قضية التنمية وقضية حقوق الانسان، كلاهما أصبحا من أهم القضايا التي تشغل الحكومات والشعوب على حد سواء في دول العالم الثالث، وكذلك على المستوى الدولي والمؤسسات الدولية بما فيها المنظمة الدولية »الأمم المتحدة«. وذلك لتعثر معظم برامج التنمية في دول العالم الثالث، ولتردي حالة حقوق الانسان أيضا في معظم هذه البلاد. وفي الواقع إن قضية حقوق الانسان، شأنها شأن قضية التنمية، أصبحت مجال اهتمام كبير لكل حكومات العالم الثالث وأيضا للمجتمع الدولي بما فيه الدول الصناعية التي تعتبر الى حد كبير مسؤولة عمّا وصلت اليه الاوضاع في العالم الثالث. وينص الاعلان العالمي للحق في التنمية (1986)، ولأول مرة، على تعريف لمفهوم التنمية بصفتها مسارا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا شاملا يهدف الى النهوض المطرد برفاهة كل الناس بالاعتماد على مشاركتهم الفعلية والحرة. ويؤكد الاعلان على ان كل الجوانب المتعلقة بالتنمية مترابطة وبالتالي أصبحت حقا وجزءا لا يتجزأ من منظومة حقوق الانسان العالمية. وتعتبر المنظمات غير الحكومية آلية أساسية لتفعيل المشاركة الشعبية في التنمية، وقد تصاعدت أهمية هذه المنظمات في عملية التنمية بعد فشل تجارب وخبرات التنمية التي استندت الى بناء علوي تمثل في أيديولوجية للتنمية تفرض من أعلى الى أسفل وغابت عنها المشاركة الشعبية. وتتميز المنظمات الحكومية بقدرتها على التعامل مع الفئات المهمّشة من ناحية وكسر مركزية الدولة من جهة اخرى. وهناك الآن اهتمام عالمي من جانب المؤسسات العالمية للتأكيد على الدور الفاعل لهذه المنظمات، والتي تقع ما بين الدولة والسوق بآلياته، وبالتالي يكون لها دور هام في تخفيض حدة التوترات الاجتماعية وادارة الصراعات الاجتماعية بأدوات للضبط الاجتماعي. ويعتبر الحق في تكوين الجمعيات من الحقوق التي تؤثر تأثيرا مباشرا على قضية المشاركة، باعتبارها من الحقوق الضرورية لتقوم المنظمات غير الحكومية بدورها بكفاءة وتفسح لها مجال الإبداع. معوقات التنمية في الوطن العربي أولا الفقر: الفقر عائق أمام التنمية كما انه يتعارض مع حقوق الانسان، والقضاء على الفقر هدف أساسي من أهداف التنمية، كما ان تحرير الانسان من الفقر والعوز هو حق من حقوق الانسان الاقتصادية، وهو يؤثر أيضا على الحقوق السياسية والمدنية، لأن من لا يجد قوته يصعب ان يطالب بحرية التعبير وبقية حقوقه السياسية لأن تفكيره واهتمامه كله سيكون منصرفا الى توفير لقمة العيش. والخطير في قضية الفقر انه في تزايد مخيف، وقد صرّح اسماعيل سراج الدين نائب مدير البنك الدولي في حديث نشرته مجلة »نيوزويك« (أغسطس/ آب 1998) انه يوجد في العالم حاليا 840 مليون نسمة يعانون من الجوع، 2 بليون آخرون يعانون من سوء التغذية، وينبّه الى ان هذه الأرقام ستكون في زيادة مطردة. والتحرر من الفقر لن يكون الا باقتلاع جذوره وبالتالي لا بد ان يوضع ذلك كهدف أساسي للتنمية، مطلوب تحقيقه كهدف قومي، وباعتباره أحد مظاهر التخلف الاقتصادي التي يتحتم الخلاص منها. لكن كثيرا من دول العالم الثالث تتجاهل وجود الفقر على رغم انتشاره، وتعتبر الاعلان عنه اتهاما موجّها لحكوماتها، وبالتالي لا تجرى الدراسات الكافية حول هذه الظاهرة ودينامية انتشارها التي تساعد على توريث الفقر عبر الأجيال. واقتلاع الفقر وتحرر الأفراد منه يتطلب تضافر كل الجهود، الحكومات والمجتمعات المدنية والمجتمع الدولي كذلك، من أجل شن هجوم على هذه الظاهرة، خصوصا ان العالم لديه أكثر مما يكفي من الموارد لاستئصال شأفة أسوأ أشكال الفقر في كوكب الارض. ثانيا الفساد: لقد زاد حجم الفساد في الوطن العربي وتشابكت حلقاته وترابطت آلياته بدرجة كبيرة مما يعتبر من أهم العوائق أمام برامج التنمية. ولا شك في أن حجم الفساد اذا زاد عن حد معين فإنه يؤثر سلبا في مناخ الاستثمار حيث تزيد تكلفة المشاريع ونقل التقنية وتطويرها، علاوة على الوقت الذي يضيع على المستثمر سواء كان استثمارا محليا او أجنبيا. وقد وضع البنك الدولي تعريفا للأنشطة التي تندرج تحت تعريف الفساد بأنها »إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص«. ويدخل تحت هذا التعريف الرشوة والعمولة لتسهيل عقد الصفقات وهو ما يُسمى في منطقتنا العربية »بالبرطيل«. كما توجد أيضا الرشوة المقنّعة او العينية سواء في شكل وضع اليد على المال العام او الحصول على مواقع متقدمة للأبناء والاصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي وفي قطاع الأعمال العام والخاص. وعلى رغم خطورة هذا النوع من الفساد وانتشاره في الوطن العربي بشكل مخيف الا انه يمكن تسميته بالفساد الصغير بجانب ما يمكن تسميته بالفساد الكبير المرتبط بالصفقات الكبرى في المقاولات وتجارة السلاح والحصول على التوكيلات التجارية للشركات الدولية الكبرى متعددة الجنسية. ولا يقتصر ضرر هذا الفساد على كمية الاموال المدفوعة في شكل رشاوى وعمولات، لكن تعدى ذلك الى تراجع قيمة العمل وأصبح تقييم الشخص بما يملك وليس بما يعمل، بغض النظر عن مصدر هذه الملكية كما سادت حالة ذهنية في المجتمعات العربية تبرر الفساد ونجد له من الذرائع ما يبرر استمراره واتساع نطاق مفعوله في الحياة اليومية، إذ نجد ان »الرشوة« و»العمولة« و»السمسرة« أخذت تشكل تدريجا مقومات نظام الحوافز الجديد. وأصبحت الدخول الخفية الناجمة عن الفساد والافساد هي الدخول الأساسية التي تفوق في كثير من الاحيان »الدخول الاسمية« الناتجة عن العمل. وفي غمار هذا كله يفقد القانون هيبته في المجتمع لأن المفسدين يملكون تعطيل القانون وقتل القرارات التنظيمية في مهدها. ولعلاج هذه الظاهرة لا بد من دراسة الاسباب والآليات التي تساعد على إعادة »انتاج الفساد« في مرافق ومناحي الحياة كافة. فمثلا في بعض المجتمعات العربية توجد فجوة كبيرة بين الأجر او المرتب وتكلفة المعيشة مما يجبر الموظف العام إما على القيام بعمل آخر، ويكون ذلك على حساب عمله، وإما الاتجاه الى طريق غير شريف. وبالتالي لا بد من إصلاح هيكل الاجور والرواتب لتحصين الموظف العام ضد الرشوة والفساد. ومن أهم أسباب تفشي الفساد واستفحاله، غياب المحاسبة وكما يقول المثل العامي »المال السايب يعلّم السرقة«. والمحاسبة هنا تأتي في المقام الاول من الصحافة وإطلاق حرية الرأي والتعبير كما تأتي من المجالس المنتخبة سواء النيابية او المحلية وكذلك المجتمع المدني سواء الجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو النقابات والاتحادات والاحزاب التي تراقب الأداء الحكومي كل في اختصاصه. وذلك كله بالإضافة الى اجهزة الرقابة الرسمية مثل الجهاز المركزي للمحاسبات، والرقابة الادارية الخ... وبطبيعة الحال انه كلما تعززت الديمقراطية واحترام حقوق الانسان كلما أصبحت هذه المؤسسات اكثر فعالية في المحاسبة وأداء دورها. وفي ظل غياب الديمقراطية واحترام حقوق الانسان يتلاشى هذا الدور تماما. ثالثا الاحتلال والحصار: ينفرد الوطن العربي بظاهرة فريدة تؤثر تأثيرا خطيرا على حقوق الانسان والتنمية وذلك في الاراضي المحتلة من الوطن العربي في جنوب لبنان والجولان وما يترتب على ذلك من زيادة أعباء الدفاع ونزوح العديد من مواطني هذه المناطق الى خارجها بسبب هذا الاحتلال وما يترتب على بناء المستوطنات وتغيير في ديمغرافية الارض الامر الذي يؤثر على برامج التنمية ليس في المناطق المحتلة وحدها، لكن في هذه الدول التي يشكل الاحتلال نفسه عبئا على الاقتصاد الوطني. اما في فلسطين حيث الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، فتعاني التنمية هناك من سياسات تمييزية شديدة في ما يتعلق باستخدام الموارد الطبيعية من مصادرة الاراضي وتقييد استخدام المياه ومستلزمات الانتاج في ظل السياسات الاستيطانية التي تستهدف إحلال المستوطنين الاسرائيليين محل المواطنين الفلسطينيين، وقد أثرت هذه السياسات تأثيرات بالغة الخطورة على قدرة الشعب الفلسطيني على التنمية. وضاعف من حدة المشكلة السياسات التسويقية التي تفرضها السلطة الاسرائيلية، وتعدد التدابير الأمنية التي تفرضها سلطات الاحتلال الاسرائيلية على حركة السلع والاشخاص والعمل داخل مناطق الخط الأخضر، وفرض أشكال متنوعة من الحصار على الشعب الفلسطيني مما يعرقل العمليات الانتاجية ويزيد من اضطراب مصادر الدخل ويفضي أحيانا الى إتلاف الحاصلات المعدّة للتصدير. رابعا غياب الديمقراطية: اذا كانت المشاركة الشعبية هي شرط أساس للتنمية المستدامة فتعتبر الديمقراطية شرط أساس لعملية المشاركة، وتواجه قضية المشاركة على مستوييها الكلي والجزئي عقبات عديدة على الساحة العربية بعضها قانوني وبعضها سياسي وبعضها اجتماعي ثقافي، ولا تكاد تختلف في ذلك النظم الملكية او الجمهورية، الراديكالية او المحافظة. وتفضي مجمل الممارسة الى إقصاء وتهميش العديد من الفئات الاجتماعية والسياسية وتأتي في مقدمتها المرأة. واذا كان من المعترف به ان الجمعيات الاهلية تلعب دورا هاما في قضية المشاركة في عملية التنمية، فما زالت هذه الجمعيات تواجه صعوبات عديدة نتيجة هيمنة الدولة وان بدرجات متفاوتة على هذه الجمعيات حيث تتجه القوانين السائدة لإعطاء جهة الادارة حق رفض تسجيل الجمعيات الاهلية والإشراف على نشاطها والتدخل في شؤونها او حلها وتحديد ميادين العمل وحظرها في بعض المجالات. وعلى رغم اتجاه الدولة في وطننا العربي الى الخصخصة والاندماج في اقتصاد السوق والذهاب بعيدا في مجال الليبرالية الاقتصادية الا ان ذلك لم يواكبه لبرالية في المجالات السياسية، فما زالت القيود على مؤسسات المجتمع المدني شديدة. خامسا تهميش المرأة: من عوائق التنمية التمييز ضد المرأة وحرمانها من المشاركة مشاركة كاملة وحقيقية في التنمية، وبذلك يحرم نصف المجتمع من أداء دوره في التنمية. ومن الغريب حقاً ونحن على أبواب ألفية جديدة ان تعلوا أصوات تدعو الى بقاء المرأة في بيتها، والا تختلط بالرجال في بيئتها، ولا تباشر من الاعمال الا ما يعتقدون انه ملائم لطبيعتها. وعلى رغم تفاوت هذه النظرة الدونية للمرأة في بلداننا العربية، فان المرأة لم تأخذ مكانتها في أي من هذه البلدان وما زال التمييز ضدها اما بالقانون او بتأصل نظرة المجتمع الدونية لها. وهناك مجتمعات في وطننا العربي تضيّق من دائرة نشاط المرأة حتى كاد ان ينعدم هذا النشاط وتحرمها من كثير من حقوقها حتى حق قيادة سيارة، وكل ذلك باسم الاسلام، والاسلام منه براء. فقد وُلّيت المرأة في عهد عمر بن الخطاب على »حسبة السوق« والحسبة في نظر الفقهاء هي فرع من فروع القضاء في الوقت الذي ما زالت فيه المرأة تحرم من حقها في ان تكون قاضية في بلد مثل مصر. وقد كانت المرأة في العهد المدني النبوي جزءا لا يتجزأ من المجتمع، تشارك الرجل في جميع مرافق الحياة الاجتماعية. وكانت تمارس الحرب الحقيقية شأنها شأن الرجل وبرز منهن كثيرات في هذا المجال. وعلى رغم تنبه بعض الحكومات الآن الى أهمية إعطاء المرأة حقوقها السياسية في ان تنتخب وتُنتخب على سبيل المثال الا ان المجتمعات نفسها ترفض او تعمق ذلك حتى المرأة نفسها لا تنتخب المرأة. ففي الكويت صدر أمر أميري بإعطاء المرأة حقوقها السياسية ورأينا مقاومة شديدة من المجتمع هناك، ومن قبلها الاردن حيث كانت هناك حملة شعبية واسعة ضد النائبة الوحيدة حتى تمّ إسقاطها. ومن أجل ذلك لا بد من العمل على تمكين المرأة من ان تأخذ حقوقها فلم تعد القوانين وحدها كافية وانما أصبحت هذه مهمة على المجتمع نساء ورجالا ان يعملوا على تحقيقها. وليس صدفة ان البلاد التي تحرم المرأة من حقوقها هي أكثر البلاد تخلفا في مجال التنمية. سادسا مستوى التعليم والتقانة: يعتبر التعليم اكثر الحقوق تأثيرا في إعمال باقي حقوق الانسان، فهو حق في حد ذاته، كما انه وسيلة لتحقيق الحقوق الاخرى، وهو الوسيلة العملية لإنطلاق الفئات المهمشة من إطار الفقر والجهل للمساهمة الفعالة في الحياة الوطنية، ويتجاوز تأثيره حدود الحاضر والمستقبل وبذلك فهو وسيلة مضمونة للاستثمار المستقبلي من جانب الحكومات للموارد المتاحة، والتنافس في استخدامها في إطار المنافسة الاقتصادية العالمية. وعلى رغم الانجازات العديدة التي حققتها البلدان العربية في هذا المجال الا ان التعليم ما زال متخلّفا بصفة عامة في جميع هذه البلدان بالمقارنة بباقي دول العالم. من مظاهر هذا التخلف تفشي الأمية والتي بلغت نسبتها في الوطن العربي في منتصف التسعينيات نحو 45$ ومعنى ذلك ان الدول العربية ستدخل القرن الحادي والعشرين وهي مثقلة بنحو 70 مليون أمي غالبيتهم من النساء. ويوجد ايضا تخلف كبير في مجال التقانة حيث لا تزال جهود البحث والتطوير في معظم البلدان العربية ضئيلة جدا مقارنة بالدول المماثلة لها في الدخل وعدد السكان. ولا يزال معظم البلدان العربية يعتمد على استيراد التكنولوجيا الجاهزة بل وما زالت بلداننا عاجزة عن صيانة التكنولوجيا المستوردة، وتعتمد في ذلك على عقود الشركات الموردة. الخلاصة: على رغم التقدم الكبير الذي أحرزه العالم والمجتمع الدولي في وضع إطار مفاهيمي للتنمية كحق من حقوق الانسان، وشمولية مفهوم التنمية حتى انها أصبحت تعني تمكين الانسان من الحصول على كافة حقوقه، الا انه للأسف لم يواكب هذا التطور في المفهوم تطور مماثل في السياسات الوطنية او الدولية، فاستمرت معظم الدول النامية ومنها الدول العربية في اتباع سياسات تنموية تعطي أولوية لاعتبارات النمو الاقتصادي ان استطاعت وتخضع لإملاءات الضغوط السائدة في كل الاحوال، كما استمرت السياسات الدولية في تكريس هيكل علاقات يفضي الى المركزية ويعزّز اللامساواة. لم يعد هناك مفر ونحن على أبواب قرن، بل ألفية جديدة وعصر جديد، عصر ثورة التكنولوجيا وثورة الاتصال وثورة المعلومات، الا ان نستوعب التنمية الشاملة بمفهومها الجديد وعلينا، أولا: احترام حقوق الانسان احتراما كاملا باعتبار ان الانسان هو غاية التنمية ووسيلتها وان ندرك تماما ان التنمية التي تتم في غياب احترام حقوق الانسان هي تنمية مشوّهة لا يستفيد منها المجتمع الاستفادة الكاملة. ثانيا: لقد أصبحنا في عالم لم يعد فيه مكان للكيانات الصغيرة ولم يعد أمامنا الا ان نتبنى مفهوما قوميا للتنمية وان نواجه تحديات العصر عصر العولمة، وقد أصبحنا كيانا كبيرا. اما الاعتماد على ما تقدمه الدول المتقدمة وحدها فلن يخرجنا من دائرة التخلف وسنبقى في موقف متلقي المعونة بصفة دائمة اذا لم نعتمد على تفاعل الامكانات العربية. ثالثا: علينا ان نعتمد خطة قومية للبحث العلمي حتى ندخل بحق في عصر العلم والتكنولوجيا، فلم تعد أهمية الأمم تقاس بما تملك او لا تملك بقدر ما أصبحت تُقاس بقدر ما تعرف وما لا تعرف. (مقتطف من (محاضرة أُلقيت في مؤسسة جوزف ولور مغيزل) (*) الأمين العام للمنظمة العربية لحقوق الانسان. محمد فائق *