كأنك في بلاد أخرى. بوابة كفرتبنيت تعد بأن <أدخلوها في سلام آمنين>. هذه آية كريمة رفعت في يوم كمثل يوم غد، قبل ثماني سنوات. ومع الدخول ينزل السحر. يتسع الأفق. ترتفع الهضاب ويحضر التاريخ. ليس تاريخاً قريباً هذا الذي تراه. هو تاريخ عتيق. صور مستعادة من الكتاب المقدس. خيالات لبشر من رعاة وأنبياء وقادة جيوش، مروا من هنا، في ترحال لا ينتهي على أرض بلاد الله الشاسعة، بلاد الله التي كتب عليها ربّها أن تظل في عين الشمس، وفي عين الحكايات والصراعات الكبرى. متنوعون ناسها. يقولون عن قراهم وبلداتهم وعن الاحتلال والتحرير والسياسة وصولاً الى اتفاق الدوحة. لنسمعهم يقولون. [[[ هذه بلاد الله الوعرة لكن الجميلة. من أين نبدأ بها؟ دعونا نذهب الى نقطة أخيرة. إلى الشريط الشائك الذي فيه ثقب يمر منه بقر إسرائيلي ليشرب الماء من بركة الناقور. البقر الذي يزعج وجوده على ارضنا يزعج الصديق دليلنا هنا. لماذا يدخل بقرهم إلينا وأي أمراض يحملها لينشرها بين مواشينا؟ وما معنى أن يلتهم الخط الأزرق، هذا الخط الوهمي المرسوم بعد حرب تموز، ببراميله الزرقاء، أجزاء من الأرض اللبنانية؟ ولماذا تترك إسرائيل الثقب في الشريط؟ اسئلته كثيرة. الآن، على الارض اللبنانية، ترعى مواش اسرائيلية قليلة. غير أنها لم تعبر بعد الخط الأزرق. إذا فعلت، سيشكو الجيش اللبناني إسرائيل لدى <اليونيفيل> وتتصل هذه بالطرف الثاني لتخبره. لكنها آتية من أراض لبنانية المواشي. من المزارع الخضراء الشاسعة، مزارع شبعا. حول بركة تجف وكانت صارت جليداً في عاصفة الشتاء القطبية القاسية، يسود صمت يلائم مزاج شاعر، وتسود سياسة يضلع في تفاصيلها معظم العالم: المرصد الإسرائيلي المموه ولا وجه يطل منه. ومركز الجيش اللبناني على تلة صغيرة مقابلة، وعلى التلة الأخرى العالية مركز الكتيبة الهندية في <اليونيفيل>. اما روح حزب الله فحاضرة، الأكيد أنها حاضرة. [[[ بين شبعا ومزارعها طريق متعرجة ومنهكة. الصبيان الثلاثة الراكبون على حمار يعرفون الخط الازرق، أي البرميل، فلا يمرون بعده، لأن اسرائيل <ستقوّص> عليهم. هم في الغالب لن يصلوا الى الحدود. سيلهون على الحمار هنا، وحولهم عشرات رؤوس الماعز وكلابها المدربة. بين شبعا ومزراعها، يسود الرعاة بحجارتهم. تغيب السياسة. أما شبعا، المنحوتة وحدها في صخرة الجبل، فكما هي منذ خمسين سنة، <لا فوقيها ولا تحتيها> يقول أحد كبارها، لا تدخل على احد ولا احد يدخل عليها. كلام الرجل ليس دقيقاً، وان كانت اللهجة لطيفة. شبعا دخلتها السياسة الباحثة عن موطئ قدم في أي رقعة. تيار المستقبل مهتم بالعرقوب طبعاً وشبعا في طليعة العرقوب. صور الرئيس رفيق الحريري مرفوعة بكثرة، وعلم حزب الله مرفوع على بيت بعيد. وفي الأزمة الأخيرة، تذكر ولا تعاد هي الأخرى، كان لشبعا نصيبها، وإن الضئيل جداً، من قالب الحلوى، اذا صحت تسمية كهذه. على مركز تيار المستقبل في البلدة يرتفع علمان متحابين. علم الجماعة الاسلامية وعلم جمعية وقف النور الخيرية. النور هذه، ومن دون لف ولا دوران، سلفية، يرأسها محمد الزغبي. في المركز يجلس رجلان، الحاج صافي نصيف وجهاد الزغبي، نجل محمد. يقول نصيف إن الطرفين الاسلاميين توسطا بين الجيش والاهالي الذين نزلوا بالعصي في وجه الجيش في اول ايام الازمة لمنع اخلاء مركز التيار الذي جاء الامر لشبانه من صيدا لتركه. الحل كان بأن يشغله السلفيون والجماعة. وهكذا كان الى ان يعاد الى اصحابه. تحت صورة الرئيس الحريري يجلس نصيف والزغبي، ليحكيا في السياسة، وفي النقطة الساخنة مباشرة. يقول نصيف: <ما حدث في بيروت كان امتهاناً لكرامة أهل السنة برمتهم. الجرح كبير>. هل هذا يعني أن ما فعلته المقاومة حتى التحرير ذهب أدراج الرياح بالنسبة اليه؟ <لا. لا ننكر حقاً لأحد. وشبعا لا تتخلى عن المقاومة وتحرير مزارع شبعا، وكإسلامي أقول حتى تحرير كل فلسطين. لكنني أحكي عن الحاضر الذي لم يكن مقبولاً أبداً>. جهاد الزغبي يخوض في نقاش آخر، حول التهويل المعتمد من بعض <إعلام المعارضة من السلفيين، كأننا فرع من القاعدة ونحن بالطبع لسنا كذلك>. يقول جهاد، العشريني، <إن السلفي بات يخاف من نفسه حين يقرأ عن أمثاله في الصحف. يصوروننا كوحوش. لسنا كذلك. وكثير منا يعيشون في الضاحية الجنوبية وأصدقاؤهم من حزب الله وحركة امل وغيرهم>. السلفيون بحسب جهاد لا يؤمنون بالإقناع بالعنف والإكراه ولا يخوضون في السياسة وإن كان الجهاد فرض عليهم حيث حقّ في أي بلد من العالم. الحدث الاخير هو الذي اضطرهم الى السياسة. إنها كرامة اهل السنة بدورها جعلت سنة الأطراف من الشمال الى البقاع يحيطون بسعد الحريري أكثر من أي وقت مضى. هل كان مستعداً للقتال في معركة كهذه؟ <لا. كمتعلم كنت أفهم الامر في السياسة. لكن العاديين لا يعرفون هذا، والتجاوزات التي وقعت في بيروت كانت كبيرة>. أيام ثلاثة من التوتر مرت على شبعا بين مناصري حزب الله ومناصري الحريري في البلدة المتنوعة سياسياً. غير أن حادثاً يذكر لم يقع هنا. والزمن ينسي الناس. محمد موسى ضاهر يعرف هذا. ابن الثالثة والسبعين يقول إن شبعا من يوم يومها كانت وما زالت يدا واحدة مع كل جيرانها المسيحيين والدروز والشيعة. والطائفية التي جاءت بعد اغتيال الرئيس <أوجعت رأسنا>. يقول: عدوة العرب الى يوم القيامة لم تعد تخيف أحداً. يقصد إسرائيل بالطبع. اما لبنان فسيعود يداً واحدة. تفاؤله شبيه بأغنيات وديع الصافي والشحرورة صباح، تصدح في سيارة تمضي ببطء نازلة من شبعا. تمر بالنقاط الحمراء تصنع شالاً على أعناق شجر الكرز، فخر بلدة الجبل العالي. إلى حاصبيا... [[[ يمشي الشيخ فندي جمال الدين شجاع في رزقه الحلال. سماد هذه الأرض طبيعي. لا مواد كيميائية لتسمم الناس فيصير الرزق حراماً على شيخ حاصبيا. من يومه، يقضي الشيخ ست عشرة ساعة في الارض. شبه خلوة يحتاجها المؤمن الذي ميزتاه الصدق والصمت. وعمل هذا الشيخ في ارضه فلسفة، كما جلوسه الى جوار نهر الحاصباني. الارض لم تنتج جيداً. هذه الشجرة كان يفترض ان تكون ملآنة بالتفاح. عليك ان تبحث عن الحبات الصغيرة كي تجدها. صقيع الشتاء القاسي مرة أخرى. وحاصبيا تعيش على الارض. البلدة الدرزية متدينة. شيوخها وشيخاتها اجيال تتعاقب من طفلة بمنديل الى الشيخ عارف قيس بلحيته البيضاء تصل الى الصدر. بلدة من أدراج وبيوت صخرية ومدى من سماء وتلال. الى جانب النهر نبتت منتجعات سياحية. السياحة هي من نعم ما بعد التحرير. غير أن مشكلة حاصبيا هي مشكلة كل هذه النواحي، أي غياب الإنماء. تعاقبت السلطات على لبنان وظل هذا الريف البعيد المحتل، ثم المحرر، مهملاً. الشيخ سليمان جمال الدين شجاع، شقيق الشيخ فندي، يحكي عن زيت زيتون حاصبيا المفيد في كل أمر ولا تدعمه الدولة بعكس التبغ المضر للصحة. هو من الشيوخ الكبار الذين جمعوا مناصري الأطراف السياسية لتجنيب حاصبيا الازمة. وهكذا كان. الشيخ القيس لعب دوراً بالطبع، غير أنها حكمة الشيوخ تمنعه عن شرح دوره. لا يتوجس الشيخ من آثار مقبلة للأزمة. هل الدم الذي وقع أكثر من الدم بين الدروز والمسيحيين؟ الآن الطائفتان على خير ما يرام. ثم، اذا قتل ابن طائفة ما ابن طائفة ثانية، او العكس، فهذا لا يعني ان الطائفتين ستقتتلان. أليس من دم بين أبناء الدم الواحد احياناً؟>. الى الشيخ فندي مجدداً، وصوت النهر بقربه. في بيته استسلم 217 عنصراً من جيش لحد. لماذا عنده؟ لأن الواحد يستسلم عند خصمه، والشيخ كان ممن رفعوا الصوت ضد الاحتلال مطالباً بتنفيذ القرار 425 وتحرير الجنوب. ماذا بعد التحرير؟ كانت الفاجعة، يقول ضاحكاً. ظننا ان الدولة ستأتي ومعها المن والسلوى والإنماء الذي حرمنا منه فكانت خيبة الأمل كبيرة. نحن عانينا. خلال الاحتلال ارتفعت نسبة الامية وقلت نسبة الجامعيين والجامعيات. هذه خسارة لا تعوض. ومن لم يتعلم لم يستوعب بعد التحرير في وظائف ولا نفذت مشاريع تؤمن عملاً. سمعنا خطباً لا تحصى فكانت هذه، <شو قال الشاعر.. قال: ابا هند نزلت عليه يوماً فغداني برائحة الطعام وقدم بيننا لحماً سميناً، أكلناه على طبق الكلام>. الشيخ فندي يقف موقف الحزين على المقاوم الذي أطلق النار أو أصيب في بيروت وعلى أبواب الجبل. ليس مكانه ولا معركته هناك. المنطقة هنا لا تأثر يقول. مر ما هو أصعب (حرب الجبل) وبقي التعايش بين الناس على احسن حال. المهم ان يتوقف السجال الكلامي والعنف اللفظي والأدبيات المستخدمة التي هي أدت إلى ما رأيناه من عنف مسلح. يودع الشيخ ضيوفه ويعود إلى أرضه وصمتها. نغبطه على حياة يمر بقربها نهر. والآن يضع الشيخ وولده الشيخ بشير، المراهق المهذب، اللمسات الأخيرة على عرزال لمساءات صيف قد وصل. [[[ لم يصل الصيف تماماً بعد. على أناس القرى والبلدات هنا يجلب المغتربون وقاطنو المدينة الصيف معهم. في صباح اتفاق الدوحة استبشر الناس خيراً. فندق دانا في ابل السقي ليس من نزلاء فيه بعد. وابل السقي نفسها، في ايام عادية للأسبوع، ما زالت تنام مبكرة، وشوارعها التي تشي بعناية زائدة للبلدية خالية نهاراً، كما معظم القرى. <نموذجية>، تسمي ابل السقي نفسها. القرية التي نزل فيها النروجيون لسنوات تآخت من النروج، وكانت دعت 300 نروجي للاحتفال بقداس على أرواح شهداء النروج الذين لديهم ضريح رمزي في القرية، لكن الأحداث ألغت هذا الاحتفال. هذا ما تقوله نائب رئيس البلدية فريال منذر، وان تجد سيدة في موقع عام، في قرية حدودية، فذاك يبرر نموذجية القرية، يضاف إليها أنها خليط مسيحي درزي وان البلدية تتألف من ستة لكل من الطائفتين. رئيس البلدية مسيحي، ونائبه، نائبته في حالتنا هذه درزية. النروجيون في القوات الدولية كانوا نعمة ابل السقي. لم يدخلها الإسرائيليون، وبدلاً عن هؤلاء، جعل البلد الاوروبي من ابل السقي <سويسرا ثانية>. بعدهم أتى الهنود والآن الاسبان الذين يعمل معهم اكثر من ستين موظفاً من ابناء القرية. كالولادة كان التحرير، جديداً وصعباً، لكننا كنا كمن يأخذ نفسه الاول. تخوف الناس من الجديد المقبل عليهم، لكن المتعاملين مع المحتل كانوا قلائل، ولأسباب معيشية قاهرة. الذكرى باتت بعيدة، وأبناء القرية لا تعنيهم السياسة بل العمل والفرح. هذا على الأقل ما تقوله المنذر. التحرير جلب معه إمكانية ذهاب أبناء القرية وبناتها الى الجامعات. هذه فكرة يصح وضع خط تحتها، فهي تتكرر كثيراً. إبل السقي تنتظر صيفاً واعداً. هذه أيضاً عبارة تستحق خطاً، فقد تحولت إلى محط كلام بعد اتفاق الدوحة في قطر. وبذكر قطر... [[[ بنت جبيل ورشة. البيوت التي لم تورّق بعد تطغى على مشهد البلدة، وغبار البناء يمل شارعها الرئيسي. ما زالت بنت جبيل تتعافى من حرب تموز بعد نحو سنتين على الحرب. في شوارعها تدب حياة نهارية مفتقدة في جاراتها وفي الطريق إليها من ابل السقي. شكراً قطر كتبت هنا بقرميد أخضر بين قرميد ثانوية جديدة أحمر. ومحمد رؤوف جمعة مصرّ على شكر قطر، في يوم إعلان الاتفاق، لا لأنها سحبتهم (ساسة لبنان) بالقوة إلى الدوحة وجعلتهم يتفقون أخيراً، بل لأن البلد الخليجي يستحق كل كلمة شكر وفي كل دقيقة وساعة. وأي مشروع جديد قل: هذه قطر. أنظر. تلك البناية كانت على الأرض. وهذه. وهناك.. ملآن بالامتنان هذا المقاول الذي تعهد العديد من الورش. في مكان آخر من بنت جبيل، يشتعل الدكتور مصطفى بزي، أستاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، وهو يحكي عن التحرير. بالفصحى يتحدث الدكتور صاحب المؤلفات عن جبل عامل وبنت جبيل وغيرها. نقتبس من دون تصرف: في الثالث والعشرين من أيار، للأسف، كنت في بيروت وإذ باتصال يأتيني من شقرا بان بنت جبيل قد تحررت فتركت كل اشغالي واعمالي. لم اصدق. وصلت الى تبنين وشاهدت منظراً لم اشاهده من قبل. من تبنين الى بيت ياحون السيارات واشخاص لم يأتوا منذ عشرين سنة الى البلدة. تابعت حتى وصلت الى مشارف بيت ياحون وهناك قيل لي أن الوضع صعب وما زال هناك إطلاق رصاص، فعدت ادراجي الى شقرا ولم أنم تلك الليلة إلى ان طلع الفجر فمددت سجادتي لأصلي، فإذ بزوجتي تتصل وتقول لي: أين أنت. لقد تحررت بنت جبيل. فلففت السجادة وقررت أن أصلي في بنت جبيل>. يحكي الدكتور عن كل صنوف الذل أيام الاحتلال. من الوقوف في الدور لأخذ التصريح الى سوء المعاملة عند الحواجز الى التجنيد الاجباري في جيش العملاء ولا يطال الا الفقراء، لأن الاغنياء كانوا يدفعون البدل. بعد ثماني سنوات، كلما مرت ذكرى التحرير يستعيد الشعور نفسه لحظة دخلها محررة بعدما غادرها قبل بضعة أعوام محتلة. توقع الدكتور بزي حرباً كحرب تموز. هو <أكيد أن العدو بدأ يحضر لحرب ثانية في السادس والعشرين من أيار 2000. لكن المقاومة بدأت بدورها تتحضر أيضاً وإن لم نشعر او نر يوماً ما تفعله المقاومة. عمل سري ساعد في الانتصار الثاني (الاول هو التحرير)>. بزي مرتاح إلى ما آلت إليه الأمور في الدوحة. لم ينتصر فريق ويهزم فريق. المهم أن التفاهم ساد، وكان لا بد من تصويب خطأ الحكومة التي كان عليها ألا تقترب من سلاح الإشارة الذي يحمي المقاومة بقيادتها وعناصرها وعملها وكان أحد أسباب انتصارها. للمناسبة: بدأت بيوت ترتفع في بنت جبيل القديمة. بين الركام الهائل الباقي منذ سنتين، ثمة خبر سعيد. [[[ عين إبل. مارون دياب يجلس ضجراً في دكانه للحاجيات الغذائية، ومعظم رفوف المحل فارغة. لن يأخذ الرجل قرضاً قبل أن يتأكد ان الأزمة مرت. تعوّد اللبنانيون على الحذر، وهو حذر بدوره. اعتماده على فصل الصيف. وصيفان سابقان مرا قاسيين عليه. حرب تموز في 2006 والاعتداء على اليونيفيل وحرب نهر البارد في الصيف الفائت. هذه المرة، وبعد أحداث بيروت والجبل، خاف مارون على لبنان كله، وليس على تجارته وقريته فحسب. الزعماء المسيحيون لعبوا بذكاء حين حيدوا المسيحيين، غير أن الحرب المكروهة تماماً عنده وفي كل أشكالها وأماكن وقوعها، كانت ستأخذ الجميع في أتونها. تفاؤله يصعد ببطء على درج. هكذا تعود. المهم أن الكلمة عادت إلى أصلها بعدما تحولت الى رصاصة. اين الناس من ذكرى التحرير؟ نسيت الناس. الحدث الجديد يلغي ما قبله. كنا في التقاتل والدم قبل أسبوعين. تفرج الليلة (الاربعاء الفائت) على الاخبار. كلها ستصور شوارع مزدحمة بالسيارات والناس سعيدة، كأن شيئاً لم يكن. الناس نسيت حرب تموز حتى. ما لا ينساه مارون، في يوم الاتفاق النهائي على العماد ميشال سليمان رئيساً، هو اللواء فرانسوا الحاج الذي تعلم في عين إبل وتزوج منها ويعرفه أبناؤها. اليوم يفتقد الجيش رجلاً مثله قائداً له. اللواء الحاج من رميش. نذهب إليها. قبل ذلك، تجدر الاشارة الى صورة الرئيس بشير الجميل المعلقة على جدار الدكان. مارون ليس محازباً لأحد بعدما اغتيل الجميل. كان يريد لبنان لذا، تآمرت الدول كلها عليه لاغتياله. [[[ اليوم قطفة التبغ الأولى والعصر موعدها. الشاب الذي يعمل على التبغ يقول إن اللواء كان حديث القرية لهذا اليوم. فرح الناس بالاتفاق، وحزنوا على ابن العائلة المتواضعة الحال تشبههم وخرج منها كبير مثله. كان العيد عيدين اليوم، لأنه كان سيصير قائداً. الله يرحمه. السهل المزروع بالتبغ هنا واسع وممتد. إنتاج رميش من التبغ كبير، واعتمادها عليه. الياس الحاج، وهو صاحب مؤسسة لبيع الادوات الكهربائية، يحكي عن الخلل في ان التبغ ما زال يباع بالثمن المعتاد نفسهن بينما كلفة إنتاجه ارتفعت بشدة. هذه واحدة من تراكمات إهمال الدولة للمنطقة. أضف إليها هواية اللاإنماء التي تدمنها الحكومات المتعاقبة. ماذا يعني أنك مضطر الى دفع نحو مئتين وخمسين الف ليرة شهرياً ثمناً لمياه الشفة والاستخدام؟ وفي أحوال كالتي مررنا بها، من برأيك يفكر بشراء براد او مكيف، ولا يوجد كهرباء أصلاً؟ نأخذ الرجل إلى السياسة، فيقول: علاقات الأهالي هنا لم تتغير يوماً. تنقلت السلطة من الفلسطينيين قبل الاحتلال إلى المسيحيين خلاله إلى الشيعة بعده. غير أن الناس حافظت على ما هي عليه. نحن هكذا هنا. أما عن بيروت وأحداثها واتفاقها، فيستغرب: ماذا اقول؟ هل أتى عمل حزب الله ليوقظهم؟ كان يجب عليهم ان يقوموا بما قاموا به منذ وقت طويل. ثم أن سلاح المقاومة لم يستخدم في الداخل. الطرفان تقاتلا بالسلاح نفسه: آر بي جي وكلشن. الآن أنظر إليهم كلهم. هم في واد ونحن في واد آخر. نبحث عن حياتنا ومعيشتنا ويومياتنا وهم غارقون في الأرقام.. و5 7 7 و4 5 10 و,,13. دوّخونا. [[[ بين نقطتين حدوديتين تبدأ رحلة وتنتهي. بعد المرور في يارون الخالية إلا من قصور شبه خيالية نصل إلى جوار موقع الحدب. يقف جنود فرنسيون لا يتكلمون الانكليزية. لا يمانعون إلا تصويرهم. من هذه النقطة، ترى كثيراً من فلسطين، خضراء. وتمر سيارات إسرائيلية مدنية على الطريق الإسفلتي الطويل. البرميل الأزرق موجود. والشريط الشائك موجود. بعيداً ينتظر شباب من حزب الله رفاقهم الذين يزرعون أعلاماً لحزب الله فوق سيارة محطمة. أعلام في مناسبة 25 ايار، تواجه موقع <الحدب> الذي لا وجه لبشري يطل منه، يرفرف فوقه علم إسرائيلي نصفه ممزق. بين النقطتين الحدوديتين، تحيا ببطء بلاد الله تلك، التي تظنون حين تدخلوها في سلام آمنين أنكم في بلاد أخرى، لكنكم سرعان ما تعرفون أنكم لم تخرجوا أبداً عن حدود لبنان المتشابكة.