يجب الاعتراف: قبل أيام قليلة وقعت حرب في بيروت. حرب بين لبنانيين، ولا تجد من يسميها باسمها <الأهلي> الذي يجب أن يرتفع بوضوح كبيرق تحذيري. وهل التسمية تخيف أكثر من كل ما حدث؟ من الخطف؟ من الدم؟ من فرقعات الأسلحة ترعد بين المساكن؟ من الندوب الباقية تحت رماد النفوس برغم إقلاع الطائرات باتجاه <دوحة الحوار>؟قبل أسبوع وجدت مناطق عدة في المدينة نفسها في قلب مشاهد جديدة عليها. واستحضرت، في الوقت نفسه، ذاكرة جماعية دامية... بتصرف.أسبوع مدوٍّ وانتهى، واليوم تلتئم طاولة الأقطاب. لكن النداء المكتوم بين الناس يناشد ضيوف دولة قطر وضع <المكنسة> و<السجادة> المألوفتين جانباً، والتعامل مع العلاقات المشروخة بجدية وواقعية. منذ أيام قليلة فقط، كانت منطقتا <كركول الدروز>، ومحيط دار الفتوى القريب، خطّي نار حقيقيين. وإن خمد اللهب الآن، وحاول الأهالي العودة إلى يومياتهم <الطبيعية>، فإن <العاديات> ما زالت معلّقة على أطراف صور ممزقة لزعماء، حلّت محلها أعلام مستهجنة... أشخاص إما خرجوا من زواريب أحيائهم بمهمات <أمنية> جديدة عليهم وعلى محيطهم، وإما دخلوها كـ<غرباء> لم تهضمهم عيون أبناء الأحياء حتى الساعة.ليلة الرعبتذكر سوسن (23 عاماً) <ليلة الرعب> التي قضتها في منزلها في <نزلة الحص>. كانت عائدة من عملها مساء الثامن من أيار، واكتشفت مشهد الحرب للمرة الأولى، فهي لم تعاصر الحرب الأهلية الشهيرة: <أصوات رصاص قريب، قريب جداً، أمهات يركضن بأولادهن وأكياس السمانة. وأنا أمتثل إلى تعليمات من نوع: إمشي على جنب الطريق، اقتربي من جدران البنايات، إبقي تحت شرفاتها... صديقتي معي على الهاتف الخلوي، كنت بحاجة لسماع صوت أليف يرافقني ريثما أصل إلى البيت>. في هذه اللحظات، فوجئت سوسن بدموعها تكرّ، وبساقيها تنطلقان مع <ريح التغيير>. أمام مدخل البناية، انشقت الأرض عن مسلح نقّزها. <مشهد قمة في الاستفزاز، كانت هذه بداية النكبة>. كانت وحدها في المنزل. أهلها في القرية. طوال السنوات الثلاث الماضية <لم نكن مع أحد، كنت أنتقد الكل لأني علمانية ولا أنتمي إلى الطائفة. لكن في تلك الليلة، لم أستطع تحمّل فكرة الدخول المسلّح الى حي له طابع معروف، كائناً من كان الهاجم>. تمكث إذاً في الممر. صاحبة البيت، جارتها، تنصحها بإطفاء النور. تطيع في البداية، ثم تنتقل إلى غرفة التلفزيون، حيث لا ضوء إلا المنبعث من الشاشة. يجب أن تتابع الأخبار. صاحبة البيت سيدة الموقف، وها هي تقرض جارة أخرى حليباً للأطفال. هما من توجهين سياسيين متناقضين تماماً. لطالما تشاجرتا في السياسة، <لكن تلك اللحظة كانت مختلفة، سرّتني، ويا خوفي أن نفقد غداً هذا التعاضد بين الناس>. لم تنم سوسن دقيقة واحدة. فجر يوم الجمعة عزمت على الانتقال إلى بيت صديقة في الحمراء، <صعدت إلى السيارة يغمرني شعور بأني لن أعود قريباً، أصلاً وضبت أغراضي على هذا الأساس. عدت إلى بيتي يوم الأربعاء الماضي. ثمة من اضطر إلى إزالة صور (الرئيس رفيق) الحريري وسعد من أمام بيته، هذا هو حجم الخوف. ما زلت غير مطمئنة. شنطتي، وفيها حاجياتي الأساسية، ما زالت قرب سريري. لا أحد يعرف، ربما أحتاجها بعد أسبوع أو شهر أو شهرين>.الحياة لم تعد إلى دورتها المعتادة، ليس تماماً، على ما تخبر سوسن. المحلات التي كانت تفتح حتى ساعة متأخرة، صارت تقفل مع اقتراب هبوط الظلام. ذهبت، قبل يومين، لتشتري خبزاً إفرنجياً للسندويش، وكانت الزحمة مدهشة، أكثر من 20 شخصاً في محل صغير. سألها البائع إذا كان معها <بون> (أي بطاقة برقم). اكتشفت أن الطلب كبير والأفران لا تلبّي، فصارت <البونات> وسيلة حجز مسبق.الرجل <شبه الأخير>هنا مواطن يصف نفسه بأنه <الدرزي شبه الوحيد في المنطقة الآن>، مؤثراً طبعاً عدم ذكر اسمه، لأن <الوضع ما زال لا يَحتمل>. يقول إن حوالى 25 بيتاً لعائلات اشتراكية عموماً (ثمة بعض الأكراد الاشتراكيين في المنطقة)، ودرزية خصوصاً، دوهمت خلال الأيام القليلة الماضية. الغاية الأولى للمداهمات كانت <استضافة> أشخاص موجودة أسماؤهم في لوائح، بالإضافة إلى البحث عن أسلحة، وتسجيل الأسماء الموجودة على <الانترفون> في معظم البنايات. لكن تلك <الزيارات المفاجئة> أفضت أحياناً إلى تكسير وتخريب وسرقة: <بعض العناصر كانوا أوادم، حاولوا حفظ ماء الوجه والتجاوب مع لغة التفاهم>. يحكي <شبه الأخير>، والذي لم يهرب إلى قرى الجبل كالآخرين معتمداً على <علاقات طيبة تربطه بالشباب منذ زمن>، عن مسؤول اشتراكي من آل صعب كانت مهمته، بالتعاون مع ضابط من الجيش ومسؤولين من <الحزب> و<الحركة>، التنسيق لوقف إطلاق النار: <وفجر يوم الجمعة الماضي، بعدما انتهت المهمة، قيل له إنه مطلوب، وسُحب من أمام عيني الضابط الذي حاول بلا جدوى الحؤول دون اقتياده... والتهمة؟ اشتراكي. وهل صارت هذه تهمة؟ يقولون: نريد التحقيق معه. طيب بأي صفة؟ ألستم مثله عناصر حزبية لبنانية؟ لا أحد يرد على هذا السؤال>.وفي حين يقول دليلنا <شبه الأخير> أنه لا يعلم إذا كان كل <المعتقلين> من <تيار المستقبل> قد عادوا، فقد أطلق بالأمس سراح ابن صعب، ليتم إدخاله فوراً إلى المستشفى حيث تبين أنه <تعرض للتعذيب والضرب>، حسبما قالت عائلته. وأضافت أن <أسئلة التحقيق تمحورت حول علاقته بإسرائيل. هل يجوز هذا؟ إسرائيل؟ شيء مثل الخيال؟ أين نعيش ومع من؟ كان ابننا يعمل حارساً ليلياً لتلفزيون المستقبل، وصاروا يسألونه عن علاقته بأحد الإعلاميين الموالين (نتحفظ عن ذكر الاسم). الأسئلة كانت غريبة ومهينة، كيف يمكن للمرء أن ينسى؟>.يقول <دليلنا> إن هناك تذمراً شعبياً عارماً من <تواجد الشباب في الشارع، ولو من دون سلاح ظاهر، مع أن الفان الذي كان يظهر من نوافذه السلاح اختفى أمس (الأول) فقط من أمام <بيتزا هات>... تكفينا أناشيد التحدي التي تطلق من السيارات ليلاً ونهاراً. أمس (الأول) صعدوا إلى بناية شبارو بحجة أن أحدهم يرميهم بالحجارة من فوق، هذه حجة لكشف المنطقة في حين يكثر الكلام عن استمرار البحث عن المطلوبين طبقاً للائحة الأسماء معهم، طيب أين الدولة؟ نهايته، لهذا السبب لم تعد حتى الآن العائلات التي رحلت منذ حوالى أسبوع>. وفي هذا السياق، يلوّح الرجل برغبة أبناء الحي تنفيذ مسيرة نساء وأطفال للتعبير عن امتعاضهم في حال لم ينته <هذا التواجد>.من يطفئ النار؟خطوات قليلة، ونصل إلى منزل آل قمند. ما زال على حاله: آثار حريق ورصاص وتكسير، فوضى عارمة وسخام على الجدران. لم تقم شاهناز قمند، التي تسكن في البيت مع والدتها العجوز، بكنس الزجاج وبقايا الأثاث من كل أنحاء البيت. ما زالت مروعة مما حصل. أطفأت النار في الكرسي المشتعل في الصالون بجلب المياه بالدلو من الحمام، ويداها ما زالتا تحملان آثار حروق من الجمر الذي التصق بهما، إذ منع المسلحون الإطفائية من الوصول إليها: <قلت لهم، نعم شقيقاي اشتراكيان، لكنهما ليسا هنا. أعطيتهم قطعتي السلاح القديم اللتين كانتا في العليّة، والتي كنت أحتفظ بهما للذكرى منذ أيام الحرب. لم أكذب، وقد اكتشفوا بأنفسهم أنهما خربتان. لكنهم دخلوا علينا وطارت مجوهرات أمي. قفز أحدهم على الشرفة، على زنده وشم ويرتدي قميص بروتيل، من عينيه عرفت أنه يتعاطى المخدرات. ضممت كفّي وشرعت أتلو كل التحويطات التي أعرفها. لم ينقذني سوى الحديد المثبت على الشرفة. كان يشد على القضبان ويصرخ: بدي فوت! بدي أحرق البيت! ما الذي كان فعله بي وبأمي هذا المخلوق لو دخل علينا؟>.تتضارب أخبار المعارك الضارية التي وقعت في <كركول الدروز>. ثمة بين سكان الحي من يقول، وبخبرة عسكرية ـ حزبية قديمة، إن أصوات الرصاص والـ<ب7> وغيرها من الأسلحة كانت بلا صدى سلاح مضاد. في حين يقول دليلنا <الأخير> أن <بعض الاشتراكين لم يردوا على نداءات وليد جنبلاط، وأن معارك وقعت من السادسة مساء الخميس وحتى الثالثة من فجر الجمعة>.كان هذا بعضاً مما عاشه أبناء المنطقة منذ بضعة أيام. وأحاديثهم الراهنة تنبش ذكريات عن <استعصاء سقوط هذه المنطقة في أيدي <أمل> أيام سيطرة الاشتراكيين والشيوعيين في منتصف الثمانينيات. كيف سقطت الآن في ساعات؟>. إنه ماض... لكنه أقرب مما يجب.<الدبابير المدولبة>الطلعة المقابلة لدار الطائفة الدرزية. الـ<بلاك> الأزرق يسميها <منطقة تلة الدروز، شارع ابن رشد>. على الحائط علّق علم لبنان وفي وسطه <شباب عائشة بكار>. كان شباب <تيار المستقبل> يسهرون هنا كل ليلة، قبل 7 أيار 2008. مشهد الحراسة نفسه الذي كان يتكرر في المناطق المستهدفة بالـ<هجمة> في ما بعد. المناوبات التي باتت محور أحاديث متناقضة في الشارع: ألسنة تسخر من <جدواها وسلاحها>، وأخرى غاضبة وعاتبة لأنها <وعدت بأكثر مما يمكنها الإيفاء به>. العلم الآن ممزق. في <زوارب العلية>، منطقة دار الفتوى، أعلام جديدة للحزب القومي السوري الاجتماعي. مركز الحزب هنا قديم، لكن أعلامه لم تكن تعرف مساحة الانتشار هذه. صاحب محل يتردد بداية في الكلام. يصر على عدم ذكر اسمه <فالشباب ما زالوا هنا، من حولنا، أعرف بينهم من أبناء المنطقة واحداً أو اثنين. الباقون غرباء>. ولماذا التردد؟ فالمسألة يفترض ستحل سياسياً. لا يوافق الرجل الأربعيني: <الأجواء ما زالت متوترة. كلما رأوني أفتح المحل الساعة الخامسة فجراً يسألون: من أنت؟ وماذا تفعل هنا؟ أقول إني كل يوم أفتح محلي في هذا الوقت. أسايرهم، وأبقى خائفاً، فالشوارع تكون مقفرة في الصباح الباكر، وإذا تعرض لي أحدهم لن يشعر بي إنسان... لقد خطف 12 شاباً من أبناء الحي وحُقق معهم بحجة أنهم من تيار المستقبل. بعضهم مكث ساعات، أو يومين، وما زال هناك ثلاثة أشخاص لا نعرف عنهم شيئاً حتى هذه اللحظة (يوم أول من امس)>. نسأله عن العائدين، ماذا يروون؟ بأي موقف عادوا؟ <انضبوا في بيوتهم، وكل قال لنفسه يكفيني ذلاً>. يقول الرجل إن قرار سحب المظاهر المسلحة وانتشار الجيش لم يسر تماماً بعد، <في النهار نراهم يتمشون أو يقفون على زوايا الأزقة بلا سلاح، ونرى الجيش، لكن المشهد في الليل يختلف>.على أوتوستراد عائشة بكار أعلام <الحركة> الخضراء ترفرف بنشاط. مستجدة هنا، تعود إلى مواقع غابت عنها منذ حوالى عشرين عاماً. على جدران المبنى المهجور، في ساحة الشيخ أحمد عساف، كانت هناك صور عملاقة للرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومن خلفه ابنه سعد. كانا مبتسمين. لا أثر لهما البتة. على بعد خطوات، مقهى مقفل: <فيوتشر كافيه> حيث كان شبان <تيار المستقبل> يمضون ساعات وساعات. فتى وحيد يظهر للعين في صورة ملصقة على البوابة الحديدة الموصدة: <شهيد الغدر، زياد رمضان الغلاييني، مواليد 21 تشرين الأول ,1991 استشهد صباح الجمعة في 9 أيار 2008>. <الغدر> كلمة مخيفة في التداول. يرفض موظف الصيدلية التحدث عما كانته يوميات <الفيوتشر> وأمسياته. الأصح أنه يلتزم بـ<لا أعرف شيئاً>، ولو أنه يؤكد أن بيته يقع في تلك البناية، على بعد أمتار من مكان عمله الملاصق للمقهى. <هدوء حذر>، عبارة حربية يستخدمها مراسلو التلفزة، يتجسد معناها في رجل. ورقة نعوة أخرى: <الشهيد نبيل جهاد أبو العينين>. تتضارب الروايات حول سقوط هذا الشاب الفلسطيني الأصل والذي يعتبر ابن المنطقة: البعض يقول إن رصاصة استقرت في رأسه ولم يُعرف كيف، والبعض الآخر يقسم أنه تلقى ضربة آر بي جي <بعدما رفض أن يسلّم سلاحه>. في <زاروب العيتاني> صعد المسلحون إلى البيوت، سألوا من ينتمي إلى <تيارالمستقبل> وإذا كان في المنازل سلاح. والآن، تزأر دراجة نارية في طريق متفرع من طلعة شحادة. على متنها شابان كانا يضحكان ملء صدريهما لحظة كان صاحب صالون حلاقة يخبر عن مصطفى العيتاني الذي أرداه قناص. يصمت صاحب الصالون تماماً لدى مرور الدبّور المدولب: <الله وكيلك هيك مقضينها، بل صرنا ننتظر زيادة حركة الناس في الشارع، من بعد العاشرة صباحاً، لننزل إلى أشغالنا>. يأخذ نفساً ويكمل حكاية مصطفى الذي كان يعبر بين مبنيين لإيصال ربطة خبز إلى جدته. لن يكمل مصطفى العقد الثالث من العمر، لكنه سيظل والد الرضيع الذي بالكاد أتمّ شهره الثالث.نحن الآن بالقرب من (ما كان) منزل النائب عمار حوري. غرفة الحارس مهشمة، وآثار الرصاص محفورة في جدران المبنى. قيل إن خزنة مجوهرات زوجته وجدت <مقروصة> وخاوية تماماً. لا سبيل إلى التأكد. لكن من السهل الاستفهام عن <هوية> ذلك العلم الجديد على النظر، المغروس على المصلبية الفاصلة بين تلة الخياط صعوداً والزيدانية نزولاً. ثلاثة ألوان بالطول: أسود وأبيض وأحمر، وفي الوسط أرزة خضراء. يقول أهل الحي إنهم فوجئوا، مع بداية <الحفلة>، بظهوره قرب مقهى <أبو عثمان> حيث يجلس الشباب الآن طوال النهار. الترجيحات أنهم أرادوا <تحييد هذا الموقع وإعلانه منذ البداية معارضة سنّية>.على درب الخارج من محيط دار الفتوى، عبر شارع <ابن رشد> نفسه، لا بد من المرور مرة ثانية بعلم <شباب عائشة بكار> الممزق، وعلى حائط <مدرسة خديجة الكبرى للبنات> ألصقت الذكرى الأخيرة لـ<الأخ الغالي المحامي هيثم طبارة الذي قضى إثر تعرضه ووالدته آمال بيضون لقذيفة في منطقة رأس النبع>.الشبكة الإخبارية السوداء تصل المناطق ببعضها البعض. الأخبار الآن تُستقى من العاصمــة القطــرية. على <المنبعين> أن يندمجا، وإلا ثـبت أن سوسن محقة في إبقاء شنطتها قرب السرير.