يطل عيد العمال للسنة الثالثة على التوالي، في ظل ضائقة اقتصادية ومعيشية شديدة تعاني منها مختلف الشرائح الاجتماعية العاملة في لبنان، نتيجة الأزمة السياسية والأمنية المستمرة منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هذه الأزمة انعكست شللاً في الدورة الاقتصادية بشكل عام، وأدت موجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً ومحلياً، كالنفط والمواد الغذائية، إلى زيادة الأعباء المادية على العمال وقلصت قدراتهم الشرائية بأكثر من 20 في المئة خلال العام الماضي ومطلع هذا العام، من دون أن يعوّض عليهم بأي زيادة في المردود المادي. لم تقتصر تداعيات هذه الأزمة المعيشية على أصحاب الدخل المحدود، بل تعدّتها لتطال ما تبقى من شرائح اجتماعية مصنفة كطبقة وسطى، لا سيما العاملين في المهن الحرة، كالأطباء والمحامين والصيادلة وبنسبة أقل المهندسين. لا شك في أن العديد من هذه المهن كانت تعاني قبل الأزمة السياسية، نتيجة التخمة في أعداد العاملين فيها وغياب التنظيم في النقابات، مما جعل نصف أعدادهم يعيش بطالة مقنعة. لكن انعكاس الأزمة على مردود العاملين في هذه القطاعات كان بالغاً وتعدّت نسبته للصيادلة والأطباء والمحامين الـ35 في المئة، منذ ثلاث سنوات تقريباً. وحدهم المهندسون نجوا من مضاعفات الأزمة الاقتصادية، بحيث امتصت الدول النفطية في المنطقة، لا سيما الخليج، الآثار الجانبية لشلل الاقتصاد اللبناني، مستقطبة نصف أعداد المهندسين المسجلين في النقابة، أي ما يقارب 12 ألف مهندس لبناني، منذ 3 سنوات، خصوصاً بعد حرب تموز .2006 ينبغي هنا التوقف عند الآثار الجانبية المضاعفة لتراجع المردود المادي على العاملين في حقول المحاماة والطب والصيدلة. فبعيداً عن فقدان مستوى الرفاهية المعتاد كباقي أفراد المجتمع، يخسر المحامي والطبيب فرصة التطور المهني لعدم قدرته على حضور مؤتمرات وندوات متخصصة في الخارج، وبالتالي يتراجع مستوى الخدمات المقدمة للزبائن. الأطباء يجسد وضع الطبيب اللبناني في الفترة الأخيرة تراجع أحوال الطبقة الوسطى في البلد، وهو ما حصل مع موظفي الدولة في فترة الثمانينيات حين ارتفعت قيمة الدولار بشكل حاد وتقلصت القدرة الشرائية لشريحة واسعة من العاملين في القطاع العام. لقد وصل نصف الأطباء اللبنانيين إلى الحافة الفاصلة بين الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا اجتماعياً، حسب أحدث الدراسات المتوافرة لدى نقابة الأطباء في بيروت. ويستحوذ 20 في المئة من الأطباء على 77.1 في المئة من مدخول القطاع، بينما يكتفي 80 في المئة أطباء لبنان بالـ9,22 في المئة من المردود المتبقي. ويستأثر الجراحون وأطباء النساء على 31.2 في المئة من إجمالي المدخول، و5,9? لأطباء العظم و7,7? لأطباء القلب و8,5? لأطباء البنج، وهؤلاء جميعاً لا يشكلون أكثر من 54 في المئة من مجموع الأطباء. وقد تم شطب 420 طبيباً من النقابة خلال سنة، نتيجة تلكئهم عن دفع اشتراكاتهم البالغة 450 ألف ليرة للأطباء المتخصصين و350 ألفاً للأطباء غير المتخصصين، لأكثر من سنتين. يؤكد نقيب الأطباء في بيروت جورج أفتيموس أن جزءاً من هؤلاء غير متواجد على الأراضي اللبنانية، علماً أن النقابة لم تشطب الأطباء إلا بعد مضي 3 سنوات على تلكئهم عن الدفع. ويقدر أفتيموس عدد الأطباء الذين هاجروا خلال سنة بحوالى 800 طبيب، بينهم أسماء مارست المهنة لفترة طويلة في لبنان. تجدر الإشارة إلى أن نقابة بيروت تضم 9500 طبيب مسجل، بالإضافة إلى 1300 طبيب في نقابة الشمال. وتعاني مهنة الطب قبل الأزمة السياسية بسبب التخمة في أعداد العاملين، حيث يتواجد طبيب لكل 300 مواطن في لبنان، ويتم تخريج ما بين 400 و500 طبيب سنوياً. <هناك مشكلة مزمنة وحادة في قطاع الطب في لبنان> يقول الدكتور علي زيتون، ويركز على ملف المستوصفات التي يلجأ إليها المواطنون لتوفير الكلفة الصحية، من دون وجود سياسة جدية ترعى عملها. كما أن تعرفة معاينة الطبيب لدى الضمان مازالت دون تغيير منذ ,1996 عند 30 ألف ليرة للأطباء المتخصصين. المهندسون بعد سنوات عجاف مرّت على المهندس اللبناني، لا سيما مطلع القرن الحالي، انتعش عمل القطاع من جديد، نتيجة الفورة النفطية والعمرانية في الدول النفطية، بما فيها الخليج والمغرب العربيان والسودان ونيجيريا. فبعد أن عاش نصف المهندسين اللبنانيين بطالة حقيقية لسنوات، أصبحت الوظائف اليوم بمتناول المهندس قبل تخرجه. <هناك عشرات طلبات التوظيف تصل أسبوعياً إلى النقابة> يعلق نقيب المهندسين في بيروت بلال العلايلي على حالة الانتعاش الذي يعيشها القطاع حالياً. ويوضح أن شركات الهندسة توظف اليوم طلاب السنة الرابعة من مختلف كليات الهندسة اللبنانية، لافتاً إلى أن معدل مدخول المهندس في لبنان يصل إلى 2500 دولار تقريباً. يتواجد حوالى 32 ألف مهندس في لبنان، بينهم 24 ألفاً يسددون اشتراكاتهم للنقابة، فيما شطب 3300 مهندس من الجدول، لعدم تسديدهم الاشتراكات خلال ثلاث سنوات، <وهم هجروا البلد نهائياً، أو انقطعوا عنه لفترة>، حسب العلايلي. من اللافت أيضاً أن راتب المهندس المبتدئ ارتفع من 700 إلى 1200 دولار مؤخراً، بسبب الطلب المرتفع خارجياً على المهندسين اللبنانيين، مما يضطر الشركات العاملة في لبنان إلى زيادة عروضها المادية لاستقطاب المتخرجين، علماً أن أعداد هؤلاء لم يتراجع بتاتاً في السنوات الأخيرة، ويقدر بحدود 1200 متخرج سنوياً. أما التخوف الحقيقي حسب العلايلي، فيكمن بتراجع فورة البناء في المدى المتوسط، مما يعني عودة حوالى 12 ألف مهندس إلى لبنان، وعدم قدرة السوق المحلية على استيعابهم. ويقول العلايلي إنه ينبغي تنظيم أعداد المهندسين المتخرجين والتركيز على الاختصاصات داخل فروع الهندسة المتعددة. المحامون يرتبط جزء هام من مهنة المحاماة بقطاع الخدمات والتجارة، وبالتالي فإن الانكماش الاقتصادي يصيب القطاع في صميمه. ويقول نقيب المحامين في لبنان رمزي جريج إن الأزمة السياسية ترافقت مع شلل في عمل المؤسسات الدستورية، ولاسيما القضاء، بسبب تجميد التشكيلات القضائية منذ فترة وعدم ملء العديد من المراكز، <وإذا علمنا أن هناك قضاة كباراً سوف يحالون قريباً إلى التقاعد، دون أن يكون بالإمكان تعيين بديلاً لهم، أدركنا حجم المشكلة التي تزداد حدتها يوماً بعد يوم>. أما على صعيد مداخيل المحامين، فيشير جريج إلى أنها متفاوتة بين قلة لا تزال مداخيلها مرضية أو مقبولة وكثرة من المحامين لا تصل مداخيلها إلى مستوى الجهود التي يبذلونها. تضم نقابة المحامين 6700 عضو مقيد يدفعون اشتراكاتهم، بالإضافة إلى 1160 محامياً متدرجاً، علماً أن عدد المحامين اللبنانيين بحسب محامي الاستئناف والناشط في الحقل العام فؤاد شبقلو يصل إلى 14 ألفاً، أي أن نصف المحامين لا يدفعون اشتراكاتهم. وهو يقدر تراجع مردود مكاتب المحاماة بنسبة لا تقل عن 50 في المئة طوال فترة الأزمة، بسبب هجرة الوكالات الأجنبية. <المحامون يستفيدون من رسوم تأسيس الشركات أكثر من تلك المحصلة في النزاعات القضائية> يقول نقيب المحامين السابق في الشمال رشيد درباس، في إشارة إلى تراجع الاستثمارات وتأسيس الشركات. ويؤكد درباس أن قسماً لا يستهان من مجموع المحامين يعيش بطالة مقنعة اليوم، مشدداً على أن الشلل الذي أصاب الدورة الاقتصادية في الشمال أسوأ من بيروت. مع ذلك، يشير إلى أن جميع المحامين في الشمال يدفعون اشتراكاتهم، للاستفادة من بوليصة التأمين المجانية. حتى عدد الدعاوى تقلص حسب شبقلو، فقد انعدمت دعاوى الإيجارات بين المحامين، كذلك الأمر بالنسبة لدعاوى حوادث السير أو صدم السيارات بوجود التأمين الإلزامي، ويقوم سماسرة الضمان بحل الخلافات الناشئة في صفوف المضمونين في الداخل والخارج. في محاولة لتحسين أوضاعهم، قام عدد من كبار مكاتب المحاماة بفتح فروع في الخارج مثل مكتب سليم وبدر المعوشي في قطر ومكتب شكري خوري ومكتب إميل كنعان في دبي ولندن وباريس. يقدر شبقلو عدد المحامين الذين تركوا لبنان للعمل في الخارج حوالى ألف محام، أو ما نسبته 15 في المئة من المحامين العاملين فعلياً في لبنان، بينهم مئة في مكتبي الملة والتميمي في دبي على سبيل المثال، ومعظمهم من الشباب. وهناك عدد من المحامين ركز عمله على غرف التحكيم الناشئة في القاهرة. أمام هذا الواقع، يأمل جريج أن يعود القسم الأكبر من هؤلاء المحامين إلى لبنان بعد استقرار الأوضاع في البلد. الصيادلة لا تختلف أوضاع الصيادلة اللبنانيين عن زملائهم في المهن الحرة، لجهة تأثر مردودهم المادي بالأزمة الاقتصادية الحادة، بحيث تراجع مدخول الصيدليات بمعدل 25 إلى 35 في المئة السنة الماضية، على الرغم من زيادة أسعار الأدوية بشكل مطرد نتيجة ارتفاع سعر صرف اليورو. <نحن جزء من المجتمع ونتأثر بتداعيات الأزمة السياسية كغيرنا> يعلق نقيب الصيادلة صالح دبيبو الذي يؤكد أن الوضع المعيشي للعاملين في القطاع سيء للغاية، والمردود المادي لم يعد يكفي لتغطية متطلبات الحياة اليومية لهؤلاء الأفراد. ويشير إلى أن رواتب العاملين في الصيدليات يتراوح بين 600 وألف دولار شهرياً حسب الخبرة. هناك قرابة الـ4500 صيدلي منتسب إلى النقابة، ومعظم المتواجدين على الأراضي اللبنانية يدفع اشتراكاته للنقابة، <ولكن العديد يتوجه اليوم إلى الخليج والولايات المتحدة للعمل أو الدراسة، وهذا أمر مؤسف> يقول دبيبو. لعل أبرز أسباب تراجع مداخيل الصيدليات وأخطرها، هو لجوء المواطنين إلى الأدوية الشبيهة أو ما يسمى بالـ<جينيريك> وهي أرخص من الأدوية الأصلية. <بعض هذه الأدوية أثبت فعاليته، إنما الجزء الآخر لم يتم اختباره بشكل فعال> تقول الدكتورة سناء عواضة، مبدية تخوفها من الآثار الجانبية لهذه الأدوية، في ظل غياب الرقابة الحقيقية في السوق. قد تؤدي هذه الظاهرة برأيها إلى زيادة الفاتورة الصحية على المواطنين، بدل تقليصها.