الكتاب: دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة الكاتب: نصر حامد أبو زيد الناشر: المركز الثقافي العربي، بيروت/ الدار البيضاء 1999 دوائر الخوف/ قراءة في خطاب المرأة، كتاب جديد، للمفكر المبعد/ نصر حامد أبو زيد/ يعالج فيه قضية المرأة في مصر خصوصا والعالم العربي عموما، وهي قضية معقدة، بقدر ما هو تعقيد المجتمع العربي، يعتمد فيه الرد والرد المباشر، فيطلعنا على المستوى الفكري الذي وصلت اليه بعض دوائر المجتمع المصري في كيفية معالجة قضية المرأة والتعامل معها، حيث التراجع غلّب المواقف في الشارع/ الدين/ النائب/. وعلى الرغم من توقفه مرارا عند المحطات الرئيسية في الهزيمة العربية، نراه يعود الى متاهات الرد، فالقضية المعالجة في الكتاب، وان استطاع تقديمها والغوص في تفاصيل حلقاتها ماضيا وحاضرا، وبالتالي القول انها نتاج حروب ومآس، او هي نتاج حياة ومجتمع، الا انه وقع في أسر الكلام وجهوزية الرد وتفنيد خطاب الآخرين وما أكثرهم، وعلى الرغم من كثافة الشواهد واستحضاره لشخصيات النهضة العربية التي أدلت بدلوها في قضية المرأة، من محمد عبده الى تلميذه قاسم امين، من رشيد رضا الى سيد قطب، فالمشكلة لا تنبض بالحرارة الا تحت وطأة الهزائم العربية المتكررة لوضع المأزوم وهي »مفردة تستعمل مرارا« دائما تستدعي إعادة القراءة، تراثا ومجتمعا، ولا بد إذن من البحث عن سبب للهزائم، فتقع المرأة ضحية الصحافة رجال الدين/ نواب الامة/ فلماذا لا يفتح السجال بعيدا من تأثير الصدامات، لتتوالد ردات الفعل في حمى النزاع، وتبرز الردة مشروعة في الواقع، انما من أجل العودة والاستنهاض بالوطن ودفعه الى الأمام، وليس استغلال وضعه المعقد، وتمزيقه من الداخل، وجره الى أزمات اكثر عمقا وبالتالي ليس اللجوء الى الدين، حدث خارج الزمان، انها الحياة تفرز الجمهور بين مؤيد ومعارض، والتنافس المدني هو في سبيل نهضة الوطن والبحث عن سبل لتنمية البشر، وليس وضع الرأس في التراب كالنعامة والدخول في صراع يقود الى الهاوية ليصبح الصراع نفي للآخر، وعدم الاعتراف به، كم حدث في مقتل فرج فودة. تجربة تونس أمام هذا الوضع الثقيل في مصر، يسلط المؤلف المفكر الضوء على تجربة تونس كخلاصة للوضع المأزوم ويقول: »انها تجربة تونس تبقى النافذة التي تصل منها المرأة، ويجب تعميمها والاستفادة منها، انها القراءة الحاضرة للحياة، والتي باشرها محمد عبده بالمطالبة »بالمساواة بين الرجل والمرأة حتى في حق طلب الطلاق من جهة وفي وقف نزيف حق الطلاق العشوائي الممنوح للرجل بالمطالبة بتقنين اشتراط الا يقع طلاق دون حكم القاضي«. والسؤال المطروح، لماذا تحتكر تونس تجربة الحداثة، كم يكتب صالح بشير في مجلة (أبواب) العدد 1 صيف 94، »لم يبلغ تشريع عربي هذه الدرجة من الجرأة، حيث أقدم على إصلاح واعادة تشكيل ما يمثل العصب الحساس والمتفجر دائما والذي يختص بإناثه..«. حيث منع بشكل بات وحاسم تعدد الزوجات »وسن لمن يقدم على الزواج دون التحلل بالطلاق من زواج سابق عقوبة السجن والتغريم. وسن موافقة الطرفين اي المرأة والرجل على الدخول في عقد زواج، وتعتبر هذه الموافقة شرطا لذلك، بعد ان كان الأب او الولي بشكل عام هو الذي يتولى عملية الموافقة هذه باسم المرأة«. والاهم من هذا كله ان القانون لم يبق حبرا على ورق بل طبق فعلا، على الأقل في إقراراته الاساسية والحاسمة واذا كانت تونس قد حلت القضية بحدود نسبية معينة، فلماذا تتبارى الاصوات الى حد إعلان الفتاوى وإهدار دم الآخرين، المشكلة كما يبدو ان التيارات بتعددها وتبعثر أفكارها وقعت جميعها في أسر التراث والخوف من الوهم، من قائل، ان التراث يعتبر مستودعا للحلول وتعبيرا عن الهوية الخاصة، الى المنادي بتحليل التراث وتفكيكه سعيا لإحداث قطيعة معرفية، الى آخر يدعو الى تجديد التراث بإعادة تأويله، بما يحقق متطلبات العصر. ويبدو ان هاجس اشكالية العودة الى التراث هو المسيطر على مجمل الإجابات التي طرحت في الخطاب العربي وبالتالي على كل الاسئلة التي أثارتها الهزائم وتشعبت من هذا الهاجس الاساسي والمحوري. ان المشكلة ليست تحبير الصفحات والبحث في كتب التاريخ عن صوابية هذه القضية او عدمها عن لبوس اسنادي لهذا الشكل او غيره كالحجاب مثلا حيث عمدت فاطمة المرنيسي في كتابها (الحريم السياسي) الى البحث والكشف عن مفاتيح هذا الشكل حيث تذكر: »فعندما بدأت النساء، مهما كانت رتبهن يتعرضن للأذى في الشوارع ويتعرضن للملاحقة من قبل الرجال الذين أخضعوهن للممارسة الوضيعة من التعرض لهن بمعنى ان يكمن أحدهم على طريق إمرأة ليحرضها على الزنى«، بدأ النبي بالاستعلام عن الاسباب المباشرة للظاهرة وذلك بالقيام ببحث حسب ممارسته للاستعلام ومن اجل هذا أوحي الى النبي بالآية 59 من سورة الاحزاب (33) »يا أيها النبي قُل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنينَ عليهنّ من جلبيبهن ذلك أدنى ان يُعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما« لم يكن المقصود إذن عنصرا ثيابيا جديدا، وانما طريقة جديدة للباس القديم، للتمييز على المستوى الاشاري (الحركي). بينما نجد كلاما مغايرا تماما على لسان أحد أساتذة الجامعة في مصر حيث يقول: فمعيار فرض الحجاب هو أنوثة المرأة وضرورة منع مفاتن الانثى عن إثارة شهوات الرجال. من يدعي الحقيقة في هذه القضية او تلك ويزعم لنفسه مرجعية عليا مستمدة من السماوي المقدس، سواء كان الخطاب سياسيا او اجتماعيا، فان المحصلة استبعاد الفرد الانسان، الذي ما زال المجتمع العربي بعيدا عن حالة الانسنة، ربما ما زال قبلها، وبالتالي قهره رجلا كان أم امرأة، فيما العالم مشغول بهمومه، ما زال العرب مشغولين بمدى كفاءة المرأة/ لباسها/ وضعها المدني/ الاجتماعي/ الطلاق/ الاختلاط/ العمل/. أليست المرأة مسؤولة مع الرجل عن إصلاح الواقع وعمارة الارض ومسؤولة عن إصلاح المجتمع وتقويمه والنهوض به. وبالعودة الى الأمام محمد عبده، ندرك انه هو الذي وضع الاساس التأويلي لمسألة الحجاب في الفكر الاسلامي الحديث، وهو الاساس الذي ما زال يحكم اتجاه المستنيرين من ممثلي التيارات الدينية السياسية. محمد عبده يثمر خارج مصر اللافت ان جهود محمد عبده، كما يشير المفكر نصر حامد أبو زيد، لم تثمر ثمرتها المرجوة الا في تونس، وبشيء من المرارة يورد المفكر ان الحركات السياسية الراهنة داخل مصر، لا تقدم في الحقيقة بديلا فعليا يتجاوز بالوطن أزمته او بالامة تخلفها، انها تستمد مقولاتها السياسية من الفكر السياسي، وان مقولة الحاكمية تستعيد من مجال تنظيم الحياة الانسانية، اي مرجعية اخرى، والوصول الى السلطة هو السبيل الوحيد. مؤلف، غاص في تفاصيل وفتاوى، قدم الحالة الراهنة في مصر في كثير من الألم، وبين كم هو معقد هذا التردي على المستوى الفكري في بعض دوائر الخوف في المجتمع المصري. قاسم قاسم