لم يطُل النقاش: المدرسة خارج حوار الفواتير والميزانيات السنوية. بعبارة واحدة أنهى الرجل الكلام مع زوجته التي اقترحت نقل ابنهما من المدرسة الخاصة، المشهود لها بمستواها التعليمي، إلى مدرسة تكون أقساطها أرحم بكدّهما: <نبقى بلا أكل وشرب ولا نغيّر المدرسة!>. هذه، في نظره، أولوية مطلقة لا فصال فيها، كالمغذّي من الطعام. لكن الأب تراجع في منحى آخر. صار أكثر شجاعة أمام بعض طلبات الصبي: <يا بابا الملاهي اليوم مقفلة (تلك الكذبة الحنون)، نذهب في عطلة نهاية الأسبوع (التي تصادف مطلع الشهر والراتب)... لا نستطيع الآن شراء دراجة جديدة، عيد ميلادك بعد ثلاثة أشهر ويحلّها حينذاك ألف حلال...>. لكنه يظل يحار جواباً أمام سؤال لا ينكر وجاهته: <طيب ليش بتضلكم بالشغل كل النهار؟>. يؤثر رب العائلة عدم ذكر اسمه والكنية. فهذا اليومي من الاقتصاد ليس راية تُشهر في الإعلام. بالضبط لأنه يتفاقم عسراً، ولأن هذه الطبقة ما زالت تعيش على تركة أسلافها الذين شكّلوا، ذات جيل، نسيج كل ما رمز إليه لبنان يوماً من انفتاح وحراك ثقافي و<شطارة>. الزوجة سكرتيرة في مؤسسة خاصة، وهو مدير شركة سياحة، والإثنان حائزان على شهادة جامعية. لهما ابن في الصف الابتدائي الأول، وطفلة لم تتم من عمرها عامين. قسط المدرسة يناهز الخمسة ملايين ونصف المليون ليرة، من دون احتساب المصاريف الجانبية من قرطاسية و<مراييل> الخ، والتي تصل سنوياً إلى مليون ليرة. كما أن عمل الأبوين يستلزم الاستعانة بـ<حاضنة> نهارية للصغيرة، تضيف 220 دولاراً على المصاريف الشهرية. إيجار المنزل أربعة آلاف دولار في السنة. التأمين الصحي، والطبيب ـ صديق العائلة، عنصران يتكفّلان بنَفَس الصعداء من هذه الناحية على الأقل، <وإلا كنا أكلناها، فقد بذلنا جهداً استثنائياً هذا العام لنشتري ثياب الأولاد من المحلات التي اعتدنا عليها. اضطررنا، رغم التنزيلات، إلى استخدام بطاقة الائتمان، وهذه في النهاية مبالغ مُستدانة سنسددها بالتقسيط>. الحذاء الطبي وحده، لآخر العنقود، بمئة وأربعة آلاف ليرة. النوع الطبي ليس من كماليات العائلة الحريصة. لكن حذاء واحداً يكفي الآن.منذ حرب تموز ,2006 ألغت العائلة الصغيرة من قاموسها مفردة الادخار، خصوصاً فكرة فتح حساب توفير كان ليعد بتغطية نفقات الجامعة للأولاد عندما يحين الوقت. صارت الاستمرارية هي المعركة، وقودها القروض المصرفية الشخصية والسُّلَف المتتالية على الراتب تدوّن في دفاتر أرباب العمل. لكن <الاستثمار> ما زال يمر في قنوات غير منظورة: في مشوارين أو ثلاثة كل عام إلى كل معرض الكتاب، حيث يشتري الابن كتباً ينكب عليها بنهم، ويفرد لها بفخر مكاناً بين ألعابه التي لم تعد تتكاثر على النحو المعهود. و<استثمار> أيضاً هي الدورات التعليمية التي يقسم الزوج أنه سيغطيها لزوجته، ولو اضطر إلى بيع السيارة، <لأنها إذا طوّرت نفسها، فستتطور كذلك في وظيفتها وشخصيتها، وإذا كنت أنا غير قادر على تحقيق هذا في عملي، فلم لا تحققه هي؟ سينعكس ذلك على العائلة كلها>. أما التقنين، فيطال الأحلام: الحلم ببيت ملك ولو كان إرث الذرية الوحيد، الحلم بتسجيل الولدين ـ وليس أحدهما ـ في الجامعة الأميركية يوماً ما، <العشم> بالأمان عند التفكير في ساعة التقاعد...<يقولون لي بيتك في منطقة الحمراء، وابنك يتحدث الإنكليزية والفرنسية، وبتنق؟ طيب أليس من أبسط حقوق أولادي، إذا كنت وأمهم نعمل من الصباح إلى المساء، أن يتعلموا ويأكلوا ويلبسوا بشكل جيد؟ ثم إن المكان ليس تفصيلاً. يمكننا الاستئجار في حي أرخص، لكننا تربينا في هذه المنطقة، وهنا الفرصة الأخيرة ليكتسب أولادي عقلاً مدنياً، وهذا لن يكون في الأشرفية أو الضاحية أو الطريق الجديدة، هذا مهم جداً بالنسبة إلينا، أمل يستحق التضحية>. وإذا كان لا بد من أن يغادر الرجل، فسفراً إلى الخارج. لقد أخذت سيرته الذاتية طريقها فعلاً، عبر بريده الإلكتروني، في اتجاهات مختلفة. ها هو يعدل جلسته قبل أن يطرّي الجو بمزحة: نداء إلى الأونيسكو لتعلن رأس بيروت <محمية لبنانية>!هذه عيّنة مما تبقى من الطبقة الوسطى، ما زال بعضها خارج اقتصاد الطوائف ومرمى أسلحتها الظاهرة والخفية. ربما ليسوا الغالبية، لكنهم يعاندون الشحّ بالإصرار على ما له معنى في الحياة، في بيروت.