يستنبط المرء من كتاب <تقي الدين الصلح سيرة حياة وكفاح> لمؤلفه المحامي عمر زين < بتلاوينها وتناقضاتها وتداخلاتها وتعقيداتها، بل وجمعها بين ثنائيات، الجبل البحر، الداخلية والخارجية، التراث الحداثة، والطربوش والعصرنة. وتقي الدين الصلح الذي تمر هذه السنة مئة عام على ولادته، وصفه الصحافي جورج نقاش بأنه كان أول الجديد ولم يكن آخر القديم كما أوحى طربوشه>، وهو <المسلم ـ المسيحي> بحسب امين الريحاني، وابن عائلة صيداوية عاملية (نسبة الى جبل عامل) انتشرت في بلدان عربية كثيرة، فقد نشأ آل الصلح على فكرة مداها من المحيط الى الخليج، بخلاف ابناء بيروت من المنشغلين بالشأن العام ممن لم يغادروا دوائرهم الانتخابية، ويعرف انهم يقسمون بغربتهم اذا جاوزت اقدامهم حدود هذه الدائرة. تلقى الصلح تعليمه الأولى على يد الشيخ أحمد عباس الأزهري، كان يزورهم في بيتهم. بعدها دخل الجامعة الاميركية (الابتدائية الاميركية) ثم درس في اليسوعية حتى الصف الثالث الثانوي، نقل بعدها الى اللايك التي يطلق عليها اليوم اسم <الليسية الفرنسية> ومن اصدقائه الشيخ بهيج تقي الدين والشيخ خليل تقي الدين ومحمد علي حمادة. وبعد اتمام دراسته الثانوية ذهب الى فرنسا لاكمال دراسته الجامعية، ولكن عاد الى بيروت بسبب ظروف خاصة، ودخل الجامعة الاميركية، ودرس الادب العربي والتاريخ، خصوصا الصليبيين، وهو بذلك عرف طرق التعليم المختلفة: الطراز الاسلامي، ثم العلماني، الاكليركي. وأثناء تدريس تقي الدين للغة العربية في معهد البعثة العلمانية الفرنسية في بيروت، اكتشف مع غيره من الاساتذة العرب تسامح البيئة الانجيلية الفرنسية مع أهل البلاد من لبنانيين وسوريين، كما اكتشف الرقيّ والتفوق الثقافي عند الفرنسيين من أتباع الطائفة الانجيلية وسبقهم الدائم الى الفكر العلماني وتشجيعه. وبذلك كانت البعثة العلمانية في بيروت التي درّس فيها كأستاذ الأكثر ميلا الى تفهم مشاعر العرب وقضاياهم عامة، سواء في الجزائر او المغرب او تونس او لبنان او سوريا. وقد عرف رياض الصلح هذه الظاهرة من قبل ومن بعد، فأرسل بناته وأولاهن ابنته علياء، الى مدرسة الليسيه، يتعلّمن فيها. في أيام الانتداب الفرنسي للبنان كان تقي الدين من اصلب الاستقلاليين المناهضين لسلطة الانتداب وبعنف، لكنه خلافا لعدد كبير من المسلمين المعادين للانتداب كان شديد الحرص على الانفتاح السياسي والفكري والاجتماعي، على المسيحيين، وفي هذا المجال نجح في فتح خطوط على اللبناني الآخر. تميز بأنه كان سبّاقا في محيطه الى التمسك بالمفهوم المدني للسلطة والمجتمع، سواء في تدريسه استاذا او في مداخلاته نائبا في المجلس النيابي او في قراراته مديرا للمطبوعات في وثبة الاستقلال او وزيرا في ما بعد للداخلية او رئيس حكومة او نقيب صحافة او رئيس حزب او صاحب أحلام لبني قومه، شكل في ذلك ظاهرة. واذا كان ذلك قد اثار عليه الكثيرين من ساسة او غير ساسة، صنفوه أحيانا مستبقا محيطه، ليناً كأصحاب الاقلام او حتى مفرطا بهيبة الحكم في نظر السلطويين، فإن الغالبية من المتقدمين او التقدميين، رأت فيه دائما ظاهرة نوعية بين أبناء جيله. المبطن بأديب يقول عمر زين في مؤلفه ان رجال السياسة انواع: هناك السياسي المبطن برجل القانون، وهناك السياسي المبطن برجل مال، وهناك السياسي المبطن بأديب. وهذا النموذج كان السائد في فرنسا في الجمهورية الثالثة وينطبق على تقي الدين الصلح الذي كان له قلم الاديب اضافة الى فكر السياسي وقدرات رجل الدولة. ومن هنا ان السياسة قد طغت على الاديب وحتى كادت تطمس نتاجه. وفي الروايات المتداولة ان خالا لتقي الدين، عندما جاءه الخبر ان ابن اخته عازم على الدخول في مجال التعليم، اتصل بشقيقته قائلا لها ان صديقه الداماد أحمد نامي، رئيس الدولة المعروف في زمانه، خابره ناصحا ألا يسمح بأن يصبح ابن شقيقته معلما، لأن التعليم لا يليق بأبناء الأسر العريقة، ولأنه في رأي الداماد يكبّر عقل التلميذ ويصغّر عقل المعلّم. لكن تقي الدين اختار بعكس المزاج الارستوقراطي السائد في أوساطه العائلية التعليم والصحافة مجالا للعمل الحر طيلة عهد الانتداب، وليس الا مع مجيء الاستقلاليين الى السلطة عام ,1943 حتى ترك التعليم وتولى المديرية العامة للمطبوعات كأول منصب رسمي حكومي يتولاه، جاعلا منه معقلا للتوجيه الوطني والفكر التحرري المواكب لوثبة الاستقلال. وقد انعكس هذا المفهوم النهضوي للسياسة عند تقي الدين في تقييمه الايجابي لبعض الكتاب شأن شارل قرم وافلين بسترس وناديا تويني من الكتاب في الفرنسية. لقد قادته نهضويته الى التوقف توقفا خاصا عند انتاج السيدتين الأديبتين باللغة الفرنسية. على انه في السياسة بدأ من مقال ادبي، ففي 4 تموز 1934 كتب مقالا نقديا في مجلة <المعرض> بعنوان <الجبل الحائر> تناول فيه كتاب <الجبل الملهم> الصادر آنذاك بالفرنسية للشاعر شارل قرم. ويعتبر هذا المقال الذي جمع فيه كاتبه بين النقد الادبي والسياسة اللبنة الاولى في البناء الفكري الذي قام عليه الميثاق الوطني اللبناني في ما بعد. ولم يكن الميثاق من صنع بطلي الاستقلال رياض الصلح وبشارة الخوري، بل نتيجة لتطور، كرت به البلاد ابتداء من عام 1930. فحتى هذا العام، كان المسيحيون، بوجه عام والموارنة بشكل خاص، مخلصين لفكرة لبنان الكبير وموالين للانتداب الفرنسي، كما كان المسلمون رافضين للكيان اللبناني والانتداب الفرنسي، الا انه ابتداء من عام 1930 بدأت تظهر بوادر تطور في موقف كل من الفريقين. ثمة اصوات مسيحية، كانت قد ارتفعت داعية الى اتفاق مع المسلمين على قاسم مشترك، فالشيخ بشارة الخوري والدستوريون كانوا في طليعة هؤلاء. غير انهم لم يكونوا الوحيدين. فيوسف السودا كان قد شكل حركة سياسية اسماها <الميثاق الوطني>، ضمت عددا من الوطنيين المسيحيين والمسلمين ومنهم تقي الدين الصلح. ويؤرخ عمر زين لجذور تقي الدين الصلح فيقول: كلنا يعرف ما الذي جرى عندما عُيّن تقي الدين مديرا عاما للمطبوعات في مرحلة كانت فيها القوى الدولية وخاصة فرنسا، تخوض معركتها ضد حركة الاستقلال الشعبية. فعرف كيف يجعل من الاعلام الرسمي والخاص سلاحا ماضيا في يد النزعة الاستقلالية وممثليها في الدولة، هذا في الوقت الذي كانت وسائل السلطة والتوجيه في أيدي الفرنسيين والبريطانيين وممثليهم في الاشراف على الاعلام. وكان تقي الدين الصلح عمل في جريدة النداء عام ,1931 واستمر صدورها 9 سنوات الى ان أقفلت عام 1939 بسبب لهجتها التي لم تتقبلها دولة اشتركت في الحرب مهما بلغ ايمانها بالحرية. وقد عمل في النداء الى جانب تقي الدين الصلح: يوسف ابراهيم يزبك، وفؤاد حبيش وتوفيق يوسف عواد وكامل مروة وحنا غصن وآخرون. وبرهن في معركة الاستقلال عن قدرة على التجديد في طريقة مخاطبة اللبنانيين ولا سيما في جبل لبنان، فجنّد رموز الزجل اللبناني لاحياء الحفلات الزجلية (شحرور الوادي وغيره) الداعمة للاستقلال في القرى والبيئات القاسية والدانية التي كان الانتداب قد روّج فيها الأراجيف ضد الاستقلال. ونجح في انزال هزيمة بالدعايات الموجهة إذ ذاك ضد الهدف الاستقلالي. أما سلاحه، فكان لمواهب الزجالين اللبنانيين بحفلاتهم الشديدة التأثير في الجبل اللبناني خاصة الذي استهدفته الدعاية الأجنبية المغرضة. العروبة في وقت بعيد من القرن الماضي كان فيه عروبيو لبنان متجهين الى بغداد وغيرها كمحاور للنشاط القومي العربي، اختار تقي الدين من موقع الادراك لتوازن القوى وامكانات مصر القيادية في التقدم ان يعيش سنوات في أهم الاقطار العربية، مصر. عرف جيدا عالمه العربي، وكان في صميم اشواقه وانتكاساته، الذي حركه دائما طموح حضاري الى عالم عربي يعيش زمانه. نشأ واستمر طوال حياته شاهدا ومبشرا ونذيرا بأن خلاص لبنان وخلاص الأمة العربية توأمان، خصوصا بعد قيام اسرائيل فالعرب بحاجة الى خوض معركة الصمود تحت راية الحرية والتقدم والتماسك القومي. في محاضرة القاها عام 1953 يشرح تقي الدين الصلح العقيدة القومية العربية فيقول: <اننا مع اجلالنا المطلق للاديان والعبادات، ضد العصبية الطائفية والدينية والمذهبية في الوطن، وضد العصبية الاقليمية والقبلية في هيئتها الاجتماعية. فنحن لا نعمل للطوائف ولا نعترف لها ولا لمؤسساتها بحق سياسي، ولا نشتغل في اقليم ولا لاقليم دون آخر، بل نحن نكافح سيطرة النظام الطبقي او القبلي على الدولة وعصبية <الحارة> على المجتمع، ونحن في لبنان، وغيره من بلاد العرب، على مبدأ فصل الدين عن الدولة فصلا تاما>. وعلى اساس الفكرة دعا في البيان الميثاقي الوزاري ما يلي: <ان اخواننا في الأقطار العربية لا يريدون للبنان الا ما يريده أبناؤه الأباة الوطنيون. نحن لا نريده للاستعمار مقرا وهم لا يريدونه للاستعمار اليهم ممرا، فنحن نريده وطنا عزيزا سيدا، حرا مستقلا>. كل لبنان لم يكن تقي الدين الصلح ذا قاعدة شعبية يعتمد عليها ليخوض المعارك الانتخابية لذلك لم يترشح بعد انتهاء ولاية المجلس 1964. كان نخبويا، نشاطه السياسي بعيد من الاثارة والديماغوجية. وروى مرة انه كان مع زهير عسيران يناقشان الشيخ بيار الجميل ويدعوانه الى الحوار فقال له الجميل: <يا تقي بك انت رجل وطني محترم بس ما بتمثل المسلمين لأتفاوض معك>. وقف تقي الدين الصلح واعتمر طربوشه الذي لم يفارق رأسه الا نادرا، وهم بالانصراف فاستوقفه الجميل بقوله: <لوين رايح بعد ما وصلت> فأجابه تقي الدين: <رايح سبّك عالبسطة تصير مثل المسلمين!>. كانت مشاركة تقي الدين الصلح في الندوة البرلمانية مشاركة نوعية من حيث المواقف الصريحة والجريئة وبالحرص على الوحدة الوطنية، فضلا عن دفاعه عن الديموقراطية وحرية التعبير، واسداء النصح الى الحكومات لتحسين أدائها بما يخدم مصالح اللبنانيين في مختلف المجالات، مرافعا عن معنى الدولة والحكم الصالح، وفي الحقل الداخلي والخارجي، كما في الحقل العربي منتقدا في احدى مرافعاته النيابية الخروج عن القواعد الوطنية>. يعتبر ان الكلام في الطائفية يحييها ولا يميتها، بعد جلوسه على الكرسي تحت عنوان <بعد 22 عاما على جلوس البيك على الكرسي> كتب نبيل خوري: <كان رئيس الوزراء الجديد أسير عقدة الرجل الثــاني، مع ذلك كان يخوض مع رياض بك مباراة متكافئة في الذكاء. قال له بيار الجميل <اكفل لي ان المسلمين يفكرون مثلك> فأجابه: <الكفالة هي ان نسير معا وكل منا دمه على كفه>. عندما ألف حكومته الشهيرة عام 1973 وكانت فضفاضة كثيرة العدد سأله عمر زين والتلفون في يده: الصحافيون يسألون عن الاسم الذي تطلقه على الحكومة وهم على الخط فأجاب لتكن <حكومة كل لبنان> هكذا وبهذا الاسم عُرفت بعدها الحكومة الواسعة الكبيرة العدد وقد أشار غسان تويني الى انها نوع من الحدس السياسي المبكر او حس ما قبل الوقوع في معرض التحية لنوعية فكر بعض الاقدمين المفتقد حاليا، الموحي بأن توسيع الطربوش أولى عند الحكماء من صداع الرأس. وفي 25 تموز 1973 حرر بيانه الوزاري: <امام مرحلة صعبة من تاريخ لبنان تجمعت فيها الازمات، لم يقف هذا الوطن ضائعا مسلوب القوى، بل توفر له من ايمان ابنائه، ومن وعيهم ومن تراثهم الوطني وتجاربه، وتمسكه بتفكير المستقبل ما جهزه بأمضى سلاح لمواجهة الفترة التاريخية، والخروج منها بفيض جديد من القوة والفاعلية وروح المبادرة. وأثبت هذا الوطن العزيز، مرة بعد مرة، انه قادر تماما على تجاوز العقبات وايجاد الصيغة الوطنية والسياسية لأصعب الظروف>. كانت السياسة عنده كما كانت عند ابن عمه رياض في جملة ما هي، بل في أعمق ما هي، لا مجرد العيش في ظل نعمة معطاة هي الوطن، بل ايضا وخاصة السؤال كيف يصح ان يكون هذا العيش! فالسياسة وان كانت فن الممكن كما يقال، الا انها أولا صورة فكرية عن المطلوب وعن القيم التي تعمل السياسة على تطبيقها. ولعل تقي الدين الصلح كان بذلك أول رئيس حكومة لبنانية يفهم أهمية هذه الظاهرة وكونها قفزة في تاريخ وطن، فيعلن ذلك كانجاز بارز من غير ان يخشى في ذلك لومة لائم او تحريض محرّض. إن لبنان في رأي تقي الدين لو لم يكن موجودا، لوجب ايجاده، لا لأن ذلك ارادة أبنائه والعرب أيضا، بل لأن ذلك ضرورة من أجل طليعية لبنان المنبثقة من تعدديته الثقافية والدينية. فإما ان يكون لبنان هو مكان تفاعل الثقافات والحضارات شرط الخروج من ذلك الى الحداثة وروح العصر، او يستمر الكبير والصغير فيه وفي هذه المنطقة مهددا بالرجعية التي ما قامت اسرائيل الا لدفع العرب وأقطارهم اليها. بالعودة الى تاريخ او تواريخ العائلة الصلحية، قد لا يعرف البعض ان احمد الصلح الجد المباشر لتقي الدين الصلح كان محكوما عليه في احداث عام 1860 بالاعدام مع مجيء فؤاد باشا الوالي العثماني الى لبنان بناء على رغبة الدولة العثمانية في تأديب اللبنانيين وضرب الرؤوس الكبيرة ومن هؤلاء احمد الصلح الذي خضع لعقوبة النفي المؤبد وحمل الى قلعة في جزيرة رودس. وعرف منذ طفولته المبكرة ان تلك المنطقة الممتدة من جبال طوروس حتى خليج عدن ومن خليج العرب حتى المحيط هي بلاد العرب، ليس لأحد غيرهم ذرّة رمل واحدة فيها، كما تعلّم ان الحرية لا توهب، بل هي تُستخلص من أيدي الطغاة. الناظر على الجانبين من موقع صخرة الروشة وحتى منطقة الحمام العسكري قد لا يعرف ان الأراضي الواقعة على الجانبين كانت من أملاك هذه الأسرة، اسرة الصلح، وان تلك الأملاك بيعت قطعة فقــطعة وعقارا فعقارا للصرف على الحركة الوطنــية اللبنانية، وبعضها على الصحافة التي تحتضــن تلك الحركة وتبلورها... ولعل هذا ما كان يدفع تقي الدين الصلح الى التفـاخر بأسرته إذ يقول: <دلوني على حزب من العـالم أخرج أربعة رؤساء حكومات وسـبعة من كـبار الكتّاب؟> ولم لا، فلقد خرج من بين أبناء الاسـرة العريقة الرؤساء رياض الصلح وسامي الصلح، وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح...