يصعب التعريف بعباس بيضون: مَن هو، في كتابه الجديد <الموت يأخذ مقاساتنا> (عن دار الساقي، بيروت 2008). إنه تقريباً ما يكتبه في هذا النص بعنوان <الباب> من قسم <تظاهرة> في الكتاب:<الدخول إلى الخيمة لا يحتاج الى دعوة. الخيمة على الطريق، وأنا لست عابراً ولا مقيماً ولا أحداً>.. فتنسيب النصوص في الكتاب صعب ويحتاج لإعادة نظر في الأجناس الأدبية المتفق عليها تاريخيا ومدرسيا بين قصيدة وقصة قصيرة ومقالة وما يشبه ذلك من تصنيفات، عملت بعض أساليب الحداثة على زحزحتها عن أماكنها وإثارة القلق والصدمة فيها، ولم يبق ذلك مقتصراً على ما قام به كتّاب وشعراء حداثيون من الغرب، من سرياليين وتجريبيين مثل أبو لينير في ابتكاره (للقصيدة ـ الصورة)، بل تعداه الى تجربة الحداثة الشعرية العربية نفسها، فلم يكن محمد الماغوط على سبيل المثال مخلصاً للتنسيب الأدبي لكتابته، ولم يكن يهمه لقب شاعر، أو تسمية نص من نصوصه <قصيدة>، وقد سمعته يقرأ في إحدى أمسياته الشعرية مقالات صحفية على أنها قصائد.. وجمع في كثير من كتبه التي صدرت له على أنها شعر، جملة من مقالات متنوعة، كما فعل في واحدة من أواخر مجموعاته <شرق الشمس غرب القمر>.لا أعتقد أنه عن طريق المصادفة، أهمل عباس بيضون، الشاعر، ذكر نوع كتابه <الموت يأخذ مقاساتنا>، فترك العنوان بلا تنسيب، ولم يشأ أن يحمل نسبه في عنقه، كما أن شكل كتابة النصوص في الداخل، هو شكل سردي نثري، يصلح لقصة قصيرة، أو مقالة، ما خلا قصيدة <التمثال> في القسم الأخير من الكتاب وهو بعنوان <رباعية بغدادية>، فقد اتخذت كلياً الشكل السطري المجزوء المتعارف عليه لكتابة القصيدة الحديثة، كذلك فعل الشاعر مع قصيدة <المقص> وهي آخر فقرات <الرباعية> وآخر نص في الكتاب... على ما عدا ذلك، يسيطر الشكل السردي، ليس فقط الشكل، بل بعض العناوين، والجملة الكتابية نفسها، وبعض عناصر النصوص، ففي نص بعنوان <قط اسمه نينو> من القسم في الكتاب المسمى <على سطح نفسي> يبدأ الشاعر بسطر قصصي هو: <إنه قط شارد أحضرناه في كيس الى المنزل>، واستطرادات النص لآخره، يموضعه بين القصة القصيرة والقصيدة، وهو أقرب للأولى منه للثانية <القطط التي سميناها من قبل شمشون وقيصر وعبلة صعدت الى درابزين الشرفة ورمت نفسها من الطابق السادس...> ... ففي نصوص عباس بيضون، قلق هويات كثيرة ومتزاحمة على النص، بل لعله من أكثر الشعراء العرب المعاصرين معاناة في هذا القلق. ومن أجمل ما كتب، في النص نفسه المذكور <قط اسمه...>، الجملة التالية: .إن شدة التركيز على نوع الكتابة، ما هي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقصيدة والشعر، تفقد الكاتب متعة السير الحر والمجنون في فلوات الكتابة.. بل لعل هذا التركيز بعينه كفيل بتفجير الأنواع الأدبية.. وتركها تصب في بعضها البعض كأوعية متصلة. ومداورة يقول عباس بيضون هذا المعنى نفسه، في أكثر من موقع في كتابه وبصيغ مبتكرة وصادقة. يقول في نص <على سطح نفسي>: <الألم يتوسخ بسرعة ... ... ... ويمكن مزجه بمقدار ثلثين من الكراهية المجربة والندم الخفيف.... إن الشعر يفضل تزييف الرغبة ويحتال بعقار شباب على اللغة التي قلما تحظى بانتصاب صحيح>... إنها إذاً منشطات النص هي التي يسعى إليها بيضون في مسألة الشعر الصافي، ومزج الألم بجرعات مخففة من الكراهية والندم بغية كسر حدته التي لا تطاق.وفي نص آخر بعنوان <قصيدة عرجاء> يضع الشاعر إصبعه مباشرة على موضع الجرح المؤلم في الشعر. إنه ينتقد شعر الشعر، إذا صحت العبارة، فيقول: <وضعت كثيرا من الشعر، كثيرا من الفؤاد في القصيدة، فصارت عرجاء>... وفي النص نفسه يقول: <أثقلتها (أي القصيدة) بنفسي وكان خيرا لي لو سرقتها. كان خيرا لي أن أكون لصا لا قاضيا. لا تتحرك القصيدة لأنني قصدت بها فورا الى الحقيقة. كان أحرى بي أن أدور أولاً في مدينة الملاهي... ..>.اشكالياتإن كتابات عباس بيضون بمجملها، تطرح إشكاليات في الكتابة، بمقدار ما تطرح هذه الكتابات نفسها كنصوص إبداعية: قصائد، قصص، مقالات، نصوص غير متعينة>. ذلك أنها تنطوي على ديناميكية نقدية عالية. وعلى الرغم مما تتمتع به هذه الكتابات من جريان هذياني أو غرائبي لا يخطئه العارفون، فإني غالبا ما كنت أسأل نفسي عن قدرة هذا الشاعر على الكتابة وعلى تأمل الكتابة في وقت واحد. على كتابة النص ونقضه في آن. على الدخول في صميم اللعبة والابتعاد عنها معا. إنه بلا شك كاتب يقظ، شديد التقصي، ومولد للمعاني توليدا خصبا ونادر المثال، ولكنه أيضا كاتب صعب، وتنطوي نصوصه على مقدار كبير من الغموض، ومساحات شاسعة سوداوية كافكاوية، وكأنها كتابة معذبين... إنه في نصين على الأقل من كتابه <الموت يأخذ مقاساتنا> هما: <العجوز تصل أولا> و<حشرة بلا قوائم>، يكتب كتابة المعذين هذه:<حياتي ليست أكبر من غرفة بأربعة في أربعة... لا بد أن هناك بابا لم نحسن إغلاقه. إنه شيء كعقدة المصران أو فقرة ناقصة في الظهر. ربما صوت يخرج من البطن أو حتى زحزحة كراسٍ. في النهاية، ليست أربعة في أربعة هي الحل الملائم ولا نقل حياتك إلى حجرة أخرى، وبالطبع فإن إعادة زرعها هي الأسوأ. إنك تعلق العالم في خزانتك وتجد مشاجب كافية لكنك تنسى شيئا لا بد أن يستبد بك، شيئا نسوه فيك، كمبضع الجراح بعد العملية، قادرا على تعذيبك. فحتى الزائدة الدودية يمكن أن تفكر في افتراسك، إذا لم يسع فيروس كامل الى أن يتأله عليك> (من العجوز تصل أولا).ويقول في <حشرة بلا قوائم>:.إن هذه النصوص وأمثالها لدى عباس بيضون، تضطرنا للبحث عن الشعر خلف واجهة التسمية وتحت سطح النص. ولعلها تدعونا للبحث عن الشعر لا فيه هو كنص، بل في أصله في الحياة نفسها بما فيها من ألم وقذارة وخوف وضجر، وبالطبع بما فيها من لحظات سعادة مختلسة كخلسات الكرى أو حيل اللصوص...كان الدكتور إحسان عباس يقول بفكرة عن ضرورة التغيير في أساليب الكتابة الشعرية العربية، القديمة والحديثة معا، مفادها أن <الضجر> هو الذي يفرض هذا التغيير، وأن القصيدة الحديثة (وهو لا يستثني منها قصيدة النثر) هي وليدة الضجر من القديم، وضرورة من ضرورات كسر الرتابة.إن ذلك صحيح بالطبع، ولكنه غير كاف. فالقصيدة باعتبارها مغامرة وجودية ولغوية معا، هي وليدة السأم ولكنها أيضا وقبل ذلك هي وليدة الألم. بل هي نتيجة ارتطام الإنسان بفداحة الألم ووعيه الفادح أيضا بالموت. سنلاحظ مثلا أن الغطاء الأبيض للكفن، سيغطي تحته جميع التفاصيل المرعبة للجثة وللقبر...إن نصوص <الموت يأخذ مقاساتنا> هي مراث متنوعة ابتداء من <فيلم قصير عن مي غصوب> انتهاء بقصيدة <المقص>، حيث يدخل التجريد منطقة الصورة أولا، ومن ثم منطقة التشييء بسبب الموت، وقبله بسبب الألم <كل عاطفة ستكون حجماً مزعجاً في الركبتين، إن لم تغد قرصاً أبيض>.في هذه المراثي يتجول عباس بيضون وكأنه يتجول في غابة من عظام نخرة، أو في حجرة ممتلئة بتماثيل جياكوميــتي المنــجردة، والـتي تعلو فيها المأساة مسحة مرحة وخفية من العبث بالمأساة نفسها.. مسحة الموت المرحة. والكتابات بالضرورة سردية مشـهدية، معدنية أحياناً، ولكنها كسطر واحد من الأنقاض والموتى، وجودية بامتياز.