As Safir Logo
المصدر:

الحرب الأريترية الأثيوبية الصامتة: آلاف القتلى والجرحى أسبوعياً بعيداً عن كاميرات التلفزة العالمية

المؤلف: شمص ايمان التاريخ: 1999-06-22 رقم العدد:8327

من الحروب والنزاعات الدائرة في العالم اليوم تلك التي لا تُسلَّط عليها أضواء كاميرات التلفزة العالمية ولا تستقطب المراسلين من مختلف الدول والاتجاهات، فتخبو مستمرة سنوات طويلة بعيدا عن أعين العالم على الرغم من أنها لا تقل خطورة وضررا عن النزاعات والحروب »المتلفزة« و»المغطاة إعلاميا« سواء كان ذلك من ناحية الخسائر البشرية أو المادية أم ناحية تهديدها لأمن منطقة معينة ولأمن العالم من بعدها. من هذه الحروب، الحرب الأريترية الأثيوبية التي تلامسها وسائل الاعلام العالمية دون أن تتوقف عندها حتى اليوم على الأقل والتي تدور رحاها في القرن الأفريقي، يتصاعد عنفها أحيانا ويخبو أحيانا أخرى، إلا أن تقديرات حجم خسائرها البشرية على الأقل تفوق خسائر حرب كوسوفو التي لم يوفر الاعلام العالمي زاوية منها إلا وتناولها، ناهيك عن أن احتمالات انعكاساتها السلبية على أمن القارة الأفريقية والعالم بشكل عام لا تقل خطورة عن الانعكاسات السلبية الاقليمية والدولية لحرب كوسوفو. منذ أيار 1998، اندلعت الحرب الأريترية الأثيوبية في جولة جديدة لها على مثلث حدودي بين البلدين، وبدرجات عنف متفاوتة تتصاعد أحيانا وتخمد أحيانا أخرى، وعلى مراحل، معلنة أحيانا وصامتة أحيانا أخرى، بحيث صح عليها تشبيها ب»الحرب الغريبة« التي نشبت بين ألمانيا النازية والحلفاء في بداية الحرب العالمية الثانية فامتدت من أيلول 1939 حتى أيار 1940... معارك برية، وقصف بالطائرات وتكثيف الحشود على جانبي الحدود، ومحاولات تسلل واحتلال مناطق ثم استعادتها، وحروب كلامية ووساطات ووفود... وغير ذلك من مفردات الحرب الحقيقية، ينطبق على الحرب الأريترية الأثيوبية التي تجددت قبل أسبوع على نطاق واسع، وتجاوز عدد ضحاياها خلال أربعة أيام فقط من المعارك الحدودية ال20 ألف قتيل... من الطرفين. ففي آخر بيان لوزارة الخارجية الأريترية صدر في 16 حزيران الجاري حول المعارك على الحدود المتنازع عليها ان »2060 جندياً أثيوبياً قتلوا وجرح 4050 جنديا آخرين، في معارك يومين فقط ليصبح عدد القوات الأثيوبية التي تم تحييدها في خمسة أيام من القتال الشديد أكثر من 18 ألف جندي«. وسبق هذا البيان، بيان من أديس أبابا أثيوبيا تحدثت عن إيقاع الجيش الأثيوبي أكثر من 8200 جندي اريتري بين قتيل وجريح خلال يومي 12 و13 حزيران، على الطرف الغربي للحدود بين البلدين« (رويترز 12 حزيران 1999). هذه الأرقام تضاف الى الأرقام عن خسائر المعارك على الجهة الأثيوبية الأريترية بين 23 شباط 1999 وحتى 26 آذار من العام نفسه والتي بلغت أكثر من 45 ألف قتيل وجريح وأسير من جهة أسمرة فقط، (بيان أديس أبابا في 30 آذار 1999) في حين تحدث بيان من الطرف الآخر عن سقوط حوالى 20 ألفا بين قتل وجريح من جهة أديس أبابا (بيان أسمرة 28 آذار 1999). هي حرب استنزاف، وفقا لتعبير المحللين العسكريين، فاق ضحاياها في خلال فترة شهر فقط ربع عدد ضحايا الجنود الأميركيين طيلة حرب فيتنام، حتى ان بعض التقديرات تؤكد ان هذا الرقم هو أكثر بكثير، وقد يتجاوز الضعفين... فبعد اتفاقية الهدنة الهشة التي توصل إليها الطرفان بعد تصاعد المعارك بينهما للمرة الأولى في 28 أيار 1998، عاد تجدد القتال في منتصف حزيران الجاري بوتيرة عنيفة على منطقة بادميه التي نشبت فيها حرب 98، واتهم كل من الجانبين الآخر بالمبادرة الى إطلاق النار، الذي دار بصورة متقطعة على جبهات ثلاث بطول الحدود وأدى الى مقتل عشرات الآلاف من الجنود. هذه الحرب مرشحة للاستمرار في ظل موازين القوى بين البلدين، حيث ان لأثيوبيا 250 ألف جندي مقابل 200 ألف جندي في أريتريا، وان البلدين مصران على عدم التنازل احدهما للآخر، وحيث ان هناك غياب لأي احتمال للتوصل الى حل دبلوماسي... مما يجعل الأمر مفتوحا ربما ل13 سنة جديدة.. وربما الى أن تتسلط عليها أضواء الإعلام العالمي، فتغدو الحاجة الى معالجتها أمرا ملحا.. في أسباب النزاع الأسئلة كثيرة حول أسباب النزاع وأهدافه... وحول لا مبالاة العالم به حتى اليوم.. لا سيما وأنه يتناول مصير بلدين أساسيين في القرن الأفريقي: أثيوبيا البالغ عدد سكانها 58 مليون نسمة على امتداد مساحة مليون و100 ألف كلم مربع، وأريتريا البالغ عدد سكانها 5،3 مليون نسمة وبمساحة 121 ألف كلم2. وهما »الأخوة الأعداء« اللذين بقدر ما كان التحالف العسكري والسياسي والتحرري بين قادتهما قويا وناجحا في تحقيق أهدافه نحو الاستقلال والحرية، بقدر ما ان الخلاف بينهما اليوم دموي وحاد الى درجة الحرب الشاملة الممتدة بطول حدودهما. تشير دراسة حديثة لمعهد الدراسات والبحوث الأفريقية التابعة لجامعة القاهرة (آب 1998) ان الصراع بين أثيوبيا وأريتريا يعود الى سنوات طويلة سبقت حصول أريتريا على الاستقلال عام 1993. وحسب المراجع التاريخية التي توردها هذه الدراسة، فإن أريتريا كانت حتى 1890 جزءا تابعا للخلافة العثمانية من الناحية الإسمية، لكنها عمليا كانت ملحقة بمصر. وكانت هناك حاميات من الجيش المصري في »مصوع« العاصمة حينذاك. إلا أن احتلال بريطانيا لمصر عام 1882 ساهم الى حد كبير في إضعاف النفوذ والوجود المصريين في أريتريا مما سهل استيلاء الإيطاليين عليها بدون مقاومة حقيقية وأصبحت بذلك أريتريا والصومال الشمالي جزءا من المستعمرات الايطالية في القرن الأفريقي حتى 1941. وعانت أريتريا في ظل هذه الفترة من مسخ للهوية واضطهاد للمسلمين الذين يشكلون 50 في المئة من سكانها، وحين شن موسوليني حاكم إيطاليا هجومه على الحبشة (أثيوبيا الحالية) عام 1935 ورغم مقاومة أمبراطور الحبشة هيلاسيلاسي له، استطاع ضمها الى مستعمراته، وبوقوع الحرب العالمية الثانية 1939 1945 كانت منطقة القرن الأفريقي، ومعظمها تحت السيطرة الإيطالية أحد أهداف الأمبراطورية البريطانية بزعامة ونستون تشرشل، ضربت قوات بريطانيا المتحالفة مع فرنسا، المنطقة وطردت الإيطاليين منها وأعادت الأمبراطور هيلاسيلاسي من منفاه الى عرشه في أثيوبيا. ووضعت الأمم المتحدة أريتريا تحت إشراف مشترك مع بريطانيا، حتى العام 1952 حينما تم وضع أريتريا تحت انتداب الحبشة مكافأة للأمبراطور هيلاسيلاسي، لاعترافه بإسرائيل والتعاون معها.. وحسب دراسة المعهد أيضا، انه بعد قرار هيلاسيلاسي ضم أريتريا للحبشة قامت حركة تحرير أريتريا الداعية للاستقلال، وضمت مجموعات متعددة اتحدت بعد فترة تحت مظلة واحدة هي جبهة تحرير أريتريا التي اتخذت من القاهرة مقرا لها ومن جزر حنيش اليمنية قاعدة لشن عملياتها العسكرية. وتطور عملها ليشمل كامل أنحاء أريتريا. فمارس هيلاسيلاسي كل أشكال القمع لضربها معتمدا على دعم الولايات المحدة التي كانت تعتبره »حائط صد« ضد النفوذ الشيوعي في القارة الأفريقية، فتصاعدت المقاومة الأريترية التي تحولت الى ما يشبه الحرب النظامية ضد الأمبراطور على طول الحدود مع أثيوبيا، وسيطرت على الطرق المؤدية الى أسمرة. وفي عام 1974 سقط نظام هيلاسيلاسي وهرب الى منفاه بعد ثورة الشعب والجيش عليه وأعلن قيام الجمهورية الأثيوبية كأول دولة اشتراكية تأخذ بالفكر الماركسي عقيدة ومذهبا تحت قيادة منغستو هيلاميريام زعيم الضباط الذين قادوا الانقلاب العسكري ضد هيلاسيلاسي. وتضيف الدراسة، ان قادة أثيوبيا الجدد لم يقبلوا باستقلال أريتريا لأن ذلك يفقد أثيوبيا منفذها الوحيد على البحر الأحمر لمسافة تزيد عن 640 كلم، وتصبح بذلك دولة مغلقة ومتعبة اقتصاديا، وقد استفادت الثورة الأريترية من هذه الظروف وبدعم من مصر والسعودية واليمن، ومن وجود انقسامات داخلية في أثيوبيا وانهيارات اجتماعية، معيشية واقتصادية نتيجة الجفاف والمجاعات. وعندما شنت المعارضة الساخطة ضد نظام منغستو بقيادة الجبهة الشعبية الديموقراطية هجومها ضده عام 1991، وأبعدته من السلطة، قررت إنهاء الحرب مع جبهة تحرير أريتريا بزعامة اسياس افورقي، وفي 24 أيار 1993 اعترفت أثيوبيا بقيادة رئيسها الحالي ميليس زيناوي باستقلال أريتريا، أي ان الطرفين كانا حليفين ووقف الأول مساندا لحق استقلال أريتريا. لكن، ومنذ أن رفعت أعلام الاستقلال والتحرر في أريتريا، بدأ الحليفان يفترقان. وأحد الأسباب المطروحة الخلاف على الحدود. فأريتريا استقلت بعد أطول حرب تحرير في القرن العشرين ولكن دون حدود مرسومة أو خرائط معترف بها دوليا.. فاستقلال أريتريا نتج الى حد كبير من التحالف الذي قام منذ أواخر السبعينيات بين الحركة التي كان يقودها الرئيس الأريتري الحالي أفورقي، وتلك التي يتزعمها رئيس حكومة أثيوبيا الحالي ميلس زيناوي، حيث التأم الطرفان في مواجهة حكم »الأمبراطور الأحمر« منغستو هيلاميريام ونظامه الاستبدادي. وبالرغم من اختلال أهداف الحركتين، حين كانت الأولى تريد استقلال أريتريا والثانية تريد الإبقاء على رابطة ما كونفدرالية أو سواها بين أريتريا وأثيوبيا، إلا أن تحالفهما نجح في إسقاط النظام السابق. وعندما أدركت أثيوبيا ان استقلال أريتريا أدى الى حرمانها من كل منفذ مباشر على البحر، كانت أريتريا تخطط لانجاز استقلالها الكامل، فعمدت في تشرين الثاني 1997 الى صك عملة رسمية خاصة بها بعد أن كانت تتعامل بالعملة الأثيوبية، مما أثار حفيظة أديس أبابا التي رفضت التعامل بهذه العملة وفرضت على جارتها استعمال الدولار الأميركي في المبادلات التجارية. فاتهمتها أريتريا بأنها تعيق المشروعات الاستثمارية التي تتجه الى أسمرة عن طريق استقطابها الى أديس أبابا، فأوقفت التبادل مع أثيوبيا التي كانت تمد الأريتريين بالمواد الغذائية، كما أوقفت التسهيلات البحرية المقدمة الى أثيوبيا في ميناء عصب الأريتري المعتبر المنفذ الحيوي الرئيسي لأثيوبيا على البحر الأحمر الذي يتعامل مع 75 في المئة من التجارة الأثيوبية، الأمر الذي دفع أثيوبيا الى تحويل تجارتها الى الميناء البديل في جيبوتي. إضافة الى هذا السبب، الذي يبقى في إطار سعي أسمرة الى تأكيد استقلالها وبين سعي أديس أبابا الى الحد من هذا الاستقلال والإبقاء على رابطة خاصة بين الكيانين، هناك عوامل أخرى، تؤكد على أن النزاع بين البلدين ليس مجرد نزاع على الحدود قد تذلله المساعي الدولية، بل انه قد يطول وبشكل بؤرة توتر إضافية في منطقة القرن الأفريقي، يهدد أمنه واستقراره ويهدد مصالح الدول الكبرى... والأكيد ان هناك عوامل داخلية خاصة بكل دولة تساهم في زيادة حدة التوتر بين البلدين إضافة الى عوامل خارجية أخرى. العوامل الأريترية بالنسبة لأريتريا، تقول دراسة لصحيفة »الأهرام« في 30/8/1998، حول جذور الصراع الأثيوبي الأريتري ان تعدد الأعراق واللغات والديانات في المجتمع الأريتري، يجعل القيادة السياسية الأريترية حريصة على إبقاء بعض القضايا ساخنة في علاقاتها الخارجية حتى أصبحت هذه الظاهرة سمة استراتيجية في هذه العلاقات. وذلك للحفاظ على وحدة الداخل تحت تأثير الإحساس بالخطر الخارجي، وهو سلوك يعكس نظريات إسرائيل التي تتمتع بعلاقة متينة وخاصة مع أريتريا. فالمجتمع الأريتري يضم تسع مجموعات بشرية مختلفة العادات والتقاليد والديانات، أهمها قبائل التيغري والعرب الرشايدة، والتجرينية والغفر وغيرهم، ينقسمون ديانتين رئيسيتين المسيحية والإسلام مناصفة. وثاني هذه العوامل حداثة استقلال أريتريا بعد نضال مرير دام 30 عاما، فكانت أطول حرب تحرير في القرن العشرين، الأمر الذي أوجد حساً وطنياً ومتشبثاً بالسيادة الوطنية، وطموحات كبيرة بالمكانة المستقبلية للبلاد. أما ثالث هذه العوامل فتتعلق بالنزاع مع اليمن ومحاولات صرف الأنظار داخليا عن فشل قضية حنيش بإيجاد قضية أخرى أكثر حساسية وأكثر إثارة. يضاف الى ذلك عامل العلاقة مع السودان، حيث ان أريتريا اتخذت جانب المعارضة السودانية بل وطلبت من أثيوبيا تقديم الدعم العسكري للمعارضة السودانية لإسقاط نظام الخرطوم، فرفضت أثيوبيا، فاندفعت أريتريا بعدائها لرفيقتها في النضال أثيوبيا الى جانب عدائها للدول المجاورة لها: جيبوتي واليمن. العوامل الأثيوبية وفي الجانب الأثيوبي، عوامل داخلية مؤثرة أيضا تساهم في حدة النزاع أولها ما يضمه المجتمع الأثيوبي البالغ عدد سكانه 58 مليون نسمة من مجموعات عرقية تبلغ 82 مجموعة، من القوميات التي ينظر بعضها الى زعامة القومية التيغرية المتمثلة برئيس الحكومة الحالي، والحزب الحاكم الحالي، بأنها قوة احتكارية الأمر الذي يعرض المجتمع الأثيوبي لاحتمالات الزعزعة والاهتزاز، ويعزز هذا الرأي العامل الثاني المتعلق بنظرة أثيوبيا الى استقلال أريتريا. فكثير من الأثيوبيين يشعرون بالندم وبالتسرع لإعطاء أريتريا استقلالها وان ظروف الحرب ضد نظام منغستو هو الذي جعلهم يقبلون باستقلالها.. لذلك تجدد الأمل لهؤلاء اليوم في انتهاز هذه الفرصة التي أوجدتها أريتريا بإثارة النزاع لإعادة ترسيم الحدود والسير باتجاه تحقيق منفذ على البحر الأحمر، وهو غاية المنى لأثيوبيا اليوم. أما العامل الثالث فهو حسب تحليل مراقبين لصحيفة »الأهرام« المصرية (30/8/1998)، فهو أن الداخل الأثيوبي لن يقبل بأي حل وسط للنزاع مع أريتريا، وأن البديل اتخاذ خطوات صارمة، أي مواجهة حرب جديدة شديدة التكلفة وهي في أمس الحاجة الى مواصلة عملية الإصلاح الاقتصادي. إضافة الى عامل آخر هو ان الموافقة الأثيوبية على استقلال أريتريا عام 1993 وانفصالها عن أثيوبيا، استندت على أن أريتريا لا يمكنها الاستغاء عن أثيوبيا، وبالتالي سوف يستمر اعتمادها السياسي والاقتصادي عليها بالشكل الذي يجعلها تدور في فلكها، وبالتالي فإن تحول أريتريا الى تهديد لأمن أثيوبيا ومصالحها الحيوية وأولها إقفال المنفذ البحري الوحيد لها، يجعل المعارضة الأثيوبية من القوميتين الأمورية والأمهرية تزيد من معارضتها للسلطة، التي ستضطر الى تأزيم الوضع حفاظا على الوحدة الداخلية، فتدفع باتجاه الحرب الشاملة. يضاف الى ذلك الخلاف بين البلدين حول السودان، وحول أسلوب التعامل مع النظام السوداني ورفض أثيوبيا دعمه من منطلق حرصها على علاقات طيبة مع الدول المجاورة لها. العامل الإسرائيلي هناك شبه تأكيد حول دور إسرائيلي في القرن الأفريقي، ومساهمة إسرائيل في إشعال النزاع الأثيوبي الأريتري، ولو بأساليب غير مباشرة. ويعود الوجود الإسرائيلي في القرن الأفريقي الى الستينات والسبعينات فقد كانت سمة المرحلة مقاومة الاستعمار، وبدأت أريتريا تقاوم الاستعمار الأثيوبي من خلال جبهة التحرير الأريترية التي احتضنتها الحركة القومية العربية، ومدتها بالمساعدات، ودرّبت كوادرها في مصر، فخافت أثيوبيا واتجهت نحو التحالف مع إسرائيل وعزز هيلاسيلاسي علاقات بلاده مع الإسرائيليين. وأعلن موشي دايان »ان أمن أثيوبيا وسلامتها يشكلان ضمانة لإسرائيل«، وظلت إسرائيل منذ الخمسينات تزوّد أثيوبيا بالدعم العسكري في الوقت الذي كان العرب يردون بمزيد من الدعم لجبهة التحرير الأريترية. وعلى الرغم من قطع أثيوبيا لعلاقتها مع إسرائيل بعد حرب 73، استمرت الدولة العبرية في العمل ضد الثورة الأريترية، وزادت تدريباتها والمساعدات العسكرية السرية للقوات الأثيوبية. وعندما تدهورت العلاقات الأثيوبية الإسرائيلية عام 1978، حاولت إسرائيل احتلال بعض الجزر في البحر الأحمر وخاصة جزيرة بريم الاستراتيجية، فحذرتها الولايات المتحدة من الأمر، وظلت إسرائيل تدعم أثيوبيا سرا خوفا من سيطرة العرب على البحر الأحمر بواسطة أريتريا، حتى حصلت أريتريا على استقلالها فأعلن رئيسها »انها ليست دولة عربية بل أفريقية«. وكانت إسرائيل أول دولة تقيم علاقات مع أريتريا بعد إعلان استقلالها عن أثيوبيا، وكانت أول زيارة للرئيس الأريتري الى الخارج الى إسرائيل بحجة المرض، تعززت بعدها العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وكذلك العلاقات السياسية وكان لإسرائيل دور في احتلال أريتريا لجزر حنيش اليمنية. وعلى هذا النحو، استطاعت إسرائيل ان تقيم علاقات بين الدولتين المتنازعتين، واستغلت وجودها الرسمي وغير الرسمي في العاصمتين أسمرة وأديس أبابا لتغذية النزاع عبر مد الطرفين بالأسلحة والمعدات. وقد أشارت تقارير عسكرية الى ان الأسلحة والمعدات التي استخدمت في الصراع بين البلدين كانت بمعظمها إسرائيلية حصلت عليها الدولتان خلال السنوات الست الأخيرة، إضافة الى منح ومساعدات عسكرية، وكل ذلك تحقيقا لهدف إسرائيل إشعال منطقة البحر الأحمر لايجاد حالات توتر تحيط بالدول العربية الموجودة فيها تهدد الخطوط الملاحية الحيوية الدولية وتفتح المجال لتدخل الدول الأجنبية. إنعكاسات الصراع إقليمياً ودولياً في ظل تشبث أريتريا بنزع سلاح المناطق المتنازع عليها ووضع قوة من المراقبين الدوليين والشروع في اجراء مفاوضات مباشرة بين الطرفين بحضور طرف ثالث من أجل إعادة ترسيم الحدود، ورفض أثيوبيا أي مفاوضات قبل انسحاب القوات الأريترية وإعادة الأوضاع الى ما كانت عليه وترسيم الحدود وفقا لما تركها الاستعمار البريطاني، يرشح ان النزاع مستمر الى فترة طويلة... ان لم تسارع الجهات الدولية والاقليمية النافذة الى وقفه أو على الأقل الى الحد من تداعياته الخطيرة المحتملة على الدولتين والقارة الأفريقية بشكل خاص وعلى استقرار العالم بشكل عام، والمنطقة العربية من ضمنه. فاستمرار النزاع يضرب اقتصاد البلدين المعتبرين أصلاً من أفقر دول العالم، حيث ان أريتريا تحتل المرتبة 186 بين دول العالم من حيث تأخر أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية (دخل الفرد السنوي فيها عام 95 بلغ 983 دولارا فقط)، وان أثيوبيا تحتل المرتبة 170 (دخل الفرد السنوي عام 95، 455 دولارا فقط)، (مؤشر التنمية البشرية على مستوى العالم لعام 97) وبالتالي فإن هذا النزاع يؤخر عملية التنمية والتطور وانتشال المجتمعين الأثيوبي والأريتري من هاوية الفقر والتخلف. من جهة ثانية، يجري النزاع في منطقة حساسة تطل على البحر الأحمر الممر الاستراتيجي العالمي للبترول وتقع فيها الهضبة الحبشية التي تمد وادي النيل ومصر تحديدا بجزء أساسي من المياه.. لذلك فاستمراره ينعكس سلبا على الدول المحيطة في حوض النيل أو في حوض البحر الأحمر وذلك ان ما يسببه هذا الصراع من عرقلة لمساعي تحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي سيفرض نفس النتائج السلبية على الأوضاع في حوض البحر الأحمر، حيث يتطلب الحفاظ على مصالح الدول المطلة عليه، ومن بينها 6 دول عربية. وأولها توفير استقرار المنطقة وأمن الممر الملاحي الدولي الأساس لنمو الاقتصاد وازدهار العلاقات بين الدول. يضاف الى ذلك ان لتداعيات هذا النزاع الأثر السلبي على السياسة الأميركية في أفريقيا عامة والقرن الأفريقي خاصة، الذي يحفل بخيرات يسيل لها لعاب الغرب. وقد كانت زيارة كلينتون الى افريقيا العام الماضي دليلا على حجم الاهتمام الدولي بالقارة، لا سيما أن الولايات المتحدة تعتبر المنطقة حيوية لها لمواجهة ما تصفه بالتطرف الاسلامي القادم من السودان، وقد حرصت لذلك على إقامة تحالف غير معلن بين أريتريا وأثيوبيا وأوغندا ورواندا جميعها لها حدود مضطربة مع السودان... وتعتبر أريتريا وأثيوبيا طليعة لمخططها وتعتمد على تعاونهما لتنفيذ استراتيجيتها في القرن الأفريقي الموجهة ضد المد الأصولي الإسلامي عامة والسودان بشكل خاص.. إضافة الى الدور الذي تضطلع به الدولتان معا ضمن إطار الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كل هذه التداعيات السلبية المحتملة للنزاع الأثيوبي الأريتري، قد تدفع منظمة الوحدة الأفريقية والدول العربية والولايات المتحدة الى التفكير بإيجاد حل له، كل بما يخدم أهدافه ومخططاته.. لكن وبانتظار هذا الحل، فالنزاع مستمر وحرب الاستنزاف محتمل ان تطول، ومن المؤكد في كل الأحوال انه ليس مجرد نزاع على الحدود بين دولتين... وإذ يتوقع المحللون العسكريون توقفا مؤقتا لهذا النزاع الحرب فإنهم يحذرون من استئنافها بوتيرة أكثر حدة... تسقط في كل يوم آلافا متزايدة من القتلى بانتظار أن توجه كاميرات التلفزيونات العالمية ليصبحوا قتلى »حرب شرعية«... إعداد: إيمان شمص

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة