لا تبدو مختارات الشعر اللبناني التي أعدها الشاعر حمزة عبود، مجرد أنطولوجيا عادية، لفترة معينة من فترات الشعر اللبناني. واللافت في هذا الموضوع، العمل الدؤوب الذي ميز العمل، إذ يبدو أيضا كقراءة حقيقية لهذه التجربة.حول ذلك، كان هذا اللقاء:أولاً، كيف جاءت فكرة هذه المختارات ولم؟ وبخاصة أنها أول انطولوجيا <كاملة> عن الشعر اللبناني؟1 ـ } جاء مشروع هذا الكتاب في إطار المشروع الذي تقدمت به المؤلفة الموسيقية والمغنية الأوبرالية هبة القواص الى اللجنة الوطنية اللبنانية لليونسكو بعنوان: الفنون الثمانية في لبنان خلال القرن العشرين. وقد تم الاتفاق مع الأمينة العامة للجنة السيدة سلوى السنيورة بعاصيري على إنجازه بعد الاتفاق على عدد من المسائل المتعلقة بالفترة الزمنية والجوانب الفنية والأكاديمية.من الناحية الشخصية وجدت أن هذا المشروع يتيح لي إعادة قراءة الشعر اللبناني منذ منتصف القرن الماضي تقريبا حتى يومنا، حيث نشأت ـ في رأيي ـ أبرز الحركات والاتجاهات الشعرية الحديثة، وصدرت مجلات وصحف شعرية وأدبية، وتعددت المنابر والأندية الثقافية، وظهرت تجارب عدد من كبار الشعراء اللبنانيين والعرب... كنت قد قرأت معظم هذه التجارب وعايشت جزءاً منها. إلا أنني وجدت في المشروع مناسبة لقراءة متأملة (ونقدية) وفي سياق حركتها وتفاعلها وتشكلها كـ<نصوص> وكمرحلة اكتسبت ملامحها وأبعادها خلال ما يزيد على النصف قرن.ما المفهوم الذي اعتمدته في هذا الكتاب من حيث الخيارات والقصائد؟2 ـ } أظن أن قراءتي لهذه النصوص والمؤلفات الشعرية التي ظهرت في هذه المرحلة تتيح لي اختيار الشعراء الذين كان لهم حضور (وتأثير) واضح في الحركة الشعرية اللبنانية المعاصرة. هذا بالإضافة الى عودتي الى الكتب والدراسات النقدية التي ظهرت بموازاة هذه الحركة. ومع ذلك فإن قراءتي للشعراء خلال عملي على إنجاز الكتاب جعلني التفت الى تجارب لم أعطها حقها في قراءاتي الأولى. أما عن مقاييس اختيار النصوص فهي محددة في مقدمة الكتاب، ويمكن تحديدها ـ باختصار بـ: النصوص الأكثر تعبيرا عن تجربة الشاعر، والنصوص التي عُرفت للشاعر في الأوساط النقدية والأدبية، والتنوع الذي يعكس الأبعاد المختلفة لتجربة الشاعر، وفي بعض الأحيان إلقاء الضوء على بعض النصوص المهملة التي يمكن ان تشكل مستندا إضافيا لقراءة الشاعر... وأشير هنا الى ان <اختيار النصوص وفق هذه المقاييس لم يكن سهلا، وقد استدعى جهداً ووقتاً لم أكن أتوقعهما قبل الشروع في العمل.بالتأكيد كل أنطولوجيا تحمل صعوبات طينها، ما أبرز الصعوبات التي عرفتها؟3 ـ } ثمة صعوبات ترتبط بالمسائل الأساسية لإنجاز العمل، منها: عدم التمكن أحيانا من الحصول على المجموعات الكاملة للشعراء، إذ لا يحق لي أو لأي قارئ أن يختار بناء لقراءة مجزوءة. وقد لا تعبر هذه النصوص (المختارة هنا) عن شخصية الشاعر أو عن تجربته بالقدر الذي تعبر عنها نصوص أخرى تعذر الحصول عليها. ومنها اضطراري، في بعض الأحيان، لاختيار نصوص لا أحبها أو حذف نصوص أحبها لكي أثبت النصوص التي تندرج في سياق تجربة الشاعر والتي تقدمه على نحو معبر. ومنها صعوبة الحصول على بعض الدواوين والمجموعات التي نشرت في أواسط الخمسينيات أو في مطلع الستينيات. ومنها، ولعله أبرزها: الوقت! كنت أحتاج مثلا الى قراءة شعراء أعرفهم وقرأتهم من قبل لأكثر من أسبوع أو عشرة أيام لكي أختار بضع صفحات أعتقد أنها تعبر عن تجربتهم أكثر من سواها. وكنت أعود الى قراءة هذه الصفحات ومقارنتها بنصوص أخرى أكثر من مرة، ومنها: عناء محاولتي الدائمة لتجاور موقفي والمفاهيم التي تكونت لديّ حول <شعرية> النص، لكي لا تتحول المختارات الى موقف نقدي وتفقد موضوعيتها في إلقاء الضوء على هذه المرحلة بتنوعها واختلاف أشكالها ومستوياتها. ومنها: أن المختارات وإن كانت تحقق الغاية منها كمختارات ـ أي أنها تعكس الملامح العامة للحركة الشعرية أو المرحلة التي تتناولها وتبيّن تنوع اتجاهاتها وخصوصية التجارب التي تركت تأثيرها (في مرحلة ما) ـ وإن كانت تحقق كل ذلك، فإنها لا تغني عن قراءة هذه المرحلة ولا تلم (لا تستطيع أن تلم) بمكوناتها وأبعادها..الى أي مدى لعبت ذائقتك في عملية التصفية والغربلة النهائية؟4 ـ } كثيراً. فالذائقة الفنية ليست شخصية تماما. وهي تعود، في جانب أساسي منها، الى عامل موضوعي وهو علاقتي بالشعر، وقراءتي لمعظم الأعمال والمؤلفات التي شكلت ملامح تلك المرحلة (التي تناولتها المختارات)، وانخراطي بأشكال مختلفة (ومتفاوتة) في الحوارات الثقافية والنقدية التي واكبت تطور الحركة الشعرية... الذائقة الفنية هي تحيز للنص الشعري، أعني <شعرية> هذا النص وتميزه في إنشاء حساسية ورؤية أكثر نفاذا وتعبيرا. وهي بهذا المعنى تغليب للعنصر الفني على العناصر الذاتية، أعني القائمة على علاقات شخصية.هذه الذائقة الفنية ليست إذاً مجرد انطباعات عابرة يمكن ان تشكل خللاً في الاختيار، بل هي عامل إضافي من شأنه تعزيز مصداقية الاختيار أو الأبعاد الأخلاقية ـ إذا شئت ـ في إصدار المختارات على النحو الذي جاءت فيه.قصيدة النثراعتبر البعض أن الأنطولوجيا متحيزة لقصيدة النثر عامة ولأصدقائك من الشعراء ثانيا، كيف ترد على هذا الرأي؟5 ـ } قرأت هذا الرأي (حول تحيز المختارات لقصيدة النثر) لصديقي الشاعر لامع الحر في صحيفة الشراع بعد سلسلة من المقالات في عدد من الصحف تجمع في عرضها للمختارات أو حتى في نقدها، على أمانة الاختيار وتعبيره عن الاتجاهات التي شكلت ملامح الحركة الشعرية اللبنانية (التي تتناولها المختارات). والحقيقة أنني لم أقصد (ولم يكن ينبغي أن أفعل ذلك) الى التمييز بين شعراء قصيدة النثر وشعراء قصيدة التفعيلة، ومراعاة نسب وكميات الاختيار وفق أي اعتبار نقدي أو شخصي. وان غلبة قصيدة النثر في المختارات تعود اولا الى اتساع حضورها كمساحة وكتأثير سيبدوان جليا في النقاشات والنصوص التي سادت منذ أواسط الستينيات حتى يومنا ـ وهي المرحلة الأكثر تعبيراً وتأثيراً في تطور الحركة الشعرية في لبنان والعالم العربي والأكثر حضوراً في الثقافة الأدبية والنقدية. أقول ذلك دون أن أقع في فخ التمييز الساذج والبسيط بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، أو قصيدة الوزن ودون الرغبة في استعادة النقاشات التي سادت حول هذه المسألة التي ظلت ـ كما أعتقد ـ خارج موضوع الشعر.أعترف أنني متحيز لقصيدة النثر من حيث المبدأ. أعني من حيث اعتبارها شكلا نوعيا أكثر قدرة على التعبير عن مكونات <الشعري> كحدث أو حالة خارج أي نظام أو افتراض مسبق لـ<الكلام>. كما أن إيقاع القصيدة يقوم في نظامها الخاص وفي سياق علاقاتها الداخلية والظاهرة ولا تقوم القصيدة في نظم إيقاعية عامة. ولكن هذا الرأي أو الاعتبار لا يجيز لي ـ ولا لأحد ـ أن يحدد شعرية النص. فالنص الشعري يقوم على اعتبارات تقنية وإبداعية أكثر تعقيداً، كما يعود الى مرجعيات يصعب تناولها في قراءة أحد مستوياته الفنية أو الدلالية ـ وهل عليّ، لكي أفسر ذلك أن أشير الى مدى إعجابي بشعر المتيني والى ان قراءة المتنبي ما زالت تطربني أكثر من أي شاعر آخر، والى أن شعر خليل حاوي يحركني أكثر من معظم شعراء جيله من الرواد، وأنني أستمتع كثيرا بقراءة محمود درويش وشوقي بزيع وحسن العبد الله.أظن أنني تحيزت لـ<شعرية النص> وليس لقصيدة النثر أو لقصيدة التفعيلة. أما عن تحيزي للأصدقاء فإن ثمة شواهد (في المختارات وفي علاقاتي الشخصية) لا مجال لذكرها هنا تبن بوضوح أنني كنت أميل الى إصدار مختارات تشكل وثيقة وقراءة (ولو موجزة) لحركة شعرية هي في اعتقادي من أبرز الظواهر الثقافية المعاصرة في عالمنا العربي، وإنني تفاديت كل ما يسيء الى هذه المختارات.كيف رأيت التواصل بين الاجيال الشعرية منذ الخمسينيات وحتى يومنا؟} اظن ان تطور الحركة الشعرية اللبنانية المعاصرة يعود الى هذا التواصل الذي اتخذ اشكالا ومستويات متعددة ليس بين الاجيال الشعرية المتقاربة فحسب، وكان بين النص الشعري (كمنجز فني) والمكونات الثقافية والاجتماعية التي تعيد (او تفترض اعادة) تشكيل النص على نحو ما. اعتقد ان وجوه التواصل التي اغنت الحركة الشعرية لا تقتصر على النصوص الشعرية وتحاور هذه النصوص عند خطوط تماس زمنية بل هي تتعدى ذلك الى علاقة النص ببيئته الثقافية والأدبية والفنية (تطور الحركة المسرحية، والحركة التشكيلية، وازدهار حركة الترجمة والنشر، وانتشار الصحافة وتنوعها...).بالطبع لا ينفي هذا تقاطعات تجارب الشعراء بين جيل الرواد وجيل السبعينيات وبين هؤلاء وجيل الثمانينيات... الا ان هذه التقاطعات لم تحل دون تميّز كل جيل (بل لعلها كانت عاملاً في ظهوره...)، وهو تميز لا يمكن ملاحظته هنا في سطور عابرة وان كان يمكننا ان نشير الى تجارب الشعراء الشبان (شعراء هذا الجيل).وأنت تختار قصائد الكتاب، هل وقعت مثلاً على أسماء شعرية مهمة لم تعرف حقها الاعلامي؟} في الستينيات شكلت الحركة النقدية التي واكبت تجارب الرواد (على صفحات الآداب، وشعر، ثم على صفحات مواقف وعدد من المجلات الادبية العربية...) مصدرا اساسيا للاعلام الثقافي والادبي. ولذلك فإن الاسماء التي ظهرت في هذه المرحلة تشكل، الى حد كبير، المشهد الشعري كما ارتسمت ملامحه من خلال النصوص وارتداداتها في المشهد الثقافي. الا ان الاعلام الذي بدأ يأخذ دوراً مختلفاً في الثمانينيات مع انحسار الحركة النقدية وتراجع المناخ الثقافي، وفي ظل فوضى المعايير واستخدام التقنيات الحديثة في توظيف الثقافي. هذا الإعلام يبدو محكوماً بوظائف غير نقدية وجائراً في تقويم التجارب التي ظهرت في هذه المرحلة. ليس لديّ خريطة بيانية تظهر مدى حضور الشعراء في الإعلام! ولكنني استطيع ان اقول بأنني حين اعدت قراءة خليل حاوي مثلاً صدمت بأن اصداء تجربته تبدو محدودة وخافتة في التجارب الشعرية اللاحقة (في جيلنا) على الرغم من اهمية هذه التجربة، كما أنني فوجئت ان احداً (في الاعلام) لم يلتفت الى قصيدة النثر باعتبارها شكلاً فنياً (يتميز بملامح بنائية خاصة) وان هذا الشكل هو عامل محدد في شعرية النص، وان <الشعرية> في نصوص عدد من الشعراء (ممن تروج أسماؤهم في الإعلام) تبدو <حالة> اكثر منها نصا او قصيدة. كما انني توقفت عند تجارب عدد من الشعراء الشبان التي لم تأخذ حقها في القراءة والتي تتجاوز في ملامحها ـ على الرغم من انها لا تزال في بداية تشكلها ـ <مشروع القصيدة> الذي توهمه معظم شعراء السبعينيات. ومن هؤلاء الشعراء على سبيل المثال شبيب الامين وغسان علم الدين وناظم السيد وغسان جواد.لقد اتاحت لك هذه المختارات الاطلالة المعمقة على حركة الشعر اللبناني، او لا كيف تنظر الى تجربة جيلك، واستعمل كلمة جيل بالمعنى الاصطلاحي، وكيف تنظر الى الجيل الذي تلا. واحدد هنا، الجــيل الــذي تــلا، لانــه لا بد ان يطرح مفهــوم التواصــل الشــعري اكثر مما يطرحه الجــيل اللاحق ابعد الثمانينيات؟} لا اعرف تماما اين تقع تجربة جيلنا. فنحن لا نعثر على سمات مشتركة تتيح لنا الحديث عن مثل هذه التجربة سوى في <المرجعيات> الثقافية والاجتماعية والفكرية... الا ان هذه المرجعيات نفسها ظهرت في تعبيرات متباينة. ولذلك فإن تحديد ملامح تجربة هذا الجيل يبدو متعذرا اذا كنا نتحدث عن الاشكال والبنى والمرجعيات التي يتعين بها النص الشعري.ومع ذلك استطيع القول (وربما بالاستناد الى تجربتي الشخصية) ان بعض شعراء هذا الجيل حاول <التحرر> من <العبارة المكتملة> التي رأى فيها وسيلة لقتل المعنى، كما رأى ان العبارة الشعرية هي عبارة ناقصة بالضرورة. ولعل ما كتبه الشاعر بول شاوول حول قصيدة البياض يفسر تجربته في هذا الاتجاه. الا ان هذا المنحى لا يميز تجربة جيلنا. فبعض شعراء هذا الجيل نحا الى اعادة بناء المعنى وعمل على <احكام> النص باعتباره نقيضاً ممكناً للهشاشة السائدة في مختــلف المجــالات. وبــعض شعراء هذا الجيل لجأ الى معارضة الايقــاع البلاغي والى المساحات الصامتة من الامكنة والحوادث والتعبير عن العلاقات المضطربة في سيرة الاشياء.لم تكن هناك تجربة شعرية كجيل شعري. واعتقد ان الجيل اللاحق (أعني جيلكم) عبّر عن هذه الاعتراضات في نصين متلازمين الاول اخذ منحى سردياً ووصفياً (يقوم على حكاية الحدث او الموقف) والثاني بدا عبثياً وساخراً.أدونيستطرح تسمية الحركة الشعرية اللبنانية اشكالية ما، اذ ان هناك الكثيرين، من جنسيات اخرى ساهموا في اغناء هذه الحركة. وانت تختار أدونيس مثلا وان سائر الشعراء، لم اخترت ادونيس ولم اسقطت غيره؟} صحيح، فالحركة الشعرية التي شهدت تطوراً نوعياً في هذه المرحلة كانت احد مظاهر تطور الحركة الثقافية والادبية والفنية التي عرفها لبنان منذ أواسط الخمسينيات. ولقد استطاعت هذه الحركة ان تستقطب مؤسسات ثقافية واعلامية وفنية وان تكون محط انظار عدد من المفكرين والكتّاب والشعراء الذين اقام بعضهم في لبنان لاسباب مختلفة ولفترات متفاوتة، ومن بين الشعراء الذين عاشوا في لبنان في هذه المرحلة وتركوا تأثيرا واضحا ليس في الحركة الشعرية اللبنانية فحسب بل في الشعر العربي عموما. توفيق الصايغ وبدر شاكر السياب ونزار قباني ومحمد الماغوط ومحمود درويش وسعدي يوسف.ان تأثير هؤلاء يدخل في قراءة العوامل التي ادت الى اغناء الحركة الشعرية والى تفاعل الاتجاهات والتجارب التي ادت الى تنوع هذه الحركة وازدهارها. غير ان مشروع <المختارات> التي جاءت في اطار مشروع <الفنون الثمانية في لبنان> والذي اعدته اللجنة الوطنية اللبنانية لليونيسكو ـ هذا المشروع ينحصر بالشعراء اللبنانيين.أما اختيار أدونيس فهو يعود ببساطة الى ان أدونيس لبناني الجنسية منذ اكثر من نصف قرن، وعاش ولا يزال في لبنان، واصدر مجلة مواقف التي تعتبر احدى اكثر المجلات الأدبية والشعرية حضورا في الثقافة اللبنانية وفي الاوساط الثقافية العربية. كما ان أدونيس عايش وكان من مؤسسي مجلة <شعر> التي لا يختلف اثنان على دورها وتأثيرها في تطور الحركة الشعرية في الستينيات... هذا بالاضافة الى ان تجربة أدونيس الشعرية هي، على الرغم من اتساع حضورها وتنوع مرجعياتها الفنية والثقافية فإنها بين الاكثر تعبيراً عن تجربة الحداثة التي اكتسبت ملامح وأبعاداً خاصة في الحركة الشعرية اللبنانية. وان استثناء أدونيس من انطولوجيا الشعر اللبناني المعاصر لا تبرره سوى شوفينية بعض <الشعراء> و<الكتبة> في الصحف اللبنانية.