As Safir Logo
المصدر:

في الذكرى الأربعين لأحداث أيار 68

المؤلف: كوش عمر التاريخ: 2008-05-20 رقم العدد:11001

يحمل شهر أيار الحالي الذكرى الأربعين لأحداث ما بات يُعرف بـ<مايو 68>، أو <ثورة الطلاب>، أو بالأحرى <ثورة الشباب> التي هزّت الجمهورية الفرنسية الخامسة، وانتقلت تداعياتها وإرهاصاتها إلى سائر بلدان القارّة الأوروبيّة ومناطق أخرى من العالم. وطاول الحدث مستويات عديدة من نظام الرأسمالية الأوروبية، سياسية وثقافية وقيمية، ودفع إلى واجهة الحياة العامة جيلاً جديداً من الفلاسفة والمفكرين والنقاد، عُرف، في ما بعد، باسم جيل الستينيات الذي اتجه إلى خلخلة واستنطاق مختلف الحقول السياسية والاجتماعية والثقافية، ووصلت تأثيراته إلى الفلسفة واللغة والأدب والموسيقى والرسم والعمارة. لقد عانى شبان <مايو 68> من سطوة المؤسّسات اليمينيّة والأبويّة، واليسارية السائدة، التي انتقدوها على الدوام، فاندفعت حركتهم الطلابية في أوروبا ضد سلطة المؤسسات التعليمية في البداية، ثم تحولت في فرنسا إلى حركة عارمة هددت سلطة الدولة البرجوازية. ولم تتوان الدولة البرجوازية آنذاك عن إنزال جيشها وشرطتها إلى الشوارع لقمع تلك الحركة، حينما شعرت وللحظة درامية أن دولتها العتية ترنحت، وأضحت على شفير الانهيار. لم يكن من الممكن هدم بنى الدولة البرجوازية وسلطتها الإرهابية آنذاك، وبدا أنه من الممكن تدمير بنى اللغة بدلاً من ذلك، باعتبار أن اللغة والكتابة آخر الممالك التي يمكن للمرء أن يلهو فيها بحرية، دون قمع، أي دون أن يضربه أحد على رأسه إن فعل ذلك، وعليه بدأ التوجه نحو الخطاب، وتمّ فصل الدال عن المدلول لندخل مرحلة جديدة عُرفت باسم مرحلة ما بعد البنيوية. وبالنسبة إلى جيل الستينيات، فإن كل أيديولوجيا، وكل نظرية، أضحت إرهابية، وكذلك كل نظام محدد للمعنى، أو التزام اجتماعي أو سياسي، وجاءت الكتابة لديهم كرد فعل على كل سلطة وقمع، حيث يمكن فيها تمزيق طغيان سلطة المعنى من خلال اللعب الحر للغة ودوالها، وأصبح النص، كما يقول رولان بارت <هو (وهكذا يجب أن يكون) ذلك الشخص المرح الذي يكشف عن قفاه للأب السياسي>، وغدت القراءة نوعاً من اللعب الإيروسي، <تزن النص، فتلتصق به، وتقرأه حرفياً>، ويأسرها <توريق المعنى>، وعليه أضحت الكتابة جسدا، بها يحيا الجسد، وخارجها يفنى الجسد ويذوب. إذاً، عنت الكتابة حيّز حرية، وفضاء للتحرر من كل سلطة، خاصة بعد انقشاع الوهم التاريخي إثر أحداث مايو / أيار 1968. وبرز الفلاسفة والمفكرون بحسهم الشمولي في ذروة تلك الأحداث، فاصطف ميشيل فوكو إلى جانب جاك دريدا ورولان بارت وجيل دولوز وجورج باتاي وجون فرنسوا ليوتار وسواهم. وأثرت أعمال هؤلاء النقاد والفلاسفة تأثيراً عميقاً في الفلسفة والأدب، وغيّرت المفاهيم والأفكار التقليدية السائدة عن الحقيقة، والمعرفة، والواقع، واللغة، والمعنى، والدلالة. وبيّنوا أن كلا منها كان يستند على نظرية تمثيلية واهية، فعندما يكون المدلول أو المعنى نتاجاً عابراً للدالات أو للكلمات، مضطرباً ومنزاحاً ومؤجلاً، حاضراً وغائباً في الوقت ذاته، هل يمكن أن يكون هنالك ثمة معنى أو حقيقة بأي شكل من الأشكال؟. لقد عنى <مايو 68> لحظة تحوّل من منظومة سياسية وخطابية وأخلاقيّة قديمة ومحافظة، مدارها الضبط والمراقبة واحترام السلطة والمراتب، إلى منظومة جديدة أكثر انعتاقاً، وكان من الضرورة إنزال الأفكار الكليانية والإطلاقية من عليائها، والتمرد على مختلف الأطر المنهجية والمقولات الحتمية والشمولية، المدعية للشرعية المطلقة في جميع المجالات، والصالحة لكل مكان وزمان. من هنا جاء التفكيك الدريدي (Deconstruction ) كتمرد على كل منهجية، وعلى كل سلطة فكرية، مستنداً على لغة خاصة متشبثة بكل ما تتطلبه المنهجية الفلسفية من صرامة ودقة، وهي لغة غير معنية بالتقسيمات المتعارف عليها بين الخطاب الفلسفي والخطاب الجمالي، وما يؤرقها هو التعبير عما لا يعبر عنه أو المسكوت عنه والهامشي في لسانيتها الخاصة أو في لسانية الفلسفة الميتافيزيقية كلها. لم تكن أحداث مايو / أيار 68 مجرَد حركة احتجاج فرنسية فقط، بل كانت تتويجاً لانتفاضة عارمة قادها الطلاب ضد النظام الرأسمالي ومؤسساته في مختلف أنحاء أوروبا ووصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية. ثم انتقل صداها إلى عدد من بلدان العالم الثالث التي خاضت نضالات ضد الاستعمار وكانت تتطلَع إلى الحرية والاستقلال. وأفضت تلك الأحداث إلى تعرية منطق التمركز والمطابقات التي ارتكز عليها مجمل الفكر الفلسفي الموسوم ميتافيزيقياً، بدءاً من افلاطون إلى هوسرل. ذلك الفكر المتمركز على الذات، الذي وضع نفسه في مواجهة الآخر محاولاً إلغاءه. إذاً، هو في جوهره، إن كان له جوهر، ممارسة فكرية لها مدلولاتها الفلسفية والاجتماعية والسياسية، ولا يقتصر في ممارسته على مسألة الشك واليقين أو السلب والإيجاب، كونه يحاول تعرية كل منطق يرتكز على نظام محدد من المعنى أو الفكر، <أي قوة نظام كامل من البنى السياسية والمؤسسات الاجتماعية> كما يقول تيري إيغلتون، لذلك يمكن القول إن نتاجات مايو 68 هي في جوهرها ممارسة سياسية، يتمخض عنها رؤية مختلفة عن الرؤية السائدة للخطاب المهيمن، حيث يبدو فيها العالم مختلفاً، كما تبدو الأشياء باعتبارها نتاجاً لتاريخ أوسع وأعمق: آثاراً للغة، واللاوعي، والمؤسسات الاجتماعية وممارسات الأقطاب المهيمنة. ومع مرور الذكرى الأربعين لأحداث مايو / أيار ,68 فإن المعنى الذي جاءت به، وأكّد على دور الطلاّب في صناعة الأحداث والمتغيرات، ما زال ماثلاً، بالرغم من أن الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي صرّح إبّان حملته للانتخابات الرئاسيّة في العام الماضي بالقول: <ينبغي أن نصفّي تركة الـ68 مرّة وإلى الأبد>. مع ذلك فإن لا أحد يمكنه تصفية التحوّلات المجتمعيّة الكبيرة التي تمخضت عن الحدث، فضلاً عن المنجزات الفكرية والفلسفية واللغوية والأدبية الواسعة. ([) كاتب سوري

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة