مرّت العلاقات اللبنانية الفرنسية بمحطات عدّة. فبعد الانتداب الفرنسي جاء إعلان دولة لبنان الكبير من قبل الجنرال غورو في الأول من ايلول عام ,1920 وقد ضمنت فيه فرنسا قيام الكيان اللبناني الموحّد مرسّخة بنى اجتماعية وسياسة كانت قائمة في جبل لبنان منذ عام ,1861 مع ميل واضح لإعطاء أفضلية للموارنة. تطوّرت السياسة الخارجية الفرنسية لتشبك مصالح مع الدّول العربية التي أصبحت عاملاً أساسياً في التعامل مع لبنان. بعد نجاح الأميركيين في الدخول بقوة الى ساحة الشرق الأوسط، صارت سياسة فرنسا الخارجية إزاء المنطقة ولبنان واقعة تحت المظلّة الأميركية محاولة الحفاظ على <نكهة> مميزة من العلاقات السياسية المحكومة بتاريخ حافل، يسلّط هذا التحقيق على جانب منه. الصداقة الفرنسية اللبنانية لا ترتكز على أسس سطحية أو حديثة العهد، إنما تمتدّ في التاريخ الى القرن الرابع حين استوطنت جاليات سورية لبنانية في جنوب فرنسا مدخلة تقنيات تجارية وعمرانية. تطورت علاقة الصداقة مبرهنة أنها أعمق من مصالح دول عادية والأمثلة عدّة أبرزها حين قال البطريرك الماروني من آل حبيش عام 1845 لممثل ملكة إنكلترا فيكتوريا: <بالنسبة إلينا لن ننفصل عن فرنسا. إنها حرّة في انتهاج السياسة التي تراها مناسبة من اجل مصالحها>. في محطّة ثانية وخلال مرور الإمبراطور الألماني غليوم الثاني في لبنان قاصدا دمشق في أواخر القرن التاسع عشر امتنع الموارنة عن إضاءة الأنوار في منازلهم احتجاجاً ضد السياسة الألمانية المعادية حقبتذاك لفرنسا. شعور اللبنانيين كان متبادلاً من الفرنسيين، وتجسّدت منذ العام 1250 تاريخ رسالة الملك لويس الى أمير الموارنة وفيها يعده بأنه ومن سيخلفه على عرش فرنسا <سنمنح البطريرك وشعبكم الحماية كما نحمي الفرنسيين أنفسهم وسنقوم بما هو ضروري لحمايتكم>. تمدّد <الحنان> الفرنسي إستمرت هذه الحماية للموارنة خلال الانتداب الفرنسي على لبنان الذي أفضى الى الاستقلال عام 1943. بعد تلك الفترة تدرّجت العلاقات أكثر صوب العلاقات الندية بين دولتين، لكن لم تعد للموارنة وحدهم حظوة <الحنان> الفرنسي، إذ بدأت باريس تستشعر أهمية المصالح مع الدول العربية المجاورة للبنان، وخصوصاً بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 وما طرحته من حظر على البترول وتهديد لمصالح الدول الغربية. بعد أن عاش لبنان خلال عهد الرئيس كميل شمعون تحت المظلة الأميركية، عادت العلاقات الفرنسية اللبنانية الى حرارتها في فترة حكم الجنرال شارل ديغول، ولا سيما عام 1958 بحيث استطاعت فرنسا الحفاظ على صداقة الأطراف اللبنانيين المتنازعين. الظروف الدولية في الخمسينيات ساهمت بالدخول الأميركي على خط السياسة اللبنانية انطلاقاً من محاربة النفوذ السوفياتي. في مسعى منه لصدّ النفوذ الاميركي دعم الرئيس شارل ديغول عهد الرئيس فؤاد شهاب، ووقفت فرنسا بالمرصاد بالتنسيق مع المكتب الثاني لمكافحة انقلاب القوميين عام 1961. أرادت فرنسا إزاء النفوذ الناصري تحييد لبنان فاتخذ ديغول سياسة حذرة محافظاً على توازن في العلاقة بين اليهود والعرب، فحمى لبنان من الكوارث الناتجة عن الصراع العربي الإسرائيلي. بعد نيل الجزائر استقلالها عام 1962 زال تحفظ المسلمين على السياسة الفرنسية ونشأ تعاون متين وواضح بين شهاب وديغول. يذكر أن ديغول لم يزر لبنان عندما انتخب رئيساً للجمهورية الفرنسية، لكنّه قبل انتخابه زاره مرتين: الأولى بقي فيها طويلاً بين عامي 1929 و,1931 وكان رئيساً للمكتب الثاني والثالث في قيادة الجيش الفرنسي. وألقى خطاباً شهيراً آنذاك أمام متخرجي جامعة القديس يوسف في 3 تموز من عام 1931 داعياً الى الحفاظ على الوحدة بين اللبنانيين. في تلك الإقامة كتب ديغول كتابه عن تأسيس الجيشين اللبناني والسوري تحت القيادة الفرنسية. ثم عاد ديغول وزار لبنان للمرة الثانية في أواخر آب عام ,1942 وكان قائداً للمقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي. وكان الجنرال كاترو قائدا للقوات الفرنسية في سوريا ولبنان. في ذلك العام ألقى ديغول خطاباً شهيراً اعترف فيه بحتمية الاستقلال في دولة لبنان وفي دولة سوريا وقال بضرورة تنظيم عملية الاستقلال هذه مع فرنسا. تقلّص الحماية في عهدي بومبيدو وديستان بدأ الدعم الفرنسي بالتقلص قليلاً بعد عهد ديغول، فعانت السياسة الخارجية اللبنانية بعض الاختلال، لأنها كانت مرتبطة مباشرة بالسياسة الخارجية الفرنسية. عام 1969 شهد انتهاء الولاية الثانية لشارل ديغول، كذلك أقفل كل من العراق وسوريا الحدود مع لبنان وأعلنت مصر أنه لا يمكن حل الصراع العربي الإسرائيلي إلا باللجوء الى القوة. اندفعت منظمة التحرير الفلسطينية بقوة الى الداخل اللبناني متخذة من لبنان قاعدة لمقاومة إسرائيل. وجد الرئيس شارل حلو نفسه بلا دعم فرنسي كما كانت الحال مع الرئيس ديغول فتركت فرنــسا لــبنان يتخــبط وسط جبارين أميركي وسوفياتي فكـان الحــل المؤقــت اتفاق القاهرة. الاضطراب في العلاقات الفرنسية اللبنانية بدأ منذ نهاية عهد الرئيس حلو، خصوصاً في عهد الرئيسين جورج بومبيدو وفاليري جيسكار ديستان. جاء انتخاب فرنجية الذي كان معادياً للنهج الشهابي وبالتالي ليس فرنسي الهوى خلافاً لرغبة الرئيس بومبيدو الذي دعم المرشح الياس سركيس. هذا الامتعاض المتبادل أدى الى إثارة 3 فضائح في لبنان معنية بها شركات فرنسية ما أحدث أزمة في العلاقات الفرنسية اللبنانية. الفضيحة الأولى تتعلق بتوسيع طريق مطار بيروت وتباين بين أسعار الشركة الفرنسية وشركات أخرى، الثانية تتعلق بـ راديو أوريان وتهرب شركة فرنسية من دفع الرسوم، وتتصل الفضيحة الثالثة بالكابل البحري وضرورته وإمكان استبداله بوسائل أخرى. إستدعي السفير الفرنسي في لبنان الى باريس إثر نشر هذه الفضائح، ولم تحرّك الديبلوماسية اللبنانية ساكنا إزاء هذا الأمر، بل اكتفت الخارجية اللبنانية بتكليف السفير اللبناني في فرنسا بمعالجة الأمر. سرعان ما تبدد التوتر وأعطت باريس لبنان عام 1971 صواريخ أرض جو ورادارات بأبعاد ثلاثة ركزت في جنوب لبنان. كان صائب سلام على رأس الحكومة الأولى في عهد فرنجية وصاحب علاقات واسعة عربياً وخصوصاً مع السعودية، فتوطدت علاقاته بفرنسا وتمت معالجة مشكلات عدة، خصوصاً في ما يتعلق باستيراد الأدوية الفرنسية المنشأ، وكان سلام قادراً على حل المشاكل الفرنسية اللبنانية الى درجة أقلقت الأميركيين. كثرت زيارات رئيس الوزراء اللبناني الى فرنسا لحل أزمة تلو الأخرى من تأخر تسليم الأسلحة الى لبنان عام 1972 الى أخطاء تقنية في اسلحة فرنسية أثارها كميل شمعون وسوّيت الأمور بعد نقاشات صاخبة. تزواج مصالح مع الأميركيين بعد حرب عام 1973 نظر جورج بومبيدو الى لبنان بعين عربية. ومنذ ذلك الحين بدأ زواج بالإكراه بين المصالح الفرنسية والمصالح الأميركية في المنطقة، وتركت فرنسا للأميركيين المشاكل السياسية في المنطقة على أن تكتفي بالتعاون الاقتصادي مع العالم العربي. عاد لبنان بعد عام 1973 يحتمي مجدداً بالمظلة الأميركية ولم تعد فرنسا تتدخل في لبنان إلا في المبادرات التي لا تتعارض مع السياسة الأميركية في المنطقة. حاجة فرنسا الى بترول الشرق الأوسط وطدت قناعتها بأنها لم تعد قادرة على ان تكون حامية للبنان وحده، فاعتمدت خلال الحرب الأهلية وبفصولها المختلفة سياسة التكتم كي لا تسيء الى علاقتها بالدول العربية. بعد النجاح الذي لقيته منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة في تشرين الأول عام 1974 استنتجت الدولة الفرنسية أنها كلما اسرعت في التباحث مع المنظمة كلما أمّن لها ذلك الدخول بسهولة الى العالم العربي. اعتبرت زيارة وزير الخارجية الفرنسي في عهد ديستان الى بيروت واجتماعه بياسر عرفات من قبل مسيحيي لبنان، وكأنها تغطية للممارسات الفلسطينية. وكانت فرنسا المدفوعة بمصالحها العربية داعمة بقوة للفلسطينيين معتمدة سياسة الاحتجاج على ما يجري فحسب. وبهدف ترطيب الأجواء مع المسيحيين أطلقت مبادرة تهدف الى التعبير عن مشاعر فرنسا، خصوصا تجاه المسيحيين أرسل الرئيس الفرنسي ديستان مبعوثه موريس كوف دومورفيل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الجمعية الوطنية الى لبنان. وقد اعلن كوف دومورفيل أن مهمته هي مهمة صداقة واستطلاع لذا كانت محدودة ومشروطة، خصوصا أنها جاءت في سياق زيارات قام بها مبعوثون غربيون قبله. بعد انقلاب الأحدب عام 1976 تعاونت فرنسا وأميركا لتحضير انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتحادث المبعوثان الفرنسي جورج غورس والأميركي دين براون مطولاً، وفي هذه الحقبة برز دور سوريا التي صارت مفتاحاً لانتخاب رئيس للجمهورية. قبلت فرنسا التعامل مع سوريا في كل ما يتصل بالوضع اللبناني. في نهاية نيسان عام 1976 برز 3 لاعبين أساسيين في لبنان هم أميركا وفرنسا وسوريا وكان الدور الفرنسي دور الوسيط الفاعل بين الأطراف. لكن خيبة جديدة تلقاها الفرنسيون عندما رفض اللبنانيون وعلى رأسهم كتائب بشير الجميل وأركان الحركة الوطنية والفلسطينيون اقتراحاً لديستان أعلنه في أميركا عام 1976 من ان بلده مستعد لإرسال 5 آلاف جندي خلال 48 ساعة لوقف الحرب في لبنان في تطابق واضح مع السياسة الأميركية. <وداعاً لفرنسا> كان ذلك مؤشراً لواقع جديد ستنتهجه فرنسا في لبنان عبّر عنه الرئيس ديستان بقوله:. واكتفت باريس بإجراء إتصالات من بعيد متكيفة مع الواقع الجديد. طلب الفرنسيون من اللبنانيين التفاهم مع السوريين في مناسبات عدة، مما عكس تبدلا واضحا في السياسة الفرنسية تجاه لبنان ودفع صحيفة <لو ريفاي> الناطقة بلسان المسيحيين اللبنانيين الى نشر مقال بعنوان:. لكن في عام 1978 اغتنمت فرنسا فرصة إرسال قوات تابعة للأمم المتحدة الى جنوب لبنان بموجب القرار الرقم 425 لترسل قواتها الى الجنوب كجزء من القوات الدولية للمحافظة على السلام، منطلقة من هاجس الحفاظ على الصداقة مع البلدين. وكانت فرنسا شاركت في وضع وتبني القرار الذي اتخذه مجلس الأمن الدولي بتاريخ 19 آذار 1978. عام 1981 انتخب الرئيس فرنسوا ميتران رئيساً للجمهورية وقام بزيارة مفاجئة في تشرين الأول عام 1983 الى لبنان استمرت 7 ساعات التقى خلالها رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، وتفقد الوحدة الفرنسية العاملة في القوات المتعددة الجنسيات عقب التفجيرين اللذين استهدفا مركزي القوات الفرنسية والأميركية، وأشرف شخصياً على نقل جثث المظليين الفرنسيين. وكانت السياسة الخارجية الفرنسية في الشرق الأوسط بعد عام 1982 قد تمت السيطرة عليها تماماً من قبل الأميركيين. تميز عهد ميتران بصداقة وطيدة مع الرئيس أمين الجميل الذي كثرت زياراته الى فرنسا، ويذكر أن القوات السورية عادت ودخلت مجدداً الى بيروت الغربية عام 1987 وفي وقت كان الجميل يحضر عشاء تكريمياً أقيم على شرفه في <الكيه دورسيه>. زار الرئيس الفرنسي جاك شيراك بيروت في 4 نيسان عام 1996 ما أعاد دفء العلاقات اللبنانية الفرنسية وذلك بعد مرور عام واحد على انتخابه رئيساً. كان شيراك يرتبط بعلاقة ودية مع رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري وأسهم معه في وضع تفاهم نيسان عام 1996 الذي أوقف اطلاق النار إثر عمليات إسرائيلية كثيفة في جنوب لبنان، وذلك عبر جهود حثيثة قام بها آنذاك وزير خارجيته إيرفيه دو شاريت. ثم كانت زيارة ثانية له اثناء القمة الفرنكوفونية عام 2002. ثم عاد وزار بيروت لتقديم واجب العزاء بصديقه الرئيس الحريري عام 2005. عادت السياسة الفرنسية في عهد شيراك الى سمة العاطفة التي ميّزتها في عهد الرئيس شارل ديغول، فتناسى شيراك مراراً البروتوكولات والرسميات ليقدم الدعم غير المحدود لحكومة لبنان برئاسة صديقه الرئيس رفيق الحريري، وهو بذل جهوداً من أجل دعم الاقتصاد عبر مؤتمرات باريس الثلاثة التي بدأت بمؤتمر باريس (1) عام ,2001 ثمّ باريس (2) عام 2002 ثم باريس (3) عام 2007 . وبعد حرب تموز عام 2006 لم تتورع فرنسا عن تعزيز مشاركتها في <اليونيفيل> المعززة بزهاء 1650 جندياً يسهمون في حفظ أمن الجنوب اللبناني. عهد ساركوزي أما الرئيس ساركوزي الذي يزور لبنان، اليوم، فقد بدأ عهده بسياسة خارجية مرتبكة قليلاً يقودها الوزير برنار كوشنير، لكنّها سياسة تنطلق من ثوابت تدعو إلى الحفاظ على استقرار لبنان وسيادته واستقلاله وعلى الدعم غير المحدود للبنان. لكنه من الواضح أن السياسة الفرنسية تجاه لبنان مقيدة اليوم بعوامل دولية عدّة، وهي تبقى تحت المظلة الأميركية. وقد تبيّن ذلك مراراً عندما أفشلت مبادرات عدة قادها كوشنير ومنها مؤتمر <سيل سان كلو> الذي عقد في فرنسا في تموز 2007 وأرغم الأفرقاء اللبنانيين على الجلوس معاً والتحاور إبعاداً لشبح الحرب الأهلية.