ما يلفت في النصوص العتيقة التي كتبتها النساء العربيات أواخر القرن التاسع عشر، أوائل القرن العشرين، ليس قيمتها ومعناها وصيرورتها فحسب، بل تشكلها وتحققها بحد ذاته، أي اللحظة التي امتشقت فيها اليد الأنثوية القلم وتحدت فيها الورقة البيضاء، منعتقة من رخاوة هذه اليد، من عادية وشظف وابتذال الاعمال المنزلية، التي تنجزها بانتظام منذ مئات القرون ومنعتقة ايضا من هلع الكلام المرسوم على الورق ورهبته، بعد أن سئمت من الحكي والهذر، من الشفهي الذي يطير كالهواء ولا يستقيم كشهادة. ما يلفت هو اللحظة التي اختطفت فيها النساء القلم من يد الرجل لتخرج من الخباء والسرية، الى العلانية الرمزية، المجردة، لتعلن عن ولادتها الثقافية، هو كل المسار الداخلي، الفكري والوجداني، الذي قطعته كي تكتب نفسها، كي تنظر الى ذاتها بذاتها وتتأمل هذه الذات في مرآة الكتابة، وتدعو الآخرين الى النظر في هذه المرآة، كي يتأملوها ويروها كما هي، ويروا ذواتهم فيها. ما يلفت هو اللحظة التي استولدت فيها الكاتبة منهن مخاطبا افتراضيا تتوجه إليه، تفاجئه، تعلمه وتخبره، وتجادله، تحرضه على الإنصات الى ما يخص شؤونها وشؤونهما معا ومضامين ومعاني حياتهما، كاشفة له أوجاعها ورغباتها وأشواقها ومكنوناتها الدهرية، ناقدة مسلماته وأفكاره المسبقة، وادعاءاته، لحظة شعرت ان لا بد للذكر أن ينصت لها، لهما، حان الوقت. بمعنى آخر، هذه اللحظة، هي اللحظة العارمة الجامحة التي اجتاحت فيها النساء شهوة الكتابة، بعد أن استفزت قراءاتها النظامية (التعليم) وغير النظامية، البيتية، عقلها ووجدانها، فهبّت تكتب انجراحاتها وتوتراتها، مجازفة بالتحدث الى متلقين غير منتظرنين، مجهولين ماديا لها، الى هيكليات السلطة الذكورية الأسطورية العالقة في ثنايا روحها، الى متلقين تعرفهم دون علم منهم. ما يلفت هو بزوغ خيال نسوي، والتخيّل خطوة أولية للتحول، خيل لهن امتلاك بعض ذواتهن، وان لم يتحكمن بعد بمصائرهن، وخيل لهن أن للحرية باباً يدق أيضا بالكلام المكتوب وان هذا الكلام المكتوب يصلح لردم الهوة بين الذات والذات، وبين هذه الذات والآخرين وخيل لهن أن أي فعل تحرر يبدأ بأخذ الكلام. هذا الكلام ينطبق على الكاتبة اللبنانية زينب فواز (1860ـ1914) من تبنين جنوب لبنان، التي رحلت في عمر مبكر الى القاهرة، التي عرفت بالفطرة سر الكتابة وامتهنتها في العقد الاخير من القرن التاسع عشر حين كانت الاصوات النسائية خافتة ومتلعثمة. قبل صدور كتاب <الرسائل الزينبية> عن الهيئة المصرية للكتاب أواخر 2007 كان هذا العنوان يتبدى كرمز، كشيفرة لكنز دفين مسحور، فارضا على الراغب بالاطلاع عليه التنقيب دون جدوى، وفي أحسن الاحوال الجلوس الطويل في مكتبة جامعية كئيبة. <الرسائل الزينبية> وهي كناية عن مجموعة مقالات نشرت بين أعوام 1892ـ ,1906 في عدد في الصحف المصرية منها <اللواء> و<المؤيد> و<المنار> و<رائد النيل> و<المهندس> و<الاتحاد المصري> و<الفتاة> و<أنيس الجليس> و<فرصة الأوقات>. مما يدل على احتضان الصحف المصرية قلم زينب فواز وأفكارها، ورحابة هذه الصحف واستعدادها للاحتفاء بها وبغيرها، رغم ان زينب فواز دخلت قضية المرأة من باب التأريخ لسير نساء مشهورات في التاريخ العربي والاسلامي والتاريخ الغربي، جمعتها في <الدر المنثور في طبقات ربات الخدور> عام ,1893 بغية إبراز دور النساء في حركة التاريخ والصيرورة البشرية، إلا أنها لم تثر مشاكل المرأة في زمانها ولم تعبر عن وجهات نظرها فيها سوى في <الرسائل الزينبية> التي استحقت بفضلها صفة الرائدة ـ الاولى، مستبقة قاسم أمين المطوّب رائداً أول، ومن يجرِ مقارنة ولو سريعة مع طروحات هذا الأخير، يجد انه أثار المشاكل نفسها التي طرحتها زينب وعالجها الى حد كبير بالعقلية نفسها، مستخدما أحيانا البراهين نفسها. آن الأوان أن نتساءل: كيف فهمت زينب فواز مشكلة المرأة في عصرها؟ الحجاب بجملة خلفياته واستراتيجياته ومراميه، شكل <الحجاب> القماشة الخلفية الرئيسية لطروحات زينب فواز المتمركزة حول إعادة الاعتبار لكينونة المرأة ودورها، ففي عصرها كان الحجاب الآلة ـ الأيديولوجية التي تموضع النساء في الزمان والمكان، وتحتجزهن في الحريم، في عوالم خاصة بهن، فيما تتاح للرجال كل الفضاءات الخارجية، فالهندسة المكانية الاجتماعية محكمة، والفضاءات ودينامياتها موزعة حسب النوع. والرجل هو الذي يصمم ويوزع الادوار بعدما استأثر بكل <قدرة سيفية وقلمية وتشريعية> كما توجز. تصدت زينب للحجاب وآلياته بشكل مركب، مضمر، مرهف، حذر، موارب، اقتضى ألا تطالب بنزع الحجاب الشكلي، أو بمهاجمة مؤسسة الحريم، وألا تطالب جهرا بتسويغ الاختلاط بين الجنسين، المدماك الأولي في مؤسسة الحجاب، ولأنه حذر وحكيم، اتخذ تصديها له طابع الشكوى من الغلو في تطبيقه، من غلاظته وفظاظته كما تصفه، من أضراره الجانبية الفائقة، كما اتخذ هذا التصدي طابع التشكيك الخاطف في كونه قاعدة دينية محسومة وإحالته الى منظومة العادات الراسخة، وتأرجحها اللفظي الدائم بين كونه قاعدة أو عادة، دون إصرار كبير منها على نفي مشروعيته، كما فعل من حمل الشعلة بعدها كقاسم أمين في <تحرير المرأة>، أو نظيرة زين الدين في <السفور والحجاب>، ولكنها بالمقابل طالبت بأمور دنيوية أرضية غير متوافرة وعلى نقيض مع مفاهيم الحجاب المعمول بها آنذاك، كحق المرأة في التعليم والعمل وحتى في المشاركة السياسية. هي التي جمعت في سير النساء العربيات المسلمات والأجنبيات المبدعات والقائدات السياسيات في <الدر المنثور في طبقات ربات الخدور>، ورفضت ربطا تقسيم العمل على أساس النوع، بالإضافة الى أنها لم تربط العفة بالحجاب، وحمّلت الرجل مسؤولية الفتنة في غالب الاحيان لانفلات شهواته ورغباته، وفي أحسن الأحوال ساوت بينهما في السعي الى الفضيلة أو الرذيلة، ففيهما <الطيب> و<الخبيث>، منطلقة في مشروعها من فلسفة تقول باكتمال طاقات المرأة واستعدادات المرأة الفكرية والعقلية والوجدانية الأخلاقية، واستعدادها للتعلم والعمل والإبداع، مساوية تماما بينها وبين الرجل، لم تكن فكرة الحق في الاختلاف بين الجنسين، ذاك الذي لا يبرر التمييز والمفاضلة بينهما قد راودتها، كان الرجل، ولا يزال عموما، هو مثال الانسان الكلي، الانسان الاول الذي يتوجب التماهي معه والتماثل به. بمعنى آخر، بدل أن تصب زينب فواز جهودها على نزع الحجاب وتسمية مستتبعاته باسمها، كأن تهاجم حظر الاختلاط المطلق، فكّكت البنى التي يستند إليها ويستمر، محافظة على التراتبية الاجتماعية والإنسانية القهرية، أي اخترقته دون تمزيقه، دون تصويب سهامها عليه مباشرة، مما يجيز لنا بداية تظهير أنماط عيشها وعيش المرأة التي استهدفتها وأشكال تلقي هذه الأخيرة للحجاب وإحساسها به، وفهم زينب لأسبابه، وتفكيك أفكارها ومفرداتها. فكيف عبرت زينب عن إشكالية علاقتها ونساء عصرها بالحجاب؟ تعالج زينب هذه الإشكالية في معظم رسائلها، ولكننا سنكتفي في هذا البحث القصير بتحليل رسالتها الأولى التي تبادر فيها الى طرح حيثيات <المشكل>، موحية بطرائق معالجتها اللاحقة لهذه الحيثيات التي جاءت بمثابة <زلات لسان>، لا يمكن تماما ضبطها، وتعبر عن مكنونات المتلفظ بها الدفينة، المضمرة، الغائرة في وجدانه، والتي تفوق احيانا بكثافة دلالاتها نصوصا مطولة. <أغلاظ الحجاب> <مضى زمان والمرأة منا نحن الشرقيات مغلق أمامها باب السعادة، لا تعرف نفسها إلا آلة بيد الرجل، يسيّرها أنى سار، ويديرها كيف شاء، ويشدد عليها النكير بأغلاظ الحجاب، وسد أبواب التعليم، وعدم الخروج من المنزل، وبحرمانها من حضور المحافل النسائية العامة، الى حد أنه كان يخيل لها أن تلك الأفعال من الموبقات لو اتبعتها لأخلّت بنظام شرفها وناموس صيانتها....> (ص 36ـ37). بهذا الاستدلال وعلى هذه الشاكلة، باشرت <زينب> رسالتها الاولى الصادرة في 29 رمضان 1309 (1892م) راسمة أحوال المرأة المصرية، فجاءت مقدمة رسالتها بمثابة <عرض حال> مكثف يعلن عن وجود مشكلة تتعلق بكيفية إدارة الرجال لمؤسسة الحجاب، فالرجل يتحكم تحكما مطلقا بحياة المرأة، بحيث باتت تعي نفسها، <آلة بيد الرجل يسيرها أين سار ويديرها كيف شاء>. هنا التشييء الاحتقاري للمرأة يعني أن الرجل يستغل مفهوم الحجاب لبسط سيطرته على كامل كينونتها، مشددا عليها النكير <بأغلاظ الحجاب>. في هذه الفقرة أثارت <زينب> كل مواجع نساء عصرها، فالمرأة التي وصفتها فاقدة الحرية، وتعامل بمثابة شيء، لا عقل له ولا رغبة ولا إرادة، ولا تتملكه أية مشاعر أو أحاسيس، ولأنها معتبرة كذلك، يفرض عليها الرجل أهواءه ورغباته، وعن هذا التحكم ينتج حرمانها من حقها في المعرفة، ومن الاتصال بالعالم الخارجي، الذي يقتضي <الخروج من المنزل>، فيبقيها مستغرقة في غفلتها وعزلتها، تجتر وجودها المنزلي وطقوسه. وتكشف زينب أن الرجل نجح بتوتير المرأة وبوسمها بعقدة ذنب دائمة، حتى انه صار <يخيل لها> أن تتوهم أن الخروج الى المحافل النسائية العامة، أي غير المختلطة، من الموبقات <أي ان الامر انتهى بتواطؤ المرأة مع الرجل ضد مصلحتها>، تماما كما يتواطأ العبد مع سيده منسجما مع نظرية <العبودية المختارة> التي تحدث عنها La Boitie، وفوق ذلك تستبطن الشعور بالإثم، وتسوغه لنفسها دون مبرر موضوعي. إلا أن دوافع الأزواج في ما تروي تختلف عما تتخيله النساء المخدرات، فهي تنهض على شعور الرجل وخوفه من تفتح النساء، فهذا الأخير يخشى أن يؤدي تنوع مشاهدات المرأة وخبراتها الى رفضها واقعها وتمردها على سلطة الرجل ـ الزوج، وعدم إطاعته، <وحجة الأزواج في ذلك أنها لو علمت المرأة كنه الهيئة الاجتماعية، وأحوال طبقات الناس، فإنها تصير على زعمهم غير راضية بعيشها، كارهة لحكم زوجها الجائر، فيوجهها العلم والتعلم الى أن تشق عصا الطاعة> (ص 37)، أي ان ادعاء الرجل وحرصه على الفضيلة، يتهاوى إزاء بعض الهواجس الحقيقية الكامنة في عقول الرجال ووجدانهم، والتي قد تصدر في لحظة بوح على ألسنتهم هم، فتفضح خوفهم، خوف هؤلاء الرجال من إدراك النساء لما يحيط بهن ومقارنة ما يدركنه، مع ما ينالهن في الواقع، أي ازدياد قدرتهن على التمييز والفهم. أي إن الغاية الفعلية من أي تدبير تقييدي لحرية النساء هو إبقاء موازين القوى بين الجنسين على ما هي عليه، مما يعني أن استراتيجيات الحجاب ليست بريئة من رغبة الرجال في السيطرة على النساء وتطويعهن، وان محاولات ربطها بقيم الفضيلة تبدو واهنة وغير حقيقية. اذ لا تجد <زينب> صلة حتمية بين خروج النساء من خدورهن والفضيلة، ويكاد يرشح من تكرارها لعبارتين تحملان المعنى ذاته <نظام شرفها وناموس صيانتها>، امتعاضها بل هزؤها من هذا الاعتقاد وعبثيته. من جهة اخرى، تأتي زينب بعنصر جديد قياسا لأدبيات تحرير المرأة المتراكمة حتى ذاك التاريخ، وهو <سعادة النساء>، اذ تضع كل هذه السلوكات الذكورية في حالة تضاد مع سعادة المرأة <المرأة منا نحن الشرقيات مغلق أمامها باب السعادة>. هذا المصطلح سيتكرر في ما بعد مشكّلاً مفتاح نضالها، أي انها لا تنطلق على غرار رجالات النهضة من مبدأين براغماتيين، وهما الضرورة والحاجة المجتمعية والسرية، بل من أشواق المرأة ذاتها ورغباتها وحاجاتــها، دون ادعاء مفرط منها بالغيرية وحب التضحية، فالســعادة مرتبطة باللذة، وللسعادة مصدران داخلي وخارجي، يتفاعلان جدليا. تنم مطالبتها لنفسها وللشرقيات عموما بالسعادة عن شعور متنام بذاتها، وأناتها، هذه <الأنا> التي تصطدم بأنا عليا Le Surmoi منحازة ومستبدة. وسنرى أن سعادتها مرتبطة بتفاعلها كأمرأة مع دينامية الحياة، وبتحقيق ذاتها، بالإضافة الى علاقات سوية مع الرجل الذي يتشارك معها الحياة.