هل ما زال الطب فن الوقاية من الأمراض وعلاجها؟ أم أنه في طريق التحول إلى أداء تقني لتوفير <الصحة> أي <الرفاهية الكاملة، الجسدية والعقلية والاجتماعية> بحسب تعريف منظمة الصحة العالمية؟ طب القرن الحادي والعشرين أصبح تدريجيا أحد محركات مشروع يتجاوز حدود مجرد علاج شخص. في دراسة نشرت في نيسان الماضي1 يشير البروفيسور أوسكار باكستين2 إلى أن نسب حالات الاضطراب في التركيز والنشاط المفرط 3 ADHD قد ارتفعت من 2 في المئة إلى 18 في المئة بين الأطفال في المدارس الأميركية في غضون بضع سنوات. والعدد الحالي للأطفال الأميركيين الذين يعانون من هذا الاضطراب يقرب من خمسة ملايين طفل. وبالتالي هذه الأرقام المقلقة تطرح أسئلة بسيطة جدا: ـ هل هي وباء وآفة مثل الكوليرا والطاعون وغير ذلك؟ـ هل هي نتيجة لإساءة استعمال التشخيص؟ـ هل هي مجرد وهم وخرافة؟ـ هل طريقة تصنيف لسلوك الناس تتفق مع معايير اجتماعية وثقافية معينة؟ منذ الستينيات من القرن الماضي تتطور البشرية نحو خضوع اجتماعي للطب أي باتجاه مشروع يعتبر أن عدم الامتثال أو التقيد بمعالم اجتماعية معينة، ذات منشأ إحصائي، هو دلالة على أن علينا التدخل طبيا للوقاية منها وعلاجها. مثل هذا المشروع يغير صورة الطبيب ليصبح <وصيا> أو <راعيا> لقطيع من الأفراد المستهلكين الأصحاء.وهذا التحول ندد به السير مايكل عطية (Michael Attiyah)وهو عالم فيزياء بارز من أصل لبناني ورئيس <الجمعية الملكية> (Royal Society of London) المرموقة في لندن، في خطاب ألقاه في 30/11/1995 قال فيه: <في عالم اليوم، هناك خطر من أن تفقد الأوساط العلمية هويتها ورسالتها في الوقت نفسه. فقد زادت صعوبة تمييز الأخلاقيات الضابطة للعلم. واعتبارا من اليوم نشأت شراكة كاملة بين العلم ورأس المال>. ففي عالم أصبحت تسيطر عليه العقلانية الاقتصادية والمردود الاقتصادي للسوق، لم يعد مفهوم الأخلاق يحيل إلا إلى قيم الصفقات.ويمكن ملاحظة هذا الاتجاه في مجال الطب النفسي الذي يملك ملامح خاصة في إطار الطب. فالتقييم الكمي لتكلفة ونتائج الإجراءات الطبية تملك بالتأكيد صفة العالمية. والأبحاث في هذا المجال تقوم على فكرة أن الطابع العام للإنسان يكمن في ثوابته البيولوجية وفي أدائه النفسي. وتؤكد هذه الفرضية دراسات تظهر الطابع العالمي لبعض الأنظمة ذات الدور النفسي. لكن المفارقة، أن مشروع الطب النفسي، ليس ذا طابع عالمي. فالمظاهر النفسية تكمن في موقف وسيط بين الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه. لكننا نعرف أن <مصالح> الفرد ومصالح المجموعة الاجتماعية التي ينتمي إليها قد تتضارب. والطب النفسي هو الحيز الطبي المميز حيث يتجلى، بأفضل صوره، البعد الاجتماعي للمرض. والمشروع النفسي لا يمكن بناؤه إلا في مجتمع معين يكون هذا المشروع متجذرا في ثقافته. فالعلاقة إذاً بين الطب النفسي والسياسة النفسية هي علاقة بنيوية.وهذه هي المشكلة في الوقت الراهن من عولمة الطب النفسي الأميركي من خلال نهج <تحقيقات التقصي> وفقا لقوائم الدليل الرابع لتشخيص وإحصاء الاضطرابات العقلية IV ـ DSM الذي أصبح، على مر السنين، كتابا عالميا مقدسا عن هذا الموضوع. ومن الصعب في كثير من الأحيان، منذ النشأة، أن نبين أن مشروع الطب النفسي في أميركا الشمالية ليس هو ذاته على الجانب الآخر من الأطلسي. وقد ظهــر الطــب النفسـي الأوروبـي مع فيليـب بينيل Philippe Pinel (1742ـ 1826) الذي كان أول طبيب يدخل بيمارستان لمرضى الأمراض العقلية (La Salpetriere) ويكسر السلاسل التي كانت تقيد المرضى كأنهم أشياء. وهذه الحركة شكلت بداية ظهور مفهوم <الذات>، بمفهوم الحداثة لها، والمشروع الأوروبي للأمراض النفسية. هذا المشروع يعتبر أن المريض عقليا يبقى شخصا كاملا، وبأن مرضه يعود إلى اضطراب يمكن للطبيب علاجه بعقلانية من خلال محاولة التواصل مع هذا <الآخر>. ويقوم هذا المشروع على مفهومين أساسيين: ـ الجنون هو جنون الفرد ويعود إليه وحده. والمجنون لا يجرد من شخصيته. ـ المجنون هو مواطن كامل.في المقابل ولد المشروع النفسي الانغلوساكسوني في ظروف مختلفة جدا. ولم يكن البادئ به طبيبا وإنما تاجر ثري، يدين بطائفة الكواكير Quacker ويدعى وليم توك (William Tuke). وهو أنشأ في العام 1796 مؤسسة خيرية، the Retreat، كمأوى للمرضى عقليا من محيطه. وكان استقبال المرضى قائما على <العلاج الأخلاقي>، أي مجموعة من القيم الأخلاقية والدينية المتشددة والبورجوازية في إطار هيكل أسري يعامل المريض كطفل. وبالتالي لم يقدم هذا الملجأ نفسه كمؤسسة طبية. كما لم تعط أي أهمية لتطور المرض. وفلسفة هذه المؤسسة كانت تختلف اختلافا جذريا عن فلسفة <لا سالبيتريير>، وتوجهها اجتماعي أكثر منه طبيا. ومنذ ذلك الحين، لا تزال المدرسة الأميركية للطب النفسي متأثرة بهذه الثوابت الخاصة بثقافتها حيث نجد الليبرالية الانغلوساكسونية؛ والتزمت البروتستانتي وروح الخضوع والمطابقة فيه؛ والبراغماتية والتجريبية والنتائج المترتبة عليها؛ بمعنى آخر الرؤية السلوكية الخالصة في علم النفس والنزعة إلى إعادة بناء الواقع بالاستناد إلى الإحصائيات. على هذا الأساس ينبغي فهم النقاش الجاري حاليا بين الطب النفسي المعاصر والتحليل النفسي. حيث إن الأول يرتكز على نظريات علوم الأعصاب الأميركية الحديثة neuro ـ sciences التي لا ترى من الإنسان إلا مجموعة منظمة من الجزئيات العضوية. والتحليل النفسي لا يزال نظرية، ومزاعمه متواضعة. ولكن، بالرغم من أوجه القصور فيه والدوغماتية، يبقى اليوم التحليل النفسي الملجأ الأخير لمفهوم الذات على الأقل في مجال الطب. أما الطب النفسي المعاصر المستند إلى دراسة الجهاز العصبي فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يطرح رؤية حول الذات البشرية. فهو يعيد كل دقائق الروح البشرية إلى مجموعة من الروابط الكيميائية بين الخلايا العصبية. وبذلك يكتسب الفكر الإنساني الوضعية نفسها كأي إفراز من إفرازات الجسم، كاللعاب، والمخاط، والبول وغير ذلك. في ظل هذه الظروف التي تتبنى <الفلسفة الطبيعية> لا يمكن للحديث عن الأخلاق أن يشير إلى مفهوم <القيم>، بل إلى حقائق مادية وبيولوجية. وفي هذه الحال، باسم ماذا يكون الإنسان أكثر قيمة من طيور السماء أو زهور الحقول؟د. أنطوان قربانأستاذ تاريخ وفلسفة العلوم الطبية ورئيس قسم الثقافة العامة ومدير مختبر علم التشريح في جامعة القديس يوسف ـ بيروت 1 Newsletter April 2008. Attention Deficit Hyperactivity Disorder, [email protected] 2 Pittsburg School of Medicine3 Attention Deficit Hyperactivity Disorder