الكاتب: ياسين عدنان الكتاب: Mannequins الناشر: اتحاد كتّاب المغرب قرأت لياسين عدنان الشاعر المغربي الشاب مجموعته »مانيكان« صادرة عن »اتحاد كتّاب المغرب« وفيها قصائد تقرب ان تنجز غايتها، وان تستحق قيمة مؤكدة. ياسين عدنان يذهب الى الشعر في رغبة التأثير في القارئ، مستعينا على البلوغ او الوصل هذا بإحساسه المرهف المؤثر، ونزوعه المعياري الى قصيدة ذات بناء جيد، كما قدرته على الموازنة بين الصورة الشعرية وكلامها الذي يشبهها وينبئ عنها. وهو في قصائده يتأرجح في القول بين الجيد والأقل جودة، فلا يقع على حكم القيمة الشعرية الناضج للمجموعة، الا المتأني الى الشعر في أحوال علوّه ومراوحته. يرى ياسين عدنان كما يحرص، على أولى واجبات القصيدة وهي العاطفة الوجدانية، فيزين فيها التجريدي الشاحب سطوره، والقسمات الشبحية لقصيدته، ويصبغها بتلك العفوية الحدسية التي تمنحها طاقتها المؤثرة. وهو إذ ينجح في موضع، ويخبو في مواضع اخرى، فمن حداثة التجربة وبداهة الكتابات الاولى، او نتاج العلاقة بين الشاعر ومروياته ومشاهداته التي تحتاج للكلام عنها الى صقل ودربة وقراءة بعد، لتنشيط الالتفاف على عاديات القول، لصالح الانتهاء الى بعض الشعر ان لم نقل خلاصته كما في قصيدة »الاحد عادة« التي تعتمد بساطة السرد والصورة والفكرة غير انها تحتاج مزيد التكثيف والتشذيب والنأي عن النسق الاخباري المحض الذي يقصر عن ان يكون شعرا: الأحد.. أذهب عادة الى الحمام كي أزيل أدران الأسبوع ونجاساته أقرأ أكبر عدد ممكن من الجرائد ليتأكد انتمائي للعالم تلزمني ساعتان او أكثر من المقهى لاغتياب الحكومة والشعراء الرديئين احيانا، أرتاد السينما وقد أقصد المسرح او أية ملمة ثقافية اخرى كل هذا، في أحد مغشوش صادرت ليلة السبت ساعاته الاولى ساعاته الاكثر نبلا وطراوة. (ص68) نقد الحياة يميل ياسين عدنان الى نقد الحياة في شعره، ويتبنى هذه الفكرة الحصرية على الرغم من شدة شغفه بملذات الحياة هذه. ذلك ان الشاعر الذي تفتنه المرأة، ويتعبّد دقائق العيش بما يضمر من فرح وضجر وتسكع، يعتمد الشكوى والمناكفة ليؤكد ثورة الشباب والأعمار النضرة. هذا الميل البرِم بكل ما يدور في عالم عدنان ياسين الحياتي والشعري، يمنحه تلك الحرية التعبيرية، الخاصة والانسانية الشاملة التي تسمح بكتابة مضبوطة وفق النسق الذي يرتأيه، سواء ذلك الواقعي او الرومانسي. ثم ان هذه الشكوى العالية النبرة عند ياسين عدنان قادرة على انتاج شخصية شعرية. غير انها طرية ما زالت عند الشاعر، وتحتاج الى استمهال وبعض النضج والتروي والثبات في اسناد القول مادة الشكوى. هذه الشكوى، او القلق الوجودي اذا صحّ التعبير مادة خصبة للنهل من الحياة وأسرارها وضخّ الشعر بأكثر شروطه جاذبية شرط ان تأتي متأملة غير برانية، غير استعراضية، وتتعالى عن مزاح الشباب وقسوتهم في مجانية الجهر بالقول على حساب الشعر نفسه. في قصيدته »مانيكان« يقول الشاعر: الفتاة التي نسيت ما تبقى من العمر في غرفة لا تكاد تذكر عنوانها الفتاة التي تنتقي بدقة عصماء العشيق المناسب للون تنورتها الفتاة التي ترتدي مع كل Bon Soir بسمة لائقة. (ص47) الحب عند ياسين عدنان وفي قصائده، يبتعد عن ان يكون مثالا. وهو تفصيل بسيط من تفاصيل عاديات الحياة كالمقهى والمسرح والسينما والشراب وما الى ذلك. يقصّر الحب في »مانيكان« عن ان يكون سرا، او جوهرا ممتنعا او أصفى وأصدق الموضوعات الشعرية. بل هو عند ياسين عدنان مجرد حادث من حوادث الحياة، وعند أطرافها، لا تصونه طهارة ما، ولا تحرسه »تابوهات« او معيقات، ويحل عليه فتور الاشياء اليومية، وهواجس الاجساد التي تركن الى رغباتها فحسب. بعض الفوضى نلحظ عند ياسين عدنان بعض فوضى الشباب التي تخدم الكتابة الآلية الآخذة بنتاجات بعض الحداثويين الشعريين. فالشعر يتطلب كل حواسه، قديمها وحديثها. بل لعل الشعر الحديث بما هو أمام حقيقته العارية فحسب، من دون تزيين وما شابه، يحتاج الى حواس مضاعفة لتعويض البناء الناجز الذي درجت عليه القصائد القديمة بما هي كمال شعوري يسعفه الشكل المتضمن موسيقاه وإيقاعاته، فيسهل اكتفاء القصيدة بذاتها. تزيينات القصيدة الكلاسيكية ورهافة عناصرها تطرح نوعا من التحدي الفعلي على قصيدة النثر الشاحبة شكلا، والمتروكة الى مصيرها من دون احتضان داعم يرأف بكافة المعوقات الشعورية التي تهدد القصيدة. من هنا الرهان على الدواخل الغنية والمثقفة والحساسة، لبذل الحالة الشعرية الأقصى، وضخ الشعر بما يتطلبه من حضور للعقل والخيال والرأفة بنوازع القلب التي تحول بينه وبين الفوضى والجموح والفوران. العقل هو هدأة النظام الشعوري الذي يرتب الكلمات فتستحيل شعرا. يملك الشاعر الشاب ياسين عدنان الصبوة الكاملة الى الشعر، وهو يتحرك في مشهده الجديد وبأدواته الجديدة، لا تعوزه المفردة ولا تصاريفها، يبقى ان يصغي جيدا وعميقا الى أصوات الحياة الداخلية.