة، هو الظروف التي سبقت ورافقت ارتكاب الجريمة. وحيث ان اغتيال الرئيس كرامي مرتبط بما كان سائدا في تلك الفترة من ظروف سبق بيانها اعلاه. وقد انقضت هذه الظروف وتلاشت بعد ان استعادت الدولة كامل مكانتها وشرعيتها كضامن لوحدة المواطنين، مسؤولة عن امنهم وحياتهم. وحيث ان المجلس آخذا بالاعتبار ارتباط جريمة اغتيال الرئيس كرامي بذيول الحرب اللبنانية المنقضية، يرى منح بعض المحكوم عليهم في الدعوى الحاضرة، والمحالين وجاهيا فيها، الاسباب التخفيفية التقديرية.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة