يصبح الشخصان <جسماً واحداً... لا تفصل بيننا شعرة>. ويوقف توفيق الحكيم السرد هنا، كمشهد من فيلم سينمائي يُقتطع لحظة دخول العاشقين إلى الغرفة ويغلقان الباب وراءهما، تاركين المشاهدين عنده، يتخطونه بخيالهم. ومع أنّ نص الحكيم الذي أُخذت منه هذه الجملة (أو نصوص غيره من الكتّاب) لم يكن يخلو من الجرأة وقتها، إلاّ أنّه كان يبقي بعض الأبواب موصدة، فالدخول في التفاصيل لا يمكن أن تكون عواقبه دوماً حميدة. الذهاب أبعد من ذلك يعني إمعاناً أكثر في التمرّد على العادات الشرقية، ويولّد خطر الانزلاق إلى نص جنسي، حسّي بحت، يفقد قيمته الفنّية والجمالية، وبعده النفسي في الوقت ذاته. فالنّص الأدبي، بشكل عام، كان يتطرّق إلى موضوع الجنس كموضوع حياتي، لا يخاف الكاتب من التطرّق إليه، لكنه في الوقت ذاته ليس مستعداً للمساومة على قيمة نصّه الفنية والأدبية. أمّا النصوص الجنسية في أدبنا المعاصر، فلا تحسم الجدل الواقع بين النص الجنسي الجميل الذي يحمل مغزى، والنص الجنسي الإباحي، لمصلحتها دوماً. إذ إنّنا اليوم دخلنا في متاهة التفاصيل، التي لا يعرف الجميع كيف يخرج منها، من دون أن يلوّث نصّه بصفة الإباحية والإيروسيّة، فيخسر قيمته الأدبية ويصنّف بـ<مثير للغرائز> فقط. ولا يمكن أن يكون النص الإباحي أو الجنسي البحت، نتيجة سوء تقدير من الكاتب فقط، إنّما هو في أحيان كثيرة، مقصود اعتقاداً من صاحبه أنّه يزيد نسبة المبيعات بشكل كبير. فكيف ينظر بعض الكتّاب اللبنانيين إلى موضوع الجنس في كتاباتهم أو كتابات غيرهم؟ وهل يعتبرون أنّه جزء من تمرّد الكاتب على التابوات؟ حياة أم كتابة؟ يعتبر الكثير من الكتّاب، خصوصا الروائيين منهم، أنّ كتبهم مرآة للواقع. فما يعتبر مادة جنسية دسمة في أعمالهم ليس إلاّ جزءاً بسيطاً مما يحدث في مجتمعنا اللبناني، الشرقي <الخبيث>. فبعض الكتّاب لا يعتقدون أنّه يجب لومهم لتسليطهم الضوء في كتاباتهم على ما يُراد له أن يبقى طيّ الكتمان. فتشتهر مثلاً روايتا الكاتبة علوية صبح، <مريم الحكايا> و<دنيا> بالجرأة. والبعض يرى أنّ <مريم الحكايا> خصوصا، تفضح هشاشة مجتمعنا، بينما البعض الآخر يعتقد أنّ الكاتبة ذهبت أبعد من اللازم في وصفها للمشهد الجنسي، ليصبح مشهداً حسّياً غرائزياً. رشيد الضعيف الذي يُعرف برواياته <الجريئة> من الناحية الجنسية أيضاً، يقول في أحد الحوارات الذي أجري معه، <إنني لا أكتب عن موضوع، ولذلك لا أعتبر نفسي أكتب عن الجنس، وعندما أتناوله يبدو كجزء من الحياة. ولا شك في أنّ في كتاباتي شيئاً يزعج القرّاء ويصدم قناعاتهم لأنني لا أفصل بين الجنس والحب، فالجنس ممارسة إنسانية وليست أخلاقية، وهذا قد يصدم القارئ الذي تعود على الجمالية الرومانسية، كجمالية سائدة تحكم ذوقنا، ولكن علينا البحث عن جماليات أخرى، والنثر العربي حافل بهذه الجماليات>. ومع أنّ روايات إلهام منصور معروفة أيضا بالجرأة، خصوصاً أنها تتناول موضوع العلاقات المثلية، <السحاقية>، في روايتها <أنا هي أنت>، إلاّ أنّها عبّرت لنا عن أنّ الجنس في كتبها ليس ابتذالاً، بل على العكس هو جزء مهم من الحياة، وهي تضعه في مكانه الضروري داخل النص. وبالرغم من كثرة الحديث عن انتشار الرواية الجنسيّة، إلاّ أنّ الناقد جورج دورليان، يرى أنّه ليس هناك إلاّ القليل من الجنس في الكتابة الأدبية العربية. ويضيف <أشعر بأنّ أكثر الروائيين لديهم ما يكفي من الحياء للامتناع عن الاقتراب من الموضوع، وإذا ما تطرّقوا له، فيحدث ذلك بطريقة استعاريّة. ليس هناك وصف للجنس بقوّة>. لكن برأيه كانت هناك محاولة مهمة للكاتب حسن داوود في روايته <غناء البطريق>، فاستعمل داوود الجنس فيها، على امتداد أربعين صفحة، كمادة أدبية لا كمادة حياة، <فأتى وصفه في غاية التهذيب والجمال معاً>. الروائي جبّور الدويهي، يحافظ على هذا <التهذيب> أيضاً. ومع أنه يرى أنّ الجنس مادة حياة، ومادة كتابة في الوقت عينه، وأن لا مفرّ من التعبير عنه ما دام الأدب مأخوذا من الحياة، إلاّ أنّ اختلافه مع رشيد الضعيف أو إلهام منصور وغيرهما من الكتّاب، يكمن في طريقته بالتعبير عنه. فيقول الدويهي إنّ عــلى الموضــوع أن يأتي في سياقه الطبيعي، مع ممارسة الرقابة الذاتيــة عليه <خصوصاً أنني رجل متزوج وعندي أولاد، فالرقابــة تفرض نفسها عليّ>. ويضيف الدويهي أنه لا يعرف إن كان القـارئ يطالب بمشاهد أكثر جرأة أم يريد استمرار تمويه العمليّة، <لكن كلّما وصلنا إلى موضوعي الجنس والدين، شيء ما يوقف الكتابة>. في الشعر لا يكون للتعابير الجنسية هدف نقل الواقع أو انتقاد المجتمع، إنّما ينقسم الشعراء أيضاً بين من يرى وراء الأبيات الجنسية تعبيراً عاطفياً، وبين من هو أكثر تحرّراً ويمجّد فيها الجنس، فقط، كحاجة غرائزية وجسديّة عند الإنسان. فيقول الشاعر ناظم السيّد: <شخصياً لست بكاتب نص إيروتيكي أو بورنوغرافي. طبعاً ثمّة جمل تحيل على الجنس في شعري، إلاّ أنّ هذه الجمل المدسوسة مستمدّة من الواقع بالمعنى الحرفي أو السلفي>، ويستعير من كتابه <العين الأخيرة> هذه الجملة، <حين كنت أوقظك في الفجر لأنام معك/ كنت تفتحين عينيك وفخذيك في لحظة واحدة>. يرى السيّد أنّ هذه الجملة واقعيّة، وهو لا يقرأها كجملة بورنوغرافية بل هي جملة عاطفية بالنسبة إليه. ويضيف أنّه، إجمالاً، يكتب من تجربة معيشة، سواء كانت جنسية أم غير ذلك، والجنس يحتاج إلى تجربة للكتابة عنه وليس إلى مخيّلة، <لكنني لا أصنّف نفسي ككاتب أدب جنسي>. أمّا جمانة حدّاد قتقول ان لا فصل عندها بين مادة الحياة ومادة الكتابة، والسكيزوفرينيا (الطبيعية والمألوفة) بين الكاتب والإنسان هي عندها في حدودها الدنيا <أي إن كل ما أعيشه تقريباً هو احتمال نص كُتِب أو سوف يُكتب، مثلما أن كل ما أكتبه هو احتمال حياة عيشت أو سوف تُعاش>. الحياة بالنسبة إليها تجربة فيزيولوجية، فيزيكية، غرائزية، <حواسية>، بقدر ما هي نفسية وعاطفية وفكرية، والكتابة كذلك أيضاً، بل الكتابة خصوصاً كما تقول. وتضيف <كل شيء عندي محسوسٌ وقابل للمس: الشعور، الماوراء، الضمير، الخيال، الجوهر، الذهن، اللاوعي، الزمن، الايمان، الخ>. وكما حداد أو صبح ومنصور، فإنّ الكاتبات اللبنانيات، والعربيّات بشكل عام، هنّ الأكثر جرأة اليوم في الكتابة عن الجنس. ولاحظنا ذلك بداية من طريقة تعاملهنّ مع موضوع هذا التحقيق، فتقبّلنه أكثر من بعض الكتّاب من الرجال. ويعتبر النقّاد أن أكثر الأسباب منطقية لهذه الظاهرة، هو أنّها تأتي كرد فعل على تهمة العجز أو الاتباع أو فقدان الحرية الشخصية، التي يوصمن بها، لذلك يحاول بعضهن الوصول الى المناطق المحرّمة كنوع من الجرأة الأخلاقية والفنية. ويرى جورج دورليان أنّ السيدات هنّ أجرأ من الرجال في الكلام عن الجنس. بداية ربما لأنهنّ أكثر إحساساً به من الجنس الآخر، كما لأنّ الرجل برأيه اعتاد الكذب، فيغطي العملية بكثير من الاستعارات. فحسن داوود مثلاً، يصف المشهد الجنسي في <غناء البطريق> وكأنه صلاة، أمّا عند علويّة صبح فالتخيّل الجنسي موجود بقوّة. وهناك من يربط مسألة التحرّر الجنسي في الكتابة وغير الكتابة، عند الرجل أو المرأة، بالحرب اللبنانية. فجيل الحرب هو جيل <ضائع>. والضياع هذا يظهر في ملامح عمل هذا الجيل ونتاجه، حيث تكسر، أمام الموت ربما، الكثير من القيم وتتبدل الكثير من المعايير. حافز أم مفاتن للبيع؟ عند الحديث عن النص الجنسي، تتّجه الأنظار في لبنان إلى الروائي رشيد الضعيف، الذي تحفل كتبه بهذه المشاهد. وعندما ردّ في مقابلة له على من يقول إنّ أدبه ناجح لأنه يلجأ فيه إلى نوع من <الإيروتيكا الشعبية>، قال: <أنا أسعى لأكتب ببساطة خالية من بلاغة تعقد الأمور، لكني أعود مرة أخرى إلى <ألف ليلة وليلة>، فهو كتاب ممتع وجريء وخارق، لذلك هناك أكثر من مستوى في قراءته. هناك من يقرأه للتسلية أو البحث عن الجنس وهناك من يقرأه لغير ذلك، والمتعة، كما أراها، أمر جديّ، وإجمالا لا أعتقد أن الجنس من أسباب نجاح عمل أدبي وكتابتي عنه وظائفية>. إلهام منصور تقول بكل صراحة إنّ الجنس يدخل في كتاباتها، لكن ليس المقصود منه أبداً الترويج. وتعتبر أنّ كتبها تثير الكثير من الجدل لأن المواضيع التي تتناولها، كالسحاق مثلاً، ليست متداولة في الأدب العربي. وهي تؤكد أنّ الموضوع يأخذ مكانه الطبيعي في كتاباتها، وتضيف <هناك إقبال كثيف على موضوع الجنس في الأدب، إنّما هذا الإقبال هدفه دعائي، لدرجة أنّ كاتبه يبدو كالمتسوّل المتعطّش إلى القليل من البروبغاندا>. جمانة حداد تقول أيضا إنها لا تكتبُ عن الجنس وعن جسدها واستيهاماتها، كي تقدّم بذلك <وجبات حارة> للقارئ، فـ<أنا لا أجيد الطبخ لا في الحقيقة ولا على الورق، بل أفعل ذلك سعياً منّي إلى أن أكون أمينة لما أعيشه في داخلي ولما أهجس به. جسدي جزء أساسي منّي ومن روحي وعقلي، وهو حقل تجاربي وميدان عيشي للحياة. أي إنني عندما أكتب، أشعر بأنني أكتب بجسدي وعليه، وأن كلماتي تنفجر من مسامي وتنحفر على جلدي نفسه>. وتضيف أنّها في حياتها ويومياتها لا تنفصل روحها الحميمة عن جسدها الحميم، فكل منهما وجه للآخر وتوأمه وشريكه في <ارتكاب الجرائم>. أمّا ناظم السيّد فيقول إنّ الجنس هو بالتأكيد محرّض للكتابة، وهو محرّك أكثر في الحياة (بالمعنى الفرويدي للكلمة). فهو يعتقد أنّ الدوافع الحياتية كلّها قائمة على الجنس. <هكذا نستطيع أن نقرأ السياسة بوصفها نشاطاً جنسياً، والأدب بوصفه عملية جنسيّة، والعلوم بوصفها اندفاعة جنسيّة. فالجنس هو مرادف للحياة ونقيض الموت>. ويضيف أنّ هناك كتابات جنسيّة، في الأدب العربي، بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن هذه الكتابات ليست على سويّة واحدة. إذ إنّ الجنس في التراث العربي ـ رغم أنّه أداة تسيّد أو ذكورة ـ يعبّر عن أدب فعلي كما هي حال كتب النسزاوي، التساسي والسيوطي والتيجاني، وهو يعبّر عن انفتاح جنسي وعن اجتهاد في الكتابة، بحسب قول السيّد. أمّا الكتابات الجنسيّة الراهنة في الأدب العربي فهي برأيه، في غالبيتها، مجرّد فضح للكتابة. <هي أشبه بلوحات إعلانية، وربما كانت اللوحات الإعلانية أذكى. ثمّة خفّة، غير مبرّرة، في هذه الكتابات، والمفارقة أنها تلقى رواجاً رغم انفتاح ما يسمّى بالفضاء الإعلامي وتحديداً الإنترنت. هي كتابات تتوسّل الجنس من أجل استدراج القارئ>. ويقول السيّد إنّه يعرف شاعراً ينشر كتاباً جريئاً ويبعث برسالة إلى الرقابة لتمنع كتابه. وهو يرى أنّ هذه الكتابات عبارة عن تحرّر الكتابة لا المجتمع، ولو كانت الرواية الجنسية الراهنة تعبّر عن الواقع لكانت تشعّبت هذه الكتابات إلى كتب الفلسفة والاجتماع والفكر... جبّور الدويهي يرى أنّ الجنس ممكن أن يكون محفّزاً للكتابة حسب الموقع الذي يضع الكاتب فيه نفسه. فهناك كتّاب يستفزّهم الموضوع للكتابة ويأتي الجنس صورة تأسيسيّة لكتابتهم، وهناك كتّاب آخرون يدخل الموضوع معهم في سياق الكتابة. ويضيف أنّ هناك بلا شكّ محاولة لتخطي الحواجز بموضوع الجنس. فالموضوع <بيّيع، لكن في الوقت ذاته لا أدري إلى أيّ حدّ يمكن أن تكون هذه الكتب تباع. إذ وقع بين يديّ كتاب من هذا الصنف، وهو مرمي ومهمل، فليس هناك أصالة في كتابته>. أمّا دورليان فيعتقد أنّ الجنس يشكّل وجبة حارّة للقارئ عندما يصبح الأدب بورنوغرافياً. لكن الرواية لا تقدر أن تتجاوز الجنس إذا كان هدفها محاولة نقل الحياة كتابة. فالجنس بتحقيقه أو لا، وما يتركه من أثر في نفس الشخص، هو موضوع مأخوذ من الحياة وحافز أساسي لأنّ الكتابة فيها الكثير من الرغبة والشبقيّة. <الكتابة بحدّ ذاتها عملية جنسيّة. الكاتب لا يخبرنا في الرواية الأخبار التي يتناقلها الناس كل يوم، وعمق الشخص هو عمق جنسي في النهاية. لكنني لا أتصوّر أنّ الكاتب الموهوب، والذي لديه شيء ليقوله، في حاجة إلى جذب القارئ بموضوع الجنس>. تمرّد على <التابو>؟ كلّ كاتب يحمل جانباً متمرّداً، والحرية المطلقة وكسر الـ<تابوات> تمثّل حلماً يدغدغ خيال كلّ واحد منهم. فيقول جبّور الدويهي: <يكتب الشخص أحيانا ليكسر العواقب والتابوات. وكتابة شيء محظور تولّد شعوراً قوياً بالحرّية لدى الكاتب. لكن من ناحية أخرى هناك المجتمع والمتلقّي الذي يجعل الكاتب يتوتّر عند قراءة عمله أو عند النشر، ويتابعه بتوتّر عندما يتطرّق للمحظورات، فيعود ويدرس عمله أكثر>. ناظم السيّد يرى أنّ كتاباته تحمل جانباً عاطفياً أكثر منه جنسياً، <وإذا كان هناك جنس في كتاباتي فهو تعبير عن الخسارة أكثر، فأنا لا أكتب عن المرأة كحاضر، بهذا المعنى ما أكتبه هو مديح للخسارة>. ويضيف أنّه لا يهدف من هذه الكتابات معارضة أصوليّة صاعدة أو محرّمات لا تني تتّسع باستمرار. كما يعتقد أنّ المحرّمات تنتج نصاً إيروتيكياً. ومع أنّ ثمّة علاقة بين المقدّس والجسد، إلاّ أنّ المفارقة، بحسب قول السيّد، هي أنّ العالم العربي المليء بالمقدّسات والمحرّمات لم ينتج نصاً جنسياً جميلاً، بل إنّ الجنس الأجمل كُتب في أماكن منفتحة كالغرب. أمّا إلهام منصور فتقول إنّه ما زال لدينا، في مجتمعنا، هذا الشعور بخرق التابو كلّما كتبنا عن الجنس، لكنني أستغرب الأمر في الوقت ذاته، لأنني أعتبر موضوع الجنس مثل أي موضوع آخر ممكن أن أكتب عنه، فلمَ التضييق عليه؟> وتقول جمانة حدّاد إنه باختصار <أرى الكتابة عن الجنس وفيه ومنه أمراً طبيعياً وفطرياً وعادياً ومنطقياً، إلى حد أنني أستهجن بصدقٍ أي سؤال أو تعجّب أو فضول، أو استنكار، طبعاً وخصوصاً، يصبّ في هذا المكان. أحاول ـ أحياناً، في أيامي المشمسة ـ أن أكون متفهّمةً و<متسامحة> ورؤوفة، وأن أعزو ردّ الفعل <الشاذ> هذا إلى مناخ مجتمعنا الشرقي الخبيث، واستغراق هذا المجتمع في هواية الاختباء وراء إصبعه>. وتقول إنه في النهاية، المعيار الأول والأخير لتقييم أي نص أدبي، هو قيمتُه الأدبية، لا إيروتيكيته ولا تصوفّه ولا جرأته ولا <براءته> الخ... تلك تجليات فحسب، بحسب رأي حدّاد، وهي إما تكون تجليات موهبةٍ حقيقية، وإما تكون فقاعات لغوية. وتضيف أنّ البعض يحكي عن <طهر> الكتابة الأدبية وفضيلتها، وكأن للأدب مهمّة تربوية! وتعتبر أنّ البراءة الحقيقية هي الصدق مع الذات والآخر، والكلام عن الجسد له بعدٌ روحاني كامل ومطلق بالنسبة إليها. <ومن المهمّ ألاّ يكون الجنس أو البعد الإيروتيكي غاية ترويجية في ذاته، فيغدو فولكلوراً مفتعلاً وسخيفاً. إذا كان صادقاً وأصيلاً وصافياً ونابعاً عن موهبة فهو ضروري، أما إذا كان الهدف منه أن <يبيع> النص ويستر عيوبه تحت شعار كسر التابو (ما ليس معياراً أدبياً، وما استُهلك حتى ما بعد الاستنزاف) وجذب الجماهير عشوائيا، فهو مدعاة للسخرية والشفقة... والنسيان>. ويحدّد جورج دورليان في النهاية، أي نوع من الكتابة عن الجــنس تمــثّل التمرد على التابو، فيقول: <الإفصاح عن دور الجــنس في الحياة الأخلاقية، وإلى أيّ مدى الجنس له دور في ســلوك النــاس، والتحدث عن دوره كعامل لتنظيم الحياة الاجتمـاعية، آخذين بعين الاعتبار أنّ كلّ سلوكياتنا أساسها الجنس، هذا تمرّد على بعض العادات والتابو من خلال الجنس. أمّا استخدامه للترويج، فهذا ليس تمرّداً بل هذا يدخل ضمن اللعبة التقليدية>.