سأل المدرس الطالب عن اسباب غيابه قرابة شهر عن الصف، مذكرا اياه ان نسبة غياب قد تتجاوز الثلاثين في المئة من مجموع الساعات تعرضه للحرمان من دخول الامتحان، وبالتالي استحالة النجاح والانتقال الى السنة الاعلى . لم يجب الاخير. تقدم من مكانه بين زملائه حتى وصل الى حيث استاذه. لم يفتح فمه محددا سبب تغيبه ، اكتفى بداية برفع قميصه من على خصره لتظهر على جسمه آثار جراحة التأمت وان كانت ما زالت واضحة. المساحة التي يشغلها الجرح تتجاوز عشرة سنتيمترات، تمتد بخط عرضي من زاوية البطن الى الوسط . <القطب> التي غرسها الطبيب خلال العملية الجراحية ما زالت بادية للعيان. مما يدلل ان الاصابة ما تزال حديثة العهد. قال الطالب انه لم يكن في <منطقته>، بل كان في منطقة <الآخرين> وكان يضع على يده رباطا قدمه له احد التنظيمات السياسية ، وانه اعجبه فاحتفظ به، ولم يتنبه الى ضرورة نزعه عندما خرج الى <منطقتهم>. تقدم منه شابان يركبان دراجة نارية احدهما صافحه مع انه لا يعرفه قبلا. الآخر استل بلحظات سكينا حادة وطعنه بها في خاصرته. لم تكن الطعنة عمودية بل افقية. لم يصل النصل الى الاحشاء الداخلية ، بل مزق طبقتي الجلد واللحم ووصل الى الغشاء البطني . يقول انه شعر بالنار في موضع الاصابة واخذ بالصراخ، تولى مواطنون نقله الى المستشفى حيث خضع لجراحة عاجلة. نال على اثرها تقريرا لمدة اسابيع. الواقعة واحدة من عشرات الوقائع التي تحفل بها العديد من مناطق العاصمة. البيانات التي تعدها ما تسمى بـ<الموالاة> وتلك المسماة <المعارضة> ترصد ما يصب في مصلحة كل منهما. وكل منهما تتحدث عن الانتهاكات التي يرتكبها <الفريق الاخر>. السلاح الرائج هو السكاكين او العصي . ويحدث في بعض المناطق داخل العاصمة وخارجها ان تعتمد الاسلحة النارية بمنوعاتها اذا لم تصل المواجهة الى حدود الاشتباك المباشر. اقسام الطوارئ في المستشفيات القريبة تستقبل الحالات ويتولى الاطباء والممرضون مسؤولية العلاج تبعا لمدى الاصابة وخطورتها. ما قاله الطالب المذكور عندما تحدث عن <منطقتهم> و<منطقتنا>، لا يحمل تعبيرا عن ثقافة خاصة به وبزملائه من طلاب الجامعات والثانويات. اذ ان التعبير محرف عن تعبير سياسي يتم الادلاء به يوميا على السنة اقطاب<الصف الاول>، ناهيك بالصفوف الثانية والثالثة و..العاشرة. دوما يرد في الخطابات والتصريحات تعبير <نحن> و<هم>. يخاطب القائد السياسي جمهوره بلغة المخاطب الحاضر امامه، حتى ولو كان يتحدث امام عدسات الكاميرات وفي القاعات المقفلة. اما الآخرون فيتناولهم بصيغة الغائب الذي لا يراه او لا يريد ان يعترف بوجوده في المساحة الواحدة. لم نتحدث هنا عن التوصيفات <المدائحية> التي يكيلها لجمهوره، وتلك التي يصم بها الجمهور المضاد. هذه اكثر فجاجة وفداحة. لكن هذا لا يمنع من تفسير النص او تفكيكه. حيث تصبح الجماعة التابعة هي الحاضرة وسواها الغائبة . ولا بد لكل جماعة من منطقة تشعر بالأمن والامان فيها. الجماعة هنا هي طائفة بقضها وقضيضها. والمنطقة هي الملجأ والتي تحمي مكوناتها او تفرض عليه نفوذها وسلطتها. اما اذا تجرأ احد من خارج الطائفة والمنطقة على <اقتحام حمى> الآخرين فان السكاكين المسنونة جاهزة لـ<تشريحه>، وليقم اي كان بنقله الى المستشفى. سيارة صليب او هلال احمر او اي <شهم> صودف وجوده في مكان المشكل. تتغير المعادلة في خلال العمليات الحربية او <الجراحات الموضعية> كما وصفت، ويفرض الطرف <المنتصر> كل طقوسه دون مداراة او اعتراف بالآخرين. بدءا من استحضار الرموز التاريخية والقديمة للطائفة، وصولا الى المستحدث منها بما فيه الصور والشعارات وصولا الى <الاعلام والبيارق>. في مناطق <الاعداء> يجري تهديد كل من تسول له نفسه العبث بها او نزعها. يحدث هذا في اعقاب العاصفة ويستمر بعدها وتصدر قرارات عن مجلس الامن المركزي لا تجد طريقها الى التنفيذ. ويحتار المرء في تصديق مقولة ان الفتنة وراءنا كما ورد ، فيما الفعلي انها وراءنا وامامنا وفوقنا وتحتنا وعلى اجساد الشبان الذين يتلقون الطعنات تنفيذا لمقولات التأديب الرائجة سرا وعلانية داخل المجتمعات واللغات المغلقة. تلقى الطالب الطعنات ونجحت الجراحة في انقاذ حياته وعاد الى دراسته الجامعية. وشيئا فشيئا سيتغلب جسده الفتي على التمزق العضلي، لكن ما لن ينجح الطب في تجاوزه هو ما تتولى السياسة حفره يوميا عبر وسائل الاعلام ، التي لم تنتظر ان يجف حبر اتفاق الدوحة حتى نقضته جملة وتفصيلا وعادت تنفخ بالنار. لا يعني ذلك ان هذه الوسائل هي من يصطنع ما يدور من مطاردات وكر وفر وطعن وتعديات، لكنها لا تراها بالعين الذي تتوجب عليها رؤيتها فيه باعتبارها من اي مصدر اتت انتهاكا لحرمة خيارات الانسان في الاعتقاد الذي يريد ممارسته كما يمنحه هذا الحق الدستور والقوانين اللبنانية فضلا عن شرعة حقوق الانسان. المؤكد ان الدوحة لن تكون نهاية المطاف ما دامت المعادلة التي نطق بها امير دولة قطر غير قائمة حول المنتصر لبنان والمنهزم بما هي الفتنة. فالمؤكد ان المنتصر يصر على بلوغ ما يود الوصول اليه وان بوسائل اقل ضجيجا من ذي قبل وان كانت لا تخفى على احد. ان لم يكن بالقرار المعلن بل على الاقل بالمناخ الذي يشيعه. عندما تتراجع الدولة عن ممارسة حقوقها بما هي المسؤولة عن تنظيم المجتمع وادارته وفرض الامن عندما يتطلب الامر ذلك ولو اضطرت الى استعمال القوة، ترتد الجماعات الى مكوناتها الاصلية، بما هي طوائف وجماعات اهلية تسعى الى تحقيق صفائها السياسي والطائفي على حد سواء . وما يحدث الآن يتم على هذا النحو الفاضح الذي لا تغير من فجاجته الشعارات الكبرى ولا التصنيفات والدرجات التي تعتمد في وضع المواطنين في خانات التوصيفات والضحية الاولى هي الفئات العمرية الشابة، لا فرق في ذلك بين <شهداء> و<ضحايا> كما ورد.