طرابلس ـ السفيرأحيت مدينة طرابلس، أمس، الذكرى الواحدة والعشرين لاستشهاد الرئيس رشيد كرامي، حيث رفع المواطنون الصور التي تضمنت عبارة: <دولة الآدمي.. الأول من حزيران ذكرى استشهاد الرشيد>، واللافتات التي تناولت مآثر ومزايا الرئيس الشهيد ومواقفه الوطنية، كما جابت الشوارع سيارات مزودة بمكبرات الصوت وراحت تبث الآيات القرآنية ومقاطع من كلمات الشهيد الرشيد، وقام عدد كبير من المواطنين تتقدّمهم شخصيات سياسية وحزبية واجتماعية وهيئات المجتمع المدني، بتلاوة الفاتحة على ضريحه في مقابر باب الرمل.وعند السادسة مساء عقد الرئيس عمر كرامي مؤتمراً صحافياً في مكتبه في كرم القلة يحيط به شقيقه معن، ووليد وخالد وفيصل كرامي والوزير السابق الدكتور سامي منقارة، عضو اللقاء الوطني الدكتور خلدون الشريف، وشخصيات سياسية وحزبية واجتماعية واقتصادية وهيئات المجتمع المدني وقيادات حزب التحرر العربي، وحشد من الأنصار.كلمة كراميوتلا الرئيس كرامي بياناً جاء فيه: رشيد.. لك التحية حيث أنت، وأستعين بقول الشاعر إذ قال: >سقاك الغيث إنك كنت غيثاً ويسراً حين يلتمس اليسار>، ولئن تفسح ذكرى غيابك في الأول من حزيران لكي أخاطبَ روحك الطاهرة أمام الملأ، إلا أنك الحاضرُ فيَّ كلَّ يوم، بل كل هنيهة. ولا يكاد ينطوي يوم يا رشيد لا تطلُّ فيه سيرتُك، بين أهلك ومحبيك، وبين أبناء مدينتك، وبين سائر اللبنانيين الذين منحوك موقع رجل الدولة حين الدولُ رجال، واستذكروا لك شجاعة المؤمن حين الفتنُ تصطرع، وحفظوا للوطن شهادتك التي أراد القتلة والظالمون أن تكون عنواناً لزوال لبنان، وأراد القدر غيرَ ما أرادوا، فإذا استشهادُكَ يفتدي وحدة لبنان وعروبة لبنان وينصر المظلوم على الظالم ولو بعد حين. وأستميحك أيها الشهيد، إذ ترى فيما ترى من عليائك، أن قاتلك سمير جعجع يسرح ويمرح محاضراً في الوطنية والعدالة والتمدن، وكأن الناس يمكن أن تنسى من انتهك القوانين والأديان والقيم والأخلاق. نحن لن ننسى. واطمئن يا رشيد، فلن يضيع حق، مهما تسربل الباطل في لبوس الحق. كثيراً يا أخي ما أُسأَل عن موقفٍ لك وقفتَه أو عن قول لك قلتَه في هذا الخطب أو ذاك، وما أكثرَ الخطوبَ التي واجهتَها خلال توليك المسؤوليات والمواقع دون أن تحيد يوماً عن الحكمة والأناة وحسِّ المسؤولية وتغليب المصلحة العليا، سواء أكانت مصلحة المدينة أم مصلحة الجماعة أم مصلحة الوطن أم مصلحة الأمة. نعم، وكثيراً ما تُروى لي مآثرُ وعِبَرٌ مشهودة لك، لكنك خلال الأسابيع الأخيرة، ويوم دخل الوطنُ نفقاً مظلماً ويوم ترنَّحَتْ طرابلس على حافة الهاوية، عرفتُ مجدداً ما أنا عارفه منذ البدء، وهو أنك لم تكن ابنَ طرابلس وحسب، ولكنك في أقصى ما أمكنك كرجل من لحم ودم تناغمتَ مع البشر والحجر، مع العقل والقلب، مع النبض والضمير... ولا عجب اليوم، أن صورتك محفورة في القلوب والضمائر في كل البيوت. ولك يا رشيد موقع الأخ والصديق والأليف في كل شارع وفي كل زقاق، من الأسواق العتيقة إلى جبل النار الى قبة النصر إلى باب التبانة إلى جبل محسن إلى أبو سمرا إلى الميناء. ونصفك ميناوي حيث مسقط رأس الوالدة رحمها الله، الى القلمون المدينة التي أحببتها وأحبتك. نعم، لا عجب ان اسمك صار من أسماء المدينة، فهي مدينة الرشيد. ففي أزمنة الحروب المجانية جنحتَ الى السلم وقدمت التضحيات لا التنازلات. وفي أزمنة المخاطر الكبرى جنَّدت عمرك وجهدك وإيمانك لحماية مدينتك وتجنيبها المرارات والمواجع.وفي خضم المعادلات الإقليمية والدولية شهرتَ سلاح الموقف واستعنتَ بالصبر الجميل إلى أن تمضي العواصف والمكاره إلى شأنها. كل ذلك يا رشيد دون أن تكفَّ لحظة واحدة عن خوض معركة الأمة ومعركة الوطن، تماماً كما يخوضها القائد الذي يرتضي أن يموت في ساح المعركة وقد فعلت، ولكنه يأبى أن يدفع بأهله وقومه وبمصالحهم الصغيرة والكبيرة إلى المهالك... وقد فعلتَ أيضاً. أوَ تدركُ يا رشيد أي إرثٍ تركت فينا نتشامخ به جيلاً بعد جيل ونرتضي لأجله أن نحفظ العهد ونصون النهج ولو كانا جمراً بين الأصابع؟! شهدنا يا رشيد، وشهدتْ طرابلس، الأيامَ العجاف حين بعضُ القوم ولربّما كثيرٌ منهم يضيّعون البوصلة، وحين العواطفُ والنوازع وسواها تغلبُ العقلَ والبصيرة، وحين يحلُّ غبشٌ وضباب فيخطئُ منا من يخطئ في تحديد العدو وفي وجهة المعركة. غير أننا ما بدَّلنا وما غيّرنا، وما زلنا نقاتل ومعنا تقاتل طرابلس في سبيل الثوابت الوطنية والقومية التي لأجلها قدَّمَتْ هذه المدينة شهداء ودماءً وضحايا. ومع أن كثرةً منّا غيَّروا وبدّلوا في لحظة شدة وربما في لحظة ضعف، وتحت أنواع ضارية من الضغوطات والمعطيات المغلوطة، وتحديداً في مناخ عربي عام ينشر فلسفة الاستسلام ويروِّجُ لمحاسن التخلي عن الحق بلا أي مقابل تقريباً. رغم كلِّ ذلك فإن الفئة المؤمنة لم تنخدع يوماً ولم يُصِبها يأسٌ أو إحباط، مدركةً بأن الصحوة آتيةٌ لا ريبَ في ذلك، وها هي تباشيرها تفوح في ربيع طرابلس عبقاً فيه من أريج ليمونها أصالةٌ عطرة، ومن ناسها الطيبين إيمانٌ فطريٌ يملأ القلوب، ومن رشيدها وقفة عنفوان وتواضع هما جوهرُ هذه المدينة وسرُّها المباح. أضاف كرامي: عذراً إن أطلت في تحيتي للرشيد عسى أن تحمِلَ الإطالةُ بعضَ إفادة. أيها اللبنانيون، مباركٌ عيدُ التحرير والمقاومة، عيدُ كلِّ لبنان، وتحيةٌ لرجالٍ وشهداءِ هذه المقاومة البطلة التي حقّقت لنا نصراً أدهش العالم عام ,2000 وأرسَت توازناً ردعياً دفاعياً في وجه إسرائيل عام ,2006 وما زالت حافظةً للوطن وسيادته واستقلاله بقوة السلاح الذي لا وجهةَ له إلا إسرائيل، عدوُّ العرب وعدو الأمة. ومباركٌ اتفاق الدوحةلن أُعَكِّرَ عليكم فرحة الخروج من المحنة التي تجلَّت بفوضى دستورية غير مسبوقة وبفراغ رئاسي وبتعطيل المؤسسات وبمحاولة فرز المواطنين إلى مجموعات مذهبية متناحرة متباغضة وبتحويلِ لبنانَ إلى ساحة إقليمية ودولية تتصارع فيها السفاراتُ وأجهزة المخابرات وعواصم القرار، ما أوصل الطبقة السياسية للأسف إلى حال من الإفلاس السياسي في لعبةٍ أكبرَ من الجميع وفي ظل انهيارٍ اجتماعي ومعيشي دفع اللبنانيين إلى تَوَسُّل الهجرة مدفوعين باليأس وانعدام الرجاء.ولكنَّ اتفاق الدوحة، المشكورة كل الجهود التي أوصلت إليه، هو في واقع الأمر ثلاثة اتفاقات لكل منها محاسنُ وشوائب. الاتفاق الأول تجوز تسميتُه بالتسوية الإقليمية والدولية التي أوقفت المشروع الأميركي في لبنان بعدما اعتبروا بلدنا في تصاريحَ علنيةٍ منصةَ مخاضات لولادة الشرق الأوسط الجديد. وهنا أؤكد أن هذا البلد الذي لم يخرج منذ الاستقلال، بل منذ إرساء نظام الحمايات الخارجية لمجموعاته المناطقية والطائفية عام ,1860 من مدار التجاذب الدولي... قد شهد خلال السنوات الأخيرة نوعاً من الاستعمار السياسي الحاد لا تحتمله لا الجغرافيا ولا البنيةُ الهشة ولا الامكانات الواقعية للبلد، لدرجة تدفعنا للقول للمجتمع الدولي قاطبة إنه إذا كان هذا حباً، فليخففوا عنّا، لأن من الحب ما قتل. لا يغيب عنا هنا أن ضعف النظام العربي الرسمي وغيابَ الدور الفاعل للجامعة العربية وانقسام العرب في ما بينهم، كل ذلك أفقد لبنان الحد الأدنى من المناعة، وكان من الطبيعي في بيئة لبنانية ملأى بالتناقضات أن ينجح أصحاب المشاريع في تحويل لبنان إلى ساحة إضافية تَستَكمل ما يجري في العراق الجريح من خطط دموية جشعة نشرت فيه حروباً أهلية ومهَّدت لتقسيمه ونهبه باسم الديموقراطية. وكذلك ما يجري في فلسطين المحتلة التي خابت فيها ديموقراطية الأميركان فلجأوا إلى تغذية الصراع والانقسام بين أبناء القضية الواحدة وأرخوا العِنان للآلة العسكرية الإسرائيلية الغاشمة لكي تفتك وتقتل وتدمّر مدعومة للأسف بحصار عربي لقطاع غزة. ولعله لم يكن ثمة أسوأ من مشهد رئيس الدولة العظمى في العالم وهو يحتفل مع الإسرائيليين بمرور 60 سنةً على نكبة العرب معلناً في خطاب إيديولوجي بوليسي أن ثلاثمئة مليونِ أميركيٍ جاهزون للحرب إلى جانب سبعة ملايين إسرائيلي. إذا نظرنا الى إلعراق وإلى فلسطين، ندرك ما كان مخططاً للبنان، وندرك عندئذ ما يعنيه مفترق الدوحة، آملين ان تستعيد الولايات المتحدة الأميركية ومعها المجتمع الدولي بعضَ رصانةٍ وحصافةٍ في المنطقة ككل بالشكل الذي يَليقُ بدولٍ عظمى وبشرعية دولية، قانعين الآن، على الأقل، بأن يكونوا قد أسقطوا الساحة اللبنانية من أجندة المغامرات القاتلة. أما الاتفاق الثاني في الدوحة، فيتصلُ حكماً بإنهاء الحالة الشاذة التي تُعَدُّ من التوابع المحلية للمغامرة الأساسية التي أرادت نقل لبنان من ضفة إلى أخرى وتعديل هويته ودوره وشكله بما كان يهدد بنسف الكيان كله. هذا الاتفاق أرجع إلينا أغلى ما نملِكُهُ في مواجهة الأنواء، وأقصد التوافقَ والشراكة. أيها الإخوة، حين يعجز بلدٌ مثل بلدنا عن تظهير وحدته وعن تجسيد رسالته الحضارية، فإن أقل الممكن ان نقبض على مبدأ التوافق وعلى صيغة الشراكة، وعلى أساسهما يمكن أن نجتهد ونسعى لتحصين بنيتنا الوطنية، بالعيش المشترك، وبالسلم الأهلي وبالاحتكام للقوانين وللمؤسسات، وبترسيخ أفكار التساوي والعدالة بين المواطنين، وقد ننجح أو لا ننجح، لكننا، أكرِّر، على الأقل، لا ندفع ببلدنا إلى الكوارث. كنت أتمنى، وكثيرٌ من اللبنانيين المخلصين يشاركونني ذلك، أن ننجح في صيانة التوافق والشراكة، من دون اللجوء إلى المحاصصات وسوى ذلك مما جرى الاتفاق عليه، لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية. ولكنَّ فريقَ الأكثرية بَلَغَ به الشَّطَطُ، حَدَّ خَرْقِ كلِّ الأعراف، وَكُلِّ المواثيق، وصدَّق ما يتقوَّلونه في البيت الأبيض عن كونه حكومة منتخبة... فإذا بهذه الحكومة المنتخبة تُلغي جزءاً من مكوِّنات الوطن، وتهمِّش جزءاً آخر، وتستهين بمعارضة تمثّل نصفَ الشعب اللبناني، وتعتصم بكراسيّها لتحكم لبنان عبر تليفونات الدعم وبرقيات المؤازرة ولا تتوانى عن توظيف الشارع في لعبة مضادة لإظهار شعبيتها وتمثيلها للنصف الآخر من اللبنانيين. يشهد الله، لم نتوانَ على مدى سنتين عن نصح هذه الحكومة وتحذيرها وتوعيتها إلى المخاطر والمهالك، فقلنا دائماً ما تفرضه علينا موجبات المسؤولية والخبرة بأن لبنان لا يُحكَمُ إلا بالشراكة وبأن موقع رئيس مجلس الوزراء، شأنه شأن موقع رئيس الجمهورية وموقع رئيس المجلس النيابي، إنما هي مواقعُ ميثاقيةٌ تنتجها اللعبة الديموقراطية العادية، ولكن لا يمكن أن تثبِّتها إلا الديموقراطية التوافقية. اليوم، نحمد الله أنهم جميعاً أدركوا هذه الحقيقة، ولكن أما كان الأجدى أن يتم ذلك بوعي ورفعة وحسٍّ وطني بدل أن يتخذ شكل التسويات المشروطة وشكل الغالب والمغلوب مهما ادَّعى البعض بأنْ لا غالبَ ولا مغلوب. وحسْبُنا هنا أن الغالبَ هو التوازنُ الوطني واستعادةُ البعدِ الميثاقي للتركيبة اللبنانية، وأن المغلوبَ هو قَبْضُ أهواءٍ عابرةٍ ذهبَتْ مع الريح. أيها الإخوة، الاتفاق الثالث الذي خرج من الدوحة هو اتفاقٌ محليٌ داخليٌ إلى حد كبير، يتصل بقانون الانتخابات. والغريبُ، ولكنْ المفهومُ في نفس الوقت، أنه كان محلَّ عنادٍ وتجاذب وقيل إنه عقدة العقد. مفارقة قانون الانتخابات، وتحديداً التقسيمات الإدارية التي ستُجرى الانتخابات المقبلة على أساسها، هي أنه مليءٌ بالتنازلات والمكاسب. ولكنَّ كلَّ الذين تنازلوا إنما تنازلوا من حساب الوطن، وكل الذين كسبوا إنما كسبوا لحساب الطائفة أو الحزب أو العائلة. تحتَ عنوان تصحيح التمثيل جرى تقسيمُ لبنانَ الى مناطق مذهبيةٍ صافية، ومناطقَ أخرى ذات أرجحيَّةٍ مذهبيةٍ مطلقة، حتى لَيُمكن إعلان نتائج الانتخابات النيابية المقبلة في معظم الدوائر منذ الآن. هذا التموضع المذهبي الحاد سوف يعيد إنتاجٍ الخطاب الفئوي والمتوتر، ولَسوْفَ تَرَوْنَ خلالَ السنة التي تفصلنا عن الانتخابات تعبئةً مذهبية عامة شاملة في كل لبنان. ما يعني بالنتيجة تكريسَ شكلٍ من أشكال الفديرالية الطائفية التي يُخشى أن تؤسِّس لمشهد سياسي مخادع ينتحل صفة العيش المشترك ويطبِّق فعلياً التقسيم المشترك. والمستغرب ان جميع الذين كانوا في الدوحة أمطرونا بنظريات وأدبيات حول التمسك باتفاق بالطائف، وجميعهم انتهكوا الطائف روحاً ونصوصاً. نصوص الطائف تقول بتحديد دقيق بانتخابات نيابية تُجرى على أساس المحافظة بعد إعادة النظر في التقسيمات الإدارية، وروح الطائف التي يمكن أن تفسِّرَ نصوصَهُ بشكلٍ أدق، تقول بدوائرَ انتخابيةٍ تجمع بين صحة التمثيل وتكريس العيش المشترك. ترى، ألم يكن بالإمكان ابتداعُ دوائرَ انتخابيةٍ تحقِّق هذين الشرطين معاً، فتكونَ لنا دوائرُ مختلطةٌ متوازنةٌ إلى حدٍّ ما، وتكونَ لنا معاييرُ إصلاحيةٌ تحكم قانون الانتخابات ككل بحيث لا يُتاحُ تهميشُ أو إلغاءُ أيِّ مُكَوِّنٍ من مكونات المجتمع اللبناني؟ في الواقع، إن عدم تطبيق الطائف (ولا أقول تطبيقه السيئ أو الاستنسابي فحسب) عبر كل قوانين الانتخابات التي اعتُمدت بعد الحرب، وخصوصاً قانونَ عام 2000 الذي تكرر عام 2005 هو الذي أوصل اليوم إلى نسف الطائف والاستعانة بقانون عام ,1960 مع كل ما يحمله ذلك من دلالات ومؤشرات. ويخطئ هنا من يعتقد أنني أدافع عن نص في اتفاق، فهذه مهمة سواي من الدستوريين والحقوقيين وحماة النصوص. أنا فعلياً أخشى على المسار الذي يمكن أن يبدأ بنص أساسي وتكويني هو نص قانون الانتخابات. تابع: ليس الهدف أن يَنتَخب اللبنانيون نواباً يرمزون إلى العيش المشترك ويتمتعون بالصفة التمثيلية فحسب، بل ما يلي ذلك هو الأهم، وأذكر بعض النقاط: أولاً، تكوين السلطة التشريعية عبر الطائف يؤمِّن المناصفة العادلة شكلاً ومضموناً. ثانياً: هذه الشراكة التأسيسية تعني بالضرورة تكوينَ السلطةِ التنفيذية بشكل صحيح، أي عبر تسمية رئيس مجلس الوزراء وفْقَ استشاراتٍ ملزمة وليس عبر توافق مسبق، وتالياً تشكيل حكومة ائتلافية هي حكماً حكومة اتحاد وطني دون أن تلغي إمكان وجود معارضة، والأهم دون الاحتكام إلى أعراف توزِّعُ الحكوماتِ حصصاً بين معارضة وموالاة ورئيس جمهورية. ثالثاً، هذا المشهد السويّ هو الطريق الفعلي لإطلاق دولة القانون والمؤسسات بشكل عصري وشرعي، دون الاضطرار إلى ترويكا أو دويكا ودون تسليم السلطات فعلياً إلى المرجعيات الزعامية في كل طائفة.رابعاً وأخيراً، من دون هذه الإصلاحات السياسية والدستورية لا يمكن أن نحلمَ يوماً بتتويج تطبيق الطائف بأهم ما تضمَّنه هذا الاتفاق، وهو إنشاء الهيئة الوطنية العليا لالغاء الطائفية السياسية. ومع ذلك، وإذا كان قانون الستين هو أحد الأثمان التي علينا أن ندفَعَها كلبنانيين لكي نؤسِّسَ لمرحلة الخروج من الأخطاء المشتركة المتبادلة، فلا بأس، ولن يعدمَ اللبنانيون وسيلةً لإعادة الأمورِ إلى نصابها إذا توفرت لهم قيادات وطنية صالحة وواعية ومسؤولة، وإذا أدرك من لم يدركوا بعد أن المصلحة الخاصة كذبةٌ ووهمٌ إذا لم تتكامل مع المصلحة العامة.أيها اللبنانيون، أصمدوا... هذا ندائي لكم. والتفتوا إلى تكوين الضغط الشعبي اللازم لكي يتصدى المسؤولون للمشكلة الاجتماعية الداهمة ولما تعانون من عُسْرٍ وازماتٍ في تأمين العيش الكريم. واعلموا أن ما تصنعونه يعود عليكم، فإن كان خيراً فهو خير، وان كان شراً فهو شر، والمؤمن مَنْ ميَّز بين الخير والشر. تحرَّروا من المال السياسي، كلِّ المال السياسي، واعلموا أنه قيدٌ مذل يرهن إراداتِكُم ومصائرَكم بأبخس الأثمان. تحرروا من الإعلام المبرمج ومن خطاب الكراهية الذي لا هدفَ له إلا تحويلُكم إلى أرقامٍ في الصناديق أو إلى وقود في المحارق. ولا خلاصَ لكم إلا في السير على طريق بناء الدولة والمؤسسات، دولة الناس ومؤسسات الناس في وطن لا سقوف فيه أعلى من سقف القانون. أيها الإخوة، اسمحوا لي، ختاماً، أن أتشارك معكم في أمر شخصي نوعاً ما، يتعلق بما قاله لي يوماً رشيد كرامي، فإذا بقوله يصبحُ وصية. قال: عندما يتخذ المرء موقفاً وفق قناعاته ومبادئه الأصيلة، ومهما تعرَّض بسبب موقفه هذا لخسائرَ ومخاطر، ومهما دفع الأثمان، فإنه هو الرابحُ في النهاية. وأضيف، سأبقى يا رشيد رابحاً معك ومع الطيبين، وحسبي قولُه تعالى <من المؤمنينَ رجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه. اتصالات ومواقفواجرى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان اتصالاً هاتفيا بالرئيس عمر كرامي لمناسبة ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي، معتبراً ان اغتياله شكل خسارة كبيرة للبنان وللعالم العربي، لما اتصف به الرئيس الشهيد من حكمة ووطنية فكان رجل الدولة بامتياز الذي آمن بوحدة لبنان وعمل من اجل تعزيزها وسقط شهيدا في وقت كان لبنان بحاجة الى امثاله من الرجال الوطنيين والمخلصين. كذلك نوه سليمان بمواقف الرئيس عمر كرامي ومساهماته الدائمة في إنقاذ لبنان من خلال ترسيخ التوافق بين أبنائه.واجرى الرئيس نبيه بري اتصالا بالرئيس عمر كرامي لمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد شقيقه. كما اتصل بالرئيس كرامي كل من: الرئيسين حسين الحسيني ورشيد الصلح، العماد ميشال عون، النائب سعد الحريري، والوزيرين السابقين سليمان فرنجية وطلال ارسلان.وللمناسبة ذاتها، قال الرئيس فؤاد السنيورة في بيان أصدره أمس: تكاد لا تمضي مرحلة من مراحل جلجلتنا اللبنانية إلا وتكون مخضبة بدماء شهداء، أبرار، أعزاء علينا، نفتقدهم ونتذكرهم ونحيي مآثرهم. واليوم تحل ذكرى الرئيس الشهيد رشيد كرامي، رجل الدولة والعروبة الحقة والتضحية من أجل المبادئ، وكذلك نتذكر اليوم، الصحافي الحر والكاتب والمفكر الألمعي، سمير قصير وكم نفتقدهما ويفتقدهما معنا سائر اللبنانيين. لقد كان الرئيس الشهيد رشيد كرامي، ركنا بارزا من أعلام الدولة والعروبة والوطنية الوداعة المترافقة مع الصلابة والقوة الهادئة. ونحن اليوم في هذه الأيام المصيرية، لكن الواعدة، لا يمكن إلا أن نوجه لروح الرئيس الشهيد ولعائلته ومدينتيه طرابلس وبيروت كل التحيات العابقة بالاعتزاز والوفاء والتقدير. وتابع: لقد عمل رشيد كرامي لما نوطد النفس والأمل على تحقيقه، أي إعادة الاعتبار وتعزيز دور الدولة العادلة، السيدة، الحرة، العربية والمستقلة والديموقراطية والحامية والضامنة للشعب والوطن. وهو كل ما آمن به وعمل من اجله وضحى بحياته ليرفع بنيانه، وستبقى ذكراه حاضرة بيننا وفي ضمير اللبنانيين. وأضاف متناولا الذكرى الثالثة لاغتيال الصحافي سمير قصير: لا يمكن لنا أن ننسى شهيد الشباب والأحلام والديموقراطية، سمير قصير الذي اثبت بقلمه وأفكاره وإقدامه، أن للكلمة وقعا وتأثيرا أقوى من المدفع وأمضى من أسلحة الإرهاب والإجرام. لقد دفع سمير قصير ثمنا لألمعيته وإقدامه. كان بيرقا للحرية، وستبقى ذكراه حاضرة في ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا كما كان الشهداء الأوائل من قبله أعلاما ترفرف مع شروق كل شمس، وصياح كل ديك.وفي ذكرى استشهاد الرئيس رشيد كرامي قال مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني: نتذكر اليوم زعيما وطنيا كبيرا قدم الكثير للوطن واستشهد من اجله الرئيس الشهيد رشيد كرامي انطلاقا من الرسالة التي عمل من أجلها لمصلحة وطنه وشعبه، ونتمنى للقيادات التي تعمل اليوم من اجل لبنان أن تجعل الصدق والإخلاص والأمانة والوفاء للبنان واللبنانيين وسلامهم واستقرارهم هدفا رئيسيا لها. وأدان قباني <الجريمة النكراء التي تعرض لها مركز الجيش اللبناني في منطقة العبدة في عكار>، ووصفها <بالعمل الإرهابي الذي لن يثني الجيش اللبناني عن متابعة رسالته وحماية لبنان من المتآمرين عليه>. واعتبر <ان يد الغدر والإجرام لن تنجح في زعزعة استقرار لبنان ودفعه نحو الفوضى من جديد، وما حصل في منطقة العبدة في عكار وفي مخيم عين الحلوة في صيدا بالأمس ما هو إلا محاولة مكشوفة للنيل من الثقة الكبيرة بالجيش اللبناني وقيادته الوطنية في التصدي للمخططات الإرهابية>. وأشار مفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار الى ان الرئيس كرامي كان>صانع سلام ورائد حوار وداعية وفاق وهو الذي نبذ لغة السلاح والميليشيات، ولم يسع إلى فتنة بل كان الحريص على وأدها وكشف أدواتها بصبر وأناة>. أضاف: كان رجل الحكمة والاعتدال والحوار وصاحب الكف النظيف، اللسان العفيف والقلب الكبير ما نفتقد أمثاله في هذه المرحلة المهمة من تاريخ الوطن. إن الرئيس الشهيد رشيد كرامي زعيم كبير في مبادئه وأخلاقياته، وهو يستقر في وجدان اللبنانيين رمزا للوحدة الوطنية والعيش المشترك والدولة القائمة على القانون.